بث تجريبي

هل يمول الذهب السلام بدل الصراع؟

التعدين الحرفي يفرض نفسه على أجندة مؤتمر مئوية CIBJO

التعدين الحرفي يفرض نفسه على أجندة مؤتمر مئوية CIBJO

كنوز.نيوز

فرض التعدين الحرفي والصغير نفسه على أجندة مؤتمر مئوية الاتحاد العالمي للمجوهرات CIBJO المنعقد في فيتشنزا، بعدما تحول خلال السنوات الأخيرة من قطاع ينظر إليه غالبًا باعتباره إحدى الحلقات الأكثر خطورة وصعوبة في سلاسل التوريد، إلى قوة إنتاجية واقتصادية لا يمكن تجاهلها عند الحديث عن مستقبل الذهب والأحجار الكريمة أو ضبط الأسواق العالمية.

والواقع يقول أن شركات التعدين والتصنيع الكبرى لم تعد هي الصوت الأوحد في صناعة الذهب. فمع الارتفاع الكبير في أسعار الذهب واتجاه الدول والشركات الكبرى إلى تأمين مصادر المعدن وزيادة الإنتاج، برزت أهمية التعدين الحرفي والصغير ASM، ليس فقط باعتباره مصدر رزق لملايين العاملين على مستوى العالم، وإنما كمصدر فعلي لكميات ضخمة من الذهب والأحجار التي تدخل الأسواق العالمية.

وتجلت قوة هذا التحول في غانا، إحدى أكبر الدول المنتجة للذهب في أفريقيا، حيث تجاوز إنتاج التعدين الحرفي والصغير في 2025 إنتاج المناجم الصناعية الكبرى للمرة الأولى منذ أكثر من قرن.

وبلغ إنتاج القطاع الصغير 3.11 مليون أوقية من الذهب مقابل 2.83 مليون أوقية للتعدين واسع النطاق، ليستحوذ التعدين الصغير على 52.4% من إجمالي إنتاج البلاد، مقابل 47.6% للمناجم الكبرى. وارتفع إنتاجه بنحو 63.8% خلال عام واحد، بينما تراجع إنتاج القطاع الكبير بنحو 3%.

وتظهر بيانات مجلس الذهب الغاني الصورة بصورة أكثر وضوحًا من زاوية التجارة؛ إذ بلغت صادرات قطاع التعدين الحرفي والصغير خلال 2025 نحو 103 أطنان بقيمة 10.8 مليار دولار، مقابل 96.6 طن بقيمة 9.2 مليار دولار للتعدين واسع النطاق.

 

من مصدر للمخاطر إلى جزء من الحل

هذه التحولات أعادت طرح السؤال أمام صناعة الذهب والمجوهرات: هل يمكن ضبط السوق العالمي وتأمين مصادر المعدن ومكافحة التهريب والتدفقات المالية غير المشروعة، بينما يبقى جزء ضخم من الإنتاج عند المنبع خارج النظام الرسمي؟

خلال مؤتمر مئوية CIBJO، الذي يعقد في فيتشنزا خلال الفترة من 4 إلى 7 سبتمبر، خُصصت جلسة مستقلة بعنوان «إعادة تقييم دور التعدين الحرفي» – Reassessing the role of artisanal mining، ناقشت الفرص التي يمثلها القطاع والمخاطر المرتبطة به، والجهود المطلوبة لإدخاله في الاقتصاد الرسمي.

وأكدت المناقشات أن التعدين الحرفي والصغير يمثل جزءًا حيويًا من إنتاج الذهب والأحجار الملونة، بينما تواجه الصناعة تحديات مرتبطة بالتهريب عبر الحدود والتدفقات المالية غير المشروعة والحاجة إلى بناء قنوات رسمية تصل إنتاج المعدنين بالأسواق.

وتتضاعف أهمية القطاع في سوق الأحجار الكريمة، حيث أشار CIBJO خلال الجلسة إلى أن نحو 80% من الأحجار الملونة عالميًا يستخرجها معدنون حرفيون وصغار.

فريال زروقي: لا يمكن ترك التعدين الحرفي خلفنا

وقالت Feriel Zerouki، التي قادت سابقًا مشروع GemFair التابع لـDe Beers لدعم التعدين الحرفي كما قادت مجلس الماس الطبيعي كرئيس تنفيذي:

“We can’t leave the artisanal mining sector behind – لا يمكننا أن نترك قطاع التعدين الحرفي خلفنا”.

ورفضت النظر إلى القطاع باعتباره مشكلة بلا حل، مؤكدة أن “التعدين الحرفي ليس قصة يأس”، ودعت الصناعة إلى الاتفاق على “رحلة من التحسين المستمر”. بدل انتظار انتقال القطاع دفعة واحدة إلى نموذج مثالي.

وتكشف هذه الرؤية تحولًا مهمًا في طريقة تعامل الصناعة مع التعدين الحرفي؛ فالمسألة لم تعد تقتصر على اكتشاف المخاطر ثم استبعاد المورد، وإنما أصبحت تتعلق بكيفية إدخاله تدريجيًا في منظومة يمكن مراقبتها وتتبع إنتاجها وتحسين ممارساتها.

فريال زروقي-Feriel Zerouki- لا يمكننا أن نترك قطاع التعدين الحرفي خلفن
فريال زروقي-Feriel Zerouki- لا يمكننا أن نترك قطاع التعدين الحرفي خلفن

 

المشكلة ليست مجرد استخراج الذهب.. ولكن في الطريق إلى السوق

ووضعت Elizabeth Arnott من Mwamba Mining يدها على إحدى أهم مشكلات القطاع، مؤكدة أن التعدين الحرفي ظل يعمل دون طريق حقيقي إلى السوق – Route to Market، وأن إدخاله في الإطار الرسمي من شأنه أن يساهم في نمو السوق نفسه.

وقالت:“The opportunity is to build the connective tissue.” أي أن “الفرصة تكمن في بناء النسيج الرابط بين المعدّن وبقية حلقات سلسلة القيمة”.

وأشارت إلى أن العمل خارج الاقتصاد الرسمي وعدم ظهور المعدنين داخل سلاسل التوريد يعزز كل منهما الآخر؛ فغياب المعدّن عن النظام الرسمي يصعب الوصول إليه وتمويله والتحقق من إنتاجه، بينما يدفع غياب تلك الخدمات به مرة أخرى إلى القنوات غير الرسمية.

 

التتبع يبدأ من المنجم

كانت لحلول التتبع حضورا باعتباره أحد أهم مفاتيح الحل. وكشفت Arnott أن Mwamba Mining تستثمر في تطوير حل للتتبع Traceability Solution، مؤكدة أن: “traceability gives a claim of responsible sourcing legitimacy- التتبع يمنح ادعاء التوريد المسؤول شرعيته”.

فلم يعد كافيًا أن يصل الذهب إلى المصفاة مصحوبًا بادعاء أنه أُنتج بصورة مسؤولة، وإنما أصبحت الصناعة بحاجة إلى القدرة على إثبات مصدره والطريق الذي قطعه عبر سلسلة التوريد.

ومن هنا تبرز أهمية تنظيم الاستخراج من بدايته؛ لأن مكافحة تهريب الذهب أو استخدام عائداته في التدفقات المالية غير المشروعة لا يمكن أن تبدأ عند نهاية السلسلة فقط، بينما تظل الحلقة الأولى خارج النظام.

 

التمويل.. الحلقة المفقودة

ومن المفارقات اللافتة في هذا القطاع، أن البنوك التي تسعى للحصول على الذهب وتقديم المنتجات المالية المختلفة المدعومة بالذهب للعملاء، هي نفس البنوك التي تعزف عن تمويل عمليات استخراج واستكشاف الذهب وخاصة على مستوى التعدين الحرفي.

حيث يحتاج إدخال المعدّن الحرفي إلى السوق الرسمي يحتاج إلى أكثر من قواعد وتنظيم، فقد احتل التمويل مساحة كبيرة من مناقشات الجلسة، واعتبر المشاركون أن صعوبة الوصول إليه تحرم المعدنين الحرفيين من الاستقرار اللازم للانتقال إلى نموذج أكثر تنظيمًا.

وأكدت Zerouki أن غياب نظام للدعم المصرفي شكل عائقًا أمام المحاولات المبكرة لدعم القطاع، مشيرة إلى أن المعدنين الحرفيين أنفسهم يواجهون صعوبات كبيرة في الحصول على التمويل.

أما Greg Valerio، الذي عرض مبادرة Peace Gold في جمهورية الكونغو الديمقراطية، فلخص مشكلة تعامل البنوك مع مخاطر القطاع بقوله: “Banks aren’t helpful- البنوك لا تساعد”.

وتكشف هذه المشكلة عن حلقة يصعب كسرها: فالمعدّن يحتاج إلى التمويل حتى يستطيع تطوير ممارساته والعمل بصورة رسمية، بينما يتردد القطاع المالي في تمويله بسبب المخاطر المرتبطة بعمله خارج النظام الرسمي.

 

التدريب يفتح باب السوق

ولم تقتصر الحلول المطروحة على التمويل والتتبع، فقد عرض Norbert Massay من Moyo Gems وPact Tanzania تجربة Moyo Gems في شرق أفريقيا لتوفير الأحجار الكريمة من مصادر مسؤولة، مؤكدًا إمكانية تكرار النموذج.

وأشار إلى برامج تدريب مدعومة من GIA وصلت إلى نحو 1,800 معدن في ست دول، في نموذج يربط بناء قدرات المعدنين بقدرتهم على الدخول إلى سلاسل توريد أكثر تنظيمًا ومسؤولية.

 

هل يمول الذهب السلام بدل الصراع؟

وطرح Greg Valerio من خلال مبادرة Peace Gold سؤالًا يلخص جانبًا آخر من القضية:

“Can we use the gold that is in the ground to fund peace?- هل يمكننا استخدام الذهب الموجود في الأرض لتمويل السلام؟.

وأشار إلى أن قيمة المعدن تتضاعف مرات عديدة أثناء انتقاله من المصدر عبر سلسلة صناعة وتجارة المجوهرات، وهو ما يعيد فتح السؤال حول نصيب المجتمعات المنتجة من القيمة التي يصنعها الذهب بعد خروجه من أراضيها.

ضبط سوق الذهب يبدأ من المنبع

وتكشف مناقشات مؤتمر المئوية أن تأمين إمدادات الذهب لم يعد مسألة تخص الشركات الكبرى والمصافي وحدها، فكلما زاد الوزن الإنتاجي للتعدين الحرفي، أصبحت محاولة ضبط السوق مع تجاهله أكثر صعوبة، إذ إن الذهب الذي لا يجد طريقًا رسميًا من المنجم إلى السوق سيظل أكثر عرضة للتسرب إلى قنوات التهريب والتجارة غير الرسمية والتدفقات المالية غير المشروعة.

ومن هنا تتشكل ملامح النموذج الذي طرحته مناقشات فيتشنزا: تنظيم المعدّن، تدريبه، تمويله، تتبع إنتاجه، بناء طريق رسمي يصل به إلى السوق، وإشراك البراندات وبقية حلقات سلسلة القيمة في دعمه.

وبعد سنوات انصب فيها جانب كبير من النقاش الدولي على حماية سلاسل التوريد من مخاطر التعدين الحرفي، يبدو أن السؤال بدأ يتغير:

كيف يمكن حماية سلسلة التوريد من دون أن نترك أحد أهم مصادرها خارجها؟

فالذهب المسؤول لا يبدأ عند المصفاة، ولا عند شهادة المنشأ، ولا عند فاترينة المجوهرات، بل يبدأ من أول شخص أخرج المعدن من الأرض.

 

CIBJO- الاتحاد العالمي للمجوهرات يدشن أكاديمية دولية للمجوهرات الراقية في ميلانو

الجلسة الصناعية بمئوية CIBJO بفيتشنزا: 17صوتًا يرسمون خريطة صناعة المجوهرات للمئوية القادمة

غانا تدخل قائمة أكبر 6 منتجين للذهب عالميًا والتعدين الحرفي والصغير يقود القفزة.

كيف حولت تنزانيا التعدين الأهلي من عبء إلى رافعة للاقتصاد؟

مقالات مختارة

Mahiar Borhanjoo: مجوهرات والدي الثمينة وفرت لأسرتي الحرية والأمان والحلم.
جاريث بيني يقدم 8 محاور لإعادة بناء مستقبل الماس الطبيعي
من بطاقة مخزون إلى هوية للقطعة.. RFID يدخل مرحلة جديدة في المجوهرات- أهم ما ظهر في لندن 2026
Trendbook يرصد اتجاهات مجوهرات 2028.. الإنسان يستعيد قلب الفخامة في عصر AI
CIBJO- الاتحاد العالمي للمجوهرات يدشن أكاديمية دولية للمجوهرات الراقية في ميلانو
“مجوهرات القطط” ل ساندى ليرنر تُطرح في مزاد بدار Bonhams بنيويورك.. 4 فصول استثنائية
XJet تعرض في T.GOLD: تقنية للطباعة ثلاثية الأبعاد بالذهب تصلح لعياري 14, 18
في مئويته: CIBJO يصدر كتاب بأهم 8 قواعد تنظم سلاسل التوريد المسئول في الذهب والمجوهرات للقرن القادم
Gareth Penny يغير مسار المعركة: اشتعال المواجهة بين منتجي الماس الطبيعي والصناعي قبل ساعات من جلسة الحسم
الأميرة فوزية تعيد تعريف الإرث: “قد تختفي الأشياء.. لكن القصص المرتبطة بها تستمر”.