بعد استعراض الثروة المعدنية الهائلة التي تشكل عصب الاقتصاد في تنزانيا، والإصلاحات التي نفذتها لتطوير قطاع التعدين وتعظيم القيمة المضافة من الذهب والأحجار الكريمة، ربما أصبحت الصورة أكثر وضوحًا بشأن طبيعة التعاون الذي يمكن أن يجمع بين مصر وتنزانيا في قطاع المعادن والأحجار الثمينة.
ففرص التعاون بين البلدين لا تقف عند حدود تبادل الخامات أو إقامة مشروعات مشتركة في التعدين والتصنيع، بل تمتد أيضًا إلى الاستفادة من التجارب الناجحة في إدارة الموارد الطبيعية. ولعل التجربة التنزانية في تنظيم التعدين الأهلي تُعد واحدة من أبرز التجارب التي تستحق الدراسة، بعدما نجحت الحكومة في دمج مئات الآلاف من المعدنين في الاقتصاد الرسمي، وتحويل هذا النشاط إلى أحد المحركات الرئيسية للإنتاج والصادرات وزيادة احتياطيات الذهب. وقد أصبح هذا النموذج محل اهتمام ودراسة في عدد من الدول، ويمكن أن يفتح آفاقًا جديدة للتعاون وتبادل الخبرات بين مصر وتنزانيا.
حجم التعدين الأهلي ( صغير النطاق) في اقتصاد تنزانيا
يوفر التعدين الأهلي في تنزانيا فرص عمل أساسية للمجتمعات التي تتواجد بها مواقع التعدين، ويساهم عمال المناجم (صغيرة النطاق) بنسبة في الناتج النهائي من التعدين، وهو ما أدركت الدولة أهميته حيث لم تحارب التعدين الأهلي، وإنما قامت بتقنينه ودمجه في الاقتصاد الرسمي. ولا يقتصر دورهم على الإنتاج، إذ تشير التقديرات إلى أن التعدين الأهلي يوفر مصدر دخل مباشر أو غير مباشر لما يقرب من 1.5 إلى مليوني شخص في تنزانيا، ويستحوذ على نحو 90% من العمالة في قطاع التعدين.
شهدت مساهمة التعدين الأهلي (Artisanal and Small-Scale Mining – ASM) نموًا كبيرًا خلال السنوات الأخيرة.

فوفقًا لوزارة المعادن التنزانية، ارتفعت مساهمة التعدين صغير النطاق في إنتاج المعادن من نحو 5% فقط قبل تعديل قانون التعدين عام 2017 إلى ما يقرب من 40% خلال السنة المالية 2022/2023، ليس في الذهب فقط، وإنما في الذهب والتنزانيت والأحجار الكريمة الأخرى مجتمعة.
أما بالنسبة للذهب تحديدًا، فتشير البيانات الرسمية إلى أن المعدنين صغار النطاق ينتجون نحو 30% من إجمالي إنتاج الذهب في البلاد، بعدما كانت مساهمتهم لا تتجاوز 10-12% قبل سنوات قليلة. ففي موسم 2020/2021 بلغ إنتاجهم أكثر من 12.6 طنًا من الذهب، بما يعادل حوالي 30% من الإنتاج الوطني .
خطة تنزانيا لدمج التعدين الأهلي في الاقتصاد الرسمي
لم تسلك الدولة مسار ملاحقة المعدنين أو طردهم من مناطق التعدين، بل عالجت المشكلة عبر التحول من القمع إلى التقنين والدمج المالي والاقتصادي اتبعت الحكومة سياسة “التقنين ثم التطوير”. عبر استراتيجية شاملة تضمنت:
- التسجيل والتقنين: إنشاء سجلات رسمية للمعدّنين وتحديد مناطق نشاطهم.
- تشجيع التعاونيات: تقديم التمويل البنكي للتعاونيات لشراء المعدات وتسهيل استخدام التكنولوجيا الحديثة الآمنة.
- الرقابة على سلاسل الإمداد: حصر التجار، الوسطاء المحليين، والمصدّرين.
- الاحتفاظ بالذهب: إقامة مصاهر محلية وبورصات للذهب، مما شجع البنك المركزي على شراء إنتاج المعدنين.
أثمرت هذه السياسات عن طفرة اقتصادية، حيث تجاوزت قيمة احتياطيات الذهب لدى البنك المركزي التنزاني حاجز الـ 1.3 مليار دولار، كما تم شراء أكثر من خمسة أطنان من الذهب الخالص بقيمة تجاوزت 554 مليون دولار ضمن برنامجه في عام 2025. وفي سبتمبر من نفس العام وصلت صادرات الذهب إلى 4.43 مليار دولار، علمًا بأن إنتاج تنزانيا من الذهب في السنوات الأخيرة يتراوح بين 55 و60 طنًا سنويًا، مع تسجيل مستوى قياسي في 2024 بلغ نحو ستين طنًا.

خطوات تنفيذ الاستيراتيجية:
1- تقنين النشاط وإصدار التراخيص
أعادت الحكومة تنظيم تراخيص التعدين صغير النطاق، ومنحت آلاف المعدنين رخصًا قانونية للعمل، ما أدى إلى انتقال نسبة كبيرة من النشاط من الاقتصاد غير الرسمي إلى الاقتصاد الرسمي.
2- تخصيص مناطق للمعدنين الصغار
خصصت الدولة مناطق تعدين لا يجوز منحها للشركات الكبرى، لتكون حكرًا على المعدنين صغار النطاق، وهو ما خفف كثيرًا من النزاعات بين الشركات العالمية والمجتمعات المحلية. .
3- إنشاء أسواق ومراكز رسمية لشراء المعادن
وهو ما يعد الإصلاح الأهم. حيث أنشأت الحكومة عشرات أسواق المعادن (Mineral Markets) ومراكز شراء رسمية في مختلف الأقاليم، بحيث يستطيع المعدن بيع إنتاجه مباشرة داخل السوق المحلي وبسعر قريب من السعر العالمي، بدلاً من الاعتماد على السماسرة أو التهريب, ومع الوقت لم يعد المُعدّن بحاجة إلى المخاطرة بالتهريب بحثًا عن سعر أفضل أو سيولة أسرع، فتغيّر السلوك، ليس خوفًا من العقوبة، بل استجابةً لحافز اقتصادي واضح.
وقد ساهمت هذه الأسواق في:
- تقليل تهريب الذهب والأحجار الكريمة.
- رفع الإيرادات الضريبية.
- تسجيل الإنتاج الحقيقي الذي كان يخرج سابقًا خارج الإحصاءات الرسمية.
- زيادة دخل المعدنين .
4- تطوير البنية الأساسية
مدت الحكومة الكهرباء والطرق إلى العديد من مناطق التعدين، وساعدت في توفير معدات الحفر وتمويل شرائها بالإضافة إلى تقديم الخدمات الفنية، مما رفع الإنتاجية وخفض تكاليف التشغيل للمعدنين الصغار.
5- التمويل والتدريب
ربطت الحكومة المعدنين بالمؤسسات المالية والبنوك، وقدمت برامج تدريب على أساليب التعدين الآمن وتحسين استخلاص الذهب وتقليل استخدام الزئبق، مع تعزيز خدمات الإرشاد الفني. كما قامت برقمنة دورة الذهب بالكامل، لرصد كل جرام عبر مسار واضح: من المنجم إلى مركز الشراء، إلى المصفاة، إلى التصدير أو خزائن البنك المركزي.
6- دمجهم في سلاسل القيمة الرسمية
أصبح إنتاج المعدنين الصغار يدخل إلى الأسواق الرسمية ثم إلى المصافي والمصدرين بصورة قانونية، وهو ما عزز الشفافية وسهّل تتبع الإنتاج وزاد من حصيلة الدولة من الضرائب والرسوم.
7- تشدّيد القوانين والعقوبات على التهريب
شددت الدولة العقوبات على التهريب حيث أصبح وفقا للقانون جريمة تمسّ أمن الدولة لا جريمة اقتصادية، واتخذت عقوبات صارمة تشمل المصادرة والغرامات والسجن. فجعلت التهريب خيارًا غير مجدٍ، في حين صار الطريق الرسمي أسرع وأسهل وأكثر ربحًا. وهكذا أعاد السوق نفسه الذهبَ إلى الدولة.

لماذا نجحت التجربة؟
الدرس الأهم في التجربة التنزانية هو أن الحكومة تعاملت مع التعدين الأهلي باعتباره فرصة اقتصادية وليس مشكلة أمنية. فبدلاً من محاربة مئات الآلاف من المعدنين، عملت على تنظيمهم، ومنحتهم الشرعية، وربطتهم بالاقتصاد الرسمي، ثم وفرت لهم الأسواق والخدمات والتمويل.
لقد سهلت الدولة العمل بشكل رسمي ومنحت التسهيلات والمساعدات المادية والفنية والخدمية، لغلق كل الثغرات التي يمكن أن تغري المعدنين الأهليين وتدفعهم نحو التهريب، فوضعت منظومة مترابطة ذات مسارات سهلة وواضحة، فجعلت كلفة التهريب أعلى، ثم لجأت إلى تغليظ العقوبات في حالة التهريب واعتباره جريمة ضد الدولة.
وكانت النتيجة أن ارتفعت مساهمة التعدين صغير النطاق بصورة ملحوظة، سواء في إنتاج الذهب أو الأحجار الكريمة، مع زيادة إيرادات الدولة والحد من التهريب، حتى أصبحت التجربة التنزانية تُطرح اليوم كنموذج تستفيد منه دول إفريقية أخرى في إدارة التعدين الأهلي.
فرص التعاون الممكنة بين مصر وتنزانيا في قطاع المعادن والأحجار الثمينة
في ظل وجود علاقات قوية بين الدولتين، ربما تزيد فرص التعاون بين مصر وتنزانيا عن توقعات البعض، فلا يقتصر التعاون على التجارة في الذهب أو استيراد الخامات، بل يمكن بسهولة أن تمتد إلى إمكانية بناء شراكة صناعية متكاملة تستفيد من المزايا النسبية لكل طرف. فبينما تمتلك تنزانيا ثروة كبيرة من الذهب والأحجار الكريمة، تتمتع مصر بقاعدة صناعية متطورة نسبيًا في تصنيع المشغولات الذهبية، وخبرة متراكمة في تصميم المجوهرات، وتوافر مصانع وورش إنتاج، إلى جانب موقعها الجغرافي واتفاقياتها التجارية التي تتيح الوصول إلى أسواق إفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا.
ويمكن أن تشمل مجالات التعاون إنشاء شراكات بين شركات التعدين التنزانية والمصنعين المصريين لتوريد الذهب والأحجار الكريمة بصورة مباشرة، وإقامة مشروعات مشتركة في مجال تكرير الذهب وصناعة السبائك، وخاصة بعد توقيع مصر لاتفاقية إنشاء بنك الذهب الأفريقي مع بنك الاستيراد والتصدير الأفريقي – أفريكسيم- لتخزين وتسويق الذهب الأفريقي.
كما يمكن الاستفادة من الخبرة المصرية في تصنيع المشغولات الذهبية وإنتاج المجوهرات المرصعة بالأحجار الكريمة التنزانية ذات القيمة العالية، بما يحقق قيمة مضافة أكبر للطرفين بدلاً من تصدير الخامات.
كما تبرز فرص واعدة للتعاون في تقطيع وصقل الأحجار الكريمة، من خلال إنشاء مراكز تدريب وورش مشتركة، ونقل الخبرات المصرية في التصميم والتصنيع، إلى جانب التعاون في إعداد الكوادر الفنية، ودعم الابتكار في تصميم المجوهرات، وربط الأحجار الكريمة التنزانية بالصناعة المصرية لإنتاج علامات تجارية إفريقية قادرة على المنافسة في الأسواق العالمية.
ويمتد التعاون كذلك إلى مجالات البحث الجيولوجي والاستكشاف، ونقل التكنولوجيا، وتبادل الخبرات في تنظيم التعدين صغير النطاق، والتحول الرقمي لأنشطة التعدين والتجارة، وإنشاء منصات ومعارض ومراكز تداول مشتركة، بما يعزز التكامل بين البلدين في واحدة من أكثر الصناعات الواعدة داخل القارة الإفريقية.
وفي ظل عضوية مصر وتنزانيا في اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية (AfCFTA)، فإن بناء سلاسل قيمة إقليمية للذهب والأحجار الكريمة لم يعد مجرد فرصة استثمارية، بل يمثل نموذجًا عمليًا للتكامل الصناعي الإفريقي، يقوم على استغلال الموارد الطبيعية في دول الإنتاج، والاستفادة من القدرات التصنيعية والخبرات الفنية في دول تمتلك قاعدة صناعية أكثر تطورًا، بما يسهم في زيادة القيمة المضافة داخل القارة بدلًا من تصدير المواد الخام إلى الخارج.
إقرأ أيضا:
Genesis Minerals تستحوذ على Magnetic Resources بمنطقة تعدين الذهب الأسترالية
تنزانيا.. ثروة معدنية هائلة وتجربة ناجحة في تعظيم القيمة المضافة
خبراء يطالبون بالاهتمام بثروة مصر المنسية من الأحجار الكريمة
إطلاق المنتدى الدولي للمعادن والاحجار الثمينة ضمن توصيات ختام Ecominex- 2026
تسهيلات جديدة لتراخيص استكشاف المعادن وإنشاء معامل تحاليل الصخور والخامات في مصر



