أكد خبراء التعدين والثروة المعدنية وتجار وصناع الذهب خلال الجلسة الافتتاحية للمنتدى الدولي للمعادن والأحجار الثمينة أن مصر تمتلك فرصًا واعدة لتعظيم القيمة المضافة من ثرواتها التعدينية، مشددين على أن التحدي الحقيقي لم يعد في اكتشاف الموارد، وإنما في تطوير منظومة متكاملة تربط بين التعدين والتصنيع والتسويق والتصدير.
جاء ذلك خلال الجلسة الحوارية التي عقدت تحت عنوان «تكامل سلاسل الإمداد في قطاع المعادن الثمينة وبناء القيمة المضافة.. التحديات والفرص»، بمشاركة ممثلين عن مختلف حلقات القطاع.

قطاع التعدين بين الخرافات والحقائق العلمية
وقال الدكتور حسن بخيت، الجيولوجي والقيادي السابق بهيئة الثروة المعدنية ورئيس الملتقى الدولي للمناجم والمحاجر، إن قطاع تعدين الذهب في مصر عانى لسنوات طويلة من أفكار غير علمية روجت لفكرة أن المصريين القدماء استنفدوا احتياطيات الذهب، مؤكداً أن هذه المزاعم لم تستند إلى أي أساس علمي.
وأوضح أن خرائط هيئة المساحة الجيولوجية التي تعود إلى عام 1896 كانت تتضمن نحو 120 موقعاً معروفاً لتعدين الذهب، قبل أن تتوسع أعمال الاستكشاف الحديثة ليرتفع عدد المواقع المكتشفة إلى نحو 380 موقعاً، ما يؤكد استمرار امتلاك مصر لموارد واعدة تحتاج فقط إلى استثمارات جادة وصبر طويل الأمد.
وأشار بخيت إلى أن تجربة منجم السكري تمثل نموذجاً واضحاً على أهمية الاستثمار طويل المدى في قطاع التعدين، موضحاً أن سنوات من الاستكشاف والبحث العلمي تحولت إلى واحد من أكبر مناجم الذهب في العالم، ينتج نحو 12 طناً سنوياً من مساحة محدودة نسبياً.
٦٠ موقعا مهملا: الأحجار الكريمة.. ثروة مصر المنسية
وفي ملف الأحجار الكريمة، وردا على ما طرحه السيد عصام رشاد المتخصص في تقطيع وتلميع وتجارة الأحجار الكريمة في الصاغة، حول مواقع تعدين الفيروز والزبرجد المصري وغيرها من مواقع استكشاف الاماتيست واللازورد، متسائلا عن سبب الإهمال الذي تعاني منه هذه المواقع وتركها للتعدين العشوائي، في حين يضطر التجار إلى استيراد الأحجار التي تحتاجها صناعة المجوهرات والسوق المصري من الخارج بعد أن كانت الاحجار المصرية منافسة عالميا، وأبدى عصام رشاد استعداده للاستثمار في تعدين وتطوير هذه المواقع هو وكل تجار الأحجار في مصر.

من جانبه وصف دكتور حسن بخيت تعدين الأحجار الكريمة بأنه «الثروة المنسية» داخل قطاع التعدين المصري، موضحاً أن الدراسات الجيولوجية رصدت ما يقرب من 60 موقعاً للأحجار الكريمة وشبه الكريمة موزعة على مناطق مختلفة من الجمهورية.
وأضاف أن طبيعة تعدين الأحجار الكريمة تختلف جذرياً عن تعدين المعادن التقليدية، وهو ما جعل شركات التعدين الكبرى لا تبدي اهتماماً بهذا النشاط، رغم وجود خرائط وبيانات فنية متخصصة لهذه المواقع.
وكشف أنه لم يشهد طوال سنوات عمله بهيئة الثروة المعدنية تقديم أي طلبات جادة للحصول على تراخيص استكشاف أو استخراج للأحجار الكريمة، مؤكداً أن تطوير هذا النشاط يتطلب إطاراً تشريعياً يسمح للعاملين في تجارة وصناعة الأحجار الكريمة بتأسيس شركات تعدين متخصصة والحصول على تراخيص مباشرة للاستكشاف والإنتاج.
وأوضح أن المنتدى سيتبنى توصية بإعداد مشروع قانون أو قرار تنظيمي يفتح الباب أمام المتخصصين في هذا القطاع للدخول إلى أنشطة التعدين بشكل قانوني ومنظم.
الدهابة.. تقنين الأوضاع ضرورة لدمجهم في الاقتصاد الرسمي
كما تطرق بخيت إلى قضية «الدهابة» العاملين في استخراج الذهب بالمناطق الصحراوية، مؤكداً أن استمرار النشاط خارج الأطر القانونية يخلق بيئة خصبة للتهريب والصراعات ويؤدي إلى فقدان الدولة جزءاً من حقوقها في الموارد المستخرجة.
وشدد على أهمية الإسراع في تقنين أوضاع العاملين بهذا النشاط ودمجهم داخل الاقتصاد الرسمي، بما يضمن الرقابة وحصر الإنتاج وتعظيم العوائد الاقتصادية للدولة.
وفي سياق متصل، أشار إلى وجود فاقد اقتصادي كبير خلال مراحل الاستخلاص والتكرير نتيجة عدم الاستفادة الكاملة من المعادن المصاحبة للذهب، إلى جانب استخدام بعض الممارسات والمواد الضارة بالبيئة.
وأكد أن الاستعانة بالخبرات العلمية والبحثية المتخصصة أصبح ضرورة لضمان رفع نسب الاستخلاص وتحقيق أفضل استفادة ممكنة من الخامات المستخرجة مع الالتزام بالمعايير البيئية والاستدامة.
وأشار الدكتور حسن بخيت إلى أن بعض عمليات الاستخلاص لا تزال تؤدي إلى فقدان معادن مصاحبة ذات قيمة اقتصادية مرتفعة، فضلاً عن وجود ممارسات تحتاج إلى تطوير من الناحية البيئية والفنية، مؤكداً أهمية الاستعانة بالبحث العلمي والخبرات المتخصصة لتحقيق أعلى نسب استخلاص ممكنة وفقاً لمعايير الاستدامة.
كما تناولت المناقشات الحاجة إلى تنظيم سوق تداول الذهب والمعادن الثمينة بصورة أكثر كفاءة وشفافية، من خلال تطوير آليات معتمدة للفحص والتكرير والتسعير وضمان جودة السبائك المتداولة.
وأكد المشاركون أن غياب منظومة متكاملة للتداول يخلق تحديات تتعلق بالثقة بين أطراف السوق، سواء فيما يخص جودة السبائك، أو آليات الدفع والتسوية، أو الاعتماد الدولي للمنتجات المتداولة.
مصفاة التكرير.. وسيلة لتعزيز مكانة مصر كمركز اقليمي
وفي هذا السياق، شدد الحضور على أهمية الإسراع في إنشاء مصفاة مصرية معتمدة دولياً، بما يسهم في تسهيل عمليات التصدير والاستيراد، وتعزيز مكانة مصر كمركز إقليمي لتداول الذهب والمعادن الثمينة، فضلاً عن دعم التعاون مع الأسواق الأفريقية المجاورة.
واتفق المشاركون على أن تعظيم القيمة المضافة لا يتحقق بمجرد استخراج الخام، وإنما من خلال بناء سلسلة متكاملة تبدأ من التعدين والاستكشاف، مروراً بالتكرير والتداول والتصنيع، وصولاً إلى التصدير وبناء العلامات التجارية.
وأكدوا أن مصر تمتلك المقومات الجيولوجية والبشرية والمؤسسية التي تؤهلها للقيام بهذا الدور، لكن النجاح يتطلب رؤية متكاملة تجمع بين تطوير التشريعات، وتنظيم السوق، وتشجيع الاستثمار، وتعزيز الاعتماد على البحث العلمي والتكنولوجيا الحديثة.
واختتمت الجلسة بالتأكيد على أن ملف الذهب والمعادن الثمينة والأحجار الكريمة يمثل فرصة استراتيجية للاقتصاد المصري، وأن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من مجرد اكتشاف الموارد إلى بناء منظومة متكاملة قادرة على تحويل هذه الثروات إلى قيمة اقتصادية مستدامة تدعم النمو والصادرات وتخلق فرصاً جديدة.
إقرأ أيضا:
Genesis Minerals تستحوذ على Magnetic Resources بمنطقة تعدين الذهب الأسترالية



