جاءت الزيارة الرسمية التي قام بها الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى تنزانيا ولقاؤه بالرئيسة سامية صلوحو حسن في وقت حاسم كخطوة جديدة في مسار العلاقات المصرية-التنزانية التي ركزت على التعاون في مجالات الزراعة والمياه والطاقة والبنية التحتية، في حين لم يتم التطرق إلى ملف يعد من أهم الملفات التي تستحق إلقاء الضوء عليها باعتباره واحداً من أكثر ملفات التعاون الاقتصادي الواعدة بين البلدين، وهو ملف الثروة المعدنية والمعادن والأحجار الكريمة، الذي لا يزال حتى الآن يعاني من الإهمال برغم الإمكانات الهائلة التي تحظى بها الدولتين، وفرص التنمية الواعدة التي يمكن التعاون فيها في هذا القطاع.
تمتلك تنزانيا ثروة معدنية هائلة جعلتها واحدة من أبرز الدول التعدينية في إفريقيا، في الوقت الذي تمتلك فيه مصر خبرات متراكمة في تصنيع المشغولات الذهبية، وتكرير المعادن، وصناعة المجوهرات، إلى جانب موقعها الجغرافي وقدراتها الصناعية والتصديرية. ورغم هذا التكامل الطبيعي، لا يزال التعاون بين البلدين في قطاع المعادن والأحجار الكريمة محدودًا بل غائباً، ولم يرتق بعد إلى مستوى الإمكانات التي يملكها الطرفان.
وفي عالم تتنافس فيه الدول على تأمين المعادن الاستراتيجية وتعظيم القيمة المضافة للموارد الطبيعية، تبدو تنزانيا نموذجًا جديرًا بالدراسة. فلم تعد البلاد تكتفي باستخراج الذهب أو الأحجار الكريمة وتصديرها، بل تبنت خلال السنوات الأخيرة برنامجًا متكاملًا لإصلاح قطاع التعدين، شمل تحديث التشريعات، وإعادة هيكلة المؤسسات، وتنظيم التعدين الأهلي صغير النطاق، وتشجيع التصنيع المحلي، وتعزيز الشفافية، بهدف تحويل الثروة المعدنية إلى أحد المحركات الرئيسية للنمو الاقتصادي والتنمية.
وتكشف نظرة متعمقة إلى قطاع التعدين التنزاني عن تنوع استثنائي في الثروات المعدنية، يتصدرها الذهب باعتباره أكبر مورد للصادرات التعدينية، إلى جانب التنزانيت، الحجر الكريم الفريد الذي تنفرد تنزانيا بإنتاجه عالميًا، فضلًا عن الماس والزمرد والياقوت والعديد من الأحجار الكريمة والمعادن ذات القيمة الاقتصادية العالية، وهو ما منح البلاد مكانة متقدمة على خريطة التعدين العالمية.
وفي هذا التقرير، ترصد كنوز نيوز ملامح الثروة المعدنية في تنزانيا، وأهم المعادن والأحجار الكريمة التي تمتلكها، وحجم الاستثمارات التي نجحت في جذبها، والإصلاحات التشريعية والإدارية التي أعادت تشكيل القطاع، وكيف استطاعت الحكومة تحويل الموارد الطبيعية إلى رافعة للتنمية الاقتصادية، وما الذي يمكن أن تمثله هذه التجربة من فرص للتعاون مع مصر، ودروس يمكن الاستفادة منها في تطوير قطاع التعدين والصناعات المرتبطة به.
أهم المعادن والأحجار الكريمة في تنزانيا
لقد أنعم الله على تنزانيا بفائض من المعادن الفلزية المتنوعة مثل الحديد والنحاس والنيكل والرصاص، وتنوع هائل من المعادن الصناعية مثل العناصر الأرضية النادرة واليورانيوم الفوسفات والجبس والفحم والحجر الجيري و الباريت والفلوريت وغيرها، ولكن خلال التقرير نستعرض إمكانيات تنزانيا من المعادن والاحجار الثمينة وهي : (الذهب، الفضة البلاتين ومجموعة معادن البلاتين).
الأحجار الكريمة والملونة:
كما تمتلك تنوعا هائلا من الأحجار الكريمة وفي مقدمتها حجر التنزانيت – Tanzanite – الذي تم إطلاق اسم تنزانيا، حيث لا يستخرج هذا الحجر الكريم إلا من أرض تنزانيا فقط بمنطقة ميريراني، حيث كان اكتشافه لأول مرة عام ١٩٦٠، ولم يكتشف حتى الآن في أي دولة أخري، ويسمى التنزانيت بالماس الأزرق ويستخدم في صناعة المجوهرات.

بالإضافة إلى أنواع أخرى من الأحجار الكريمة تتمثل في:
- الألماس (Diamond).
- الزمرد (Emerald).
- الياقوت الأزرق (Sapphire).
- الياقوت الأحمر (Ruby).
- الإسبينل (Spinel).
- التسافوريت (Tsavorite Garnet).
- التورمالين (Tourmaline).
- الجمشت (Amethyst).
- الأكوامارين (Aquamarine).
- العقيق (Garnet).
- الزركون (Zircon).
- الكريسوبيريل (Chrysoberyl).
- التوباز (Topaz).
الأهمية الاقتصادية للمعادن والاحجار الثمينة

- يحتل الذهب المرتبة الأولي كأكبر وأهم مصدر لعائدات التعدين والصادرات في تنزانيا، يليه حجر التنزانيت الذي يعد ميزة احتكارية لتنزانيا على مستوى العالم.
- يأتي الماس في المرتبة الثالثة كمصدر عائد تصديري، باعتباره صناعة تاريخية يقودها منجم موادوي (Mwadui) .
- ويأتي النيكل والفحم والعناصر الأرضية واليورانيوم بالترتيب كرابع وخامس وسادس وسابع عائد تصديري للدولة.
- بينما تأتي الأحجار الكريمة الأخرى مثل العقيق والياقوت والاسبينيل والتسافوريت والزمرد مجتمعين كثامن مصدر دخل لعائدات التصدير.
من الناحية الاقتصادية
يظل الذهب هو العمود الفقري لقطاع التعدين في تنزانيا، بينما يمثل التنزانيت الثروة الأكثر تميزًا على مستوى العالم، نظرًا لانفراده الجغرافي، في حين تزداد أهمية النيكل والعناصر الأرضية النادرة باعتبارهما من المعادن الاستراتيجية التي تعول عليها تنزانيا في جذب استثمارات التعدين خلال السنوات المقبلة.
أهم مناطق وشركات التعدين حسب نوع الخام
- الذهب: جيتا، كاهاما، موانزا، مارا، شينيانجا. ويو
- التنزانيت: ميريراني (Manayara) فقط، وهو المصدر التجاري الوحيد عالميًا.
- الماس: موادوي (Williamson Mine).
- الأحجار الكريمة الملونة: ماهينجي، توندورو، لونجيدو، سونجيا، وأجزاء من أروشا.
وتستقطب تنزانيا عددًا من أكبر شركات التعدين العالمية، التي تدير أهم مناجم الذهب والألماس والمعادن الاستراتيجية، إلى جانب شركات وطنية تشارك في تنفيذ سياسة الدولة لتعظيم الاستفادة من ثرواتها المعدنية.
ومن الشركات العالمية التي تعمل في مناج تنزانيا:
- شركة Anglo Gold Ashanti – شركة جنوب إفريقية، وتعد من أبرز المستثمرين في قطاع التعدين التنزاني، حيث تدير منجم جيتا (Geita Gold Mine)، أكبر منجم لإنتاج الذهب في البلاد وأحد أكبر مناجم الذهب في القارة الإفريقية.
- شركة Barrick Gold الكندية، لديها مكانة بارزة في صناعة الذهب، إذ تدير من خلال شركة Twiga Minerals Corporation، وهي مشروع مشترك مع الحكومة التنزانية، منجمي نورث مارا (North Mara) وبوليانهولو (Bulyanhulu)، اللذين يعدان من أكبر وأعلى مناجم الذهب إنتاجًا في تنزانيا.
- شركة Shanta Gold البريطانية، تعد أحد المنتجين الرئيسيين للذهب، حيث تمتلك وتدير منجمي نيو لويكا (New Luika) وسينجيدا (Singida)، وتسعى إلى توسيع استثماراتها في قطاع التعدين داخل البلاد.
في قطاع الماس:
- شركة Petra Diamonds وتتولى تشغيل منجم ويليامسون (Williamson Diamond Mine) بمنطقة موادوي، وهو أكبر وأقدم منجم للألماس في تنزانيا، ومن أشهر المناجم المفتوحة لإنتاج الألماس في العالم.

موقع منجم الماس الذي تديره شركة بترا في تنزانيا - أما في قطاع التنزانيت، فتعمل شركة TanzaniteOne كأحد أبرز المستثمرين في منطقة ميريراني، التي تعد المصدر التجاري الوحيد في العالم لحجر التنزانيت، إلى جانب عشرات الشركات المحلية والتعاونيات التعدينية العاملة في الامتيازات المختلفة داخل المنطقة.
- إلى جانب هذه الشركات، تؤدي الشركة الوطنية للتعدين (STAMICO) دورًا محوريًا في تنفيذ استراتيجية الدولة، من خلال الدخول كشريك في عدد من مشروعات التعدين، بما يعزز مشاركة الحكومة في استغلال الموارد المعدنية، ونقل الخبرات، وزيادة العائد الاقتصادي من القطاع.
- وتعكس خريطة الاستثمارات التعدينية في تنزانيا نجاح البلاد في جذب شركات التعدين العالمية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على دور متنامٍ للدولة كشريك في المشروعات الكبرى، في إطار سياسة تستهدف تعظيم القيمة المضافة للثروات المعدنية وزيادة مساهمة القطاع في الاقتصاد الوطني.
وفي الوقت الي تسيطر فيه شركات تعدين عالمية عملاقة مثل Barrick وAngloGold، على تعدين الذهب في تنزانيا، تبقى الصورة مختلفة فيما يخص الأحجار الكريمة الملونة ؛ إذ يعتمد القطاع بدرجة كبيرة على الشركات الوطنية والتعدين الأهلي والمنشآت الصغيرة والمتوسطة، مع وجود عدد محدود من الشركات الأجنبية أو المشتركة التي تعمل في التعدين أو التسويق والتصدير.
حيث لم تسمح الحكومة التنزانية بسيطرة الشركات الأجنبية الكبرى على قطاع الأحجار الملونة كما حدث في الذهب، بل اتجهت إلى الإبقاء على هذا النشاط في أيدي المستثمرين الوطنيين والتعدين صغير النطاق، مع تنظيم عمليات التسويق والتصدير عبر مراكز تداول رسمية وبورصات للمعادن والأحجار الكريمة، مع دور أجنبي يتركز في الشراء والتقطيع والتجارة الدولية أكثر من الاستخراج نفسه، وهذا النموذج يحمل دروسًا مهمة لأي دولة تسعى للحفاظ على القيمة الاقتصادية لأحجارها الكريمة.
فئات شركات قطاع تعدين الأحجار الكريمة في تنزانيا
- أولًا: الشركات الوطنية التنزانية، وهي العمود الفقري للقطاع. وتدير امتيازات تعدين في مناطق ميريراني وماهينجي وتوندورو ولونجيدو وغيرها، وتقوم باستخراج الأحجار وبيعها أو تصديرها بعد الفرز.
ومن أبرزها Franone Mining & Gems، التي تأسست عام 2009، وتدير ثلاثة مناجم للتنزانيت في ميريراني وعمليتي تعدين للإسبينيل في ماهينجي، وتُعد من أكبر الشركات الوطنية العاملة في الأحجار الملونة.
- ثانيًا: الشركات الأجنبية أو المشتركة، وهي أقل عددًا من الشركات العاملة في قطاع الذهب، وتركز غالبًا على شراء الخام مباشرة من المناجم، وعمليات الفرز والقطع والتسويق الدولي أكثر من تشغيل المناجم الكبيرة.
ومن الأمثلة Mahenge Gems، وهي شركة ذات إدارة دولية تتخذ من سنغافورة مقرًا رئيسيًا، ولها وجود دائم في منطقة ماهينجي، وتعتمد على الوصول المباشر إلى المناجم للحصول على الإسبينيل والياقوت والسافير والجارنت والأحجار النادرة قبل تصديرها إلى الأسواق العالمية.
- ثالثًا: التعدين الأهلي والتعاونيات، وهو يمثل النسبة الأكبر من إنتاج الأحجار الملونة في تنزانيا. فآلاف المعدنين الأفراد والتعاونيات المحلية يعملون في مناطق مثل ماهينجي، وتوندورو، وسونجيا، ولونجيدو، ويبيعون إنتاجهم إلى سماسرة محليين مرخصين، ثم إلى تجار كبار وشركات تصدير في أروشا ودار السلام قبل وصول الأحجار إلى مراكز التجارة والقطع في تايلاند وسريلانكا والهند وهونج كونج.
الأحجار الكريمة.. من تصدير الخام إلى التصنيع المحلي

تمتلك تنزانيا اليوم بنية متنامية لتقطيع وصقل الأحجار الكريمة، تضم ورشًا ومراكز متخصصة وشركات خاصة، إلى جانب المركز التنزاني لعلوم الأحجار الكريمة (Tanzania Gemological Centre) الذي يتولى تدريب الكوادر وتأهيلها في مجالات التقطيع والتلميع والتقييم والتصميم، في إطار سياسة تستهدف الاحتفاظ بجزء أكبر من القيمة المضافة داخل البلاد. ومع ذلك، لا تزال نسبة كبيرة من الأحجار الكريمة، خاصة الياقوت والإسبينيل والتورمالين وغيرها، تُصدر في صورتها الخام أو شبه المصنعة إلى مراكز عالمية مثل تايلاند والهند وسريلانكا، حيث تتركز صناعة القطع الاحترافي والتجارة الدولية. وتسعى الحكومة إلى تقليص هذا الاعتماد من خلال تشجيع الاستثمار في ورش ومصانع التقطيع والصقل ونقل التكنولوجيا، بما يرفع القيمة الاقتصادية للأحجار الكريمة قبل تصديرها.
تكرير الذهب.. صناعة ناشئة تستهدف تعظيم القيمة المضافة
اتجهت تنزانيا خلال السنوات الأخيرة إلى تعزيز قدراتها في مجال تكرير الذهب، من خلال إنشاء عدد من المصافي المحلية، في إطار استراتيجية تستهدف الحد من تصدير الذهب الخام وزيادة القيمة المضافة داخل البلاد. ورغم أن هذه المصافي تقوم بتكرير الذهب وإنتاج السبائك للأسواق المحلية والإقليمية، وبعضها حاصل على شهادات جودة وإدارة بيئة معامل الاختبار والمعايرة، إلا أنها لم تحصل بعد على اعتماد رابطة سوق السبائك في لندن (LBMA)، وهو ما يعني أن جزءًا من الذهب التنزاني لا يزال يُرسل إلى مصافٍ معتمدة في الخارج لاستكمال التكرير أو الحصول على الاعتماد الدولي قبل تداوله في الأسواق العالمية.
كما أن جزءًا كبيرًا من إنتاج الذهب، خاصة إنتاج شركة Barrick، يُرسل إلى Rand Refinery في جنوب إفريقيا، وهي واحدة من أعرق المصافي المعتمدة من LBMA، كما يُرسل جزء آخر إلى MMTC-PAMP في الهند، وهي أيضًا مصفاة معتمدة.
ماذا تستهدف الحكومة؟
الحكومة التنزانية تعمل على بناء صناعة تكرير وطنية تستطيع مستقبلاً الحصول على اعتماد LBMA، حتى تتمكن من تصدير السبائك مباشرة دون الحاجة إلى إعادة تكريرها في جنوب إفريقيا أو الهند. كما أن إنشاء المصافي كان جزءًا من سياسة تعظيم القيمة المضافة، إلى جانب إلزام جزء من الذهب المنتج بالمرور عبر المصافي المحلية، وربط بعضها ببرنامج شراء الذهب لصالح البنك المركزي.
أهم المصافي الموجودة في تنزانيا
خلال السنوات الأخيرة شجعت الحكومة إنشاء عدد من المصافي بهدف وقف تصدير خام الذهب (Doré) وإضافة قيمة محليًا، ومن أبرزها:
- Geita Gold Refinery (GGR) في إقليم جيتا.
- Mwanza Precious Metals Refinery في مدينة موانزا.
- SAB Gold Refinery في كاهاما.
- كما توجد مصاهر ومرافق معالجة أخرى في موروجورو ودودوما وأروشا.
إقرأ أيضا:
غانا تطلق خطة تحويل الذهب لاحتياطي إستراتيجى بدلا من تصدير الخام
كيف حولت تنزانيا التعدين الأهلي من عبء إلى رافعة للاقتصاد؟
فضيحة الذهب المغشوش في زيمباوي تهز قطاع التعدين.
عملية كيمبرلي.. كيف تسيطر على سلاسل إمداد الماس عبر الحدود؟




