أعاد اختفاء قلادة الملكة نازلي التاريخية من Van Cleef & Arpels المصنوع عام 1939, فتح النقاش حول مصير الإرث المتمثل في المجوهرات الملكية المصرية، لكنه بالنسبة إلى الأميرة فوزية، ابنة الملك فؤاد الثاني ومؤسسة Nilazur، يتجاوز كثيرًا قصة قطعة مفقودة أو حتى قيمة استثنائية من الألماس.
في حوار مطول مع المحررة سوزان ثابت- Susan Sabet، المحررة العامة في Gems of Arabia، تطرح الأميرة فوزية رؤية للمجوهرات باعتبارها وثائق حية للذاكرة والتاريخ، وأدوات لفهم النساء والمجتمع والثقافة والحرفة ومكانة مصر في العالم، وتربط بين إرث الأسرة الملكية وبين سؤال أكثر معاصرة: كيف نحفظ التراث من دون أن نحوله إلى شيء جامد خلف الزجاج؟
القلادة لم تكن مجرد جوهرة
صُنعت قلادة الملكة نازلي عام 1939 لترتديها الملكة في حفل زفاف ابنتها الأميرة فوزية، في لحظة كانت فيها مصر حاضرة بقوة في الحياة الثقافية والدبلوماسية الدولية. ومن هنا ترى الأميرة فوزية أن حياة قطعة كهذه تمتد إلى ما هو أبعد من تاريخ صنعها وقيمتها المادية.
وتقول: “قد تختفي الأشياء، لكن القصص المرتبطة بها يمكن أن تستمر في التذكر والانتقال”.
بالنسبة إليها، تكشف سرقة القلادة عن هشاشة التراث المادي، لكنها في الوقت نفسه تذكر بأن التراث الحقيقي لا يقتصر على الأشياء؛ بل يشمل المعرفة والقصص والحرفية والقيم التي تنتقل بين الأجيال.
وهنا تتحول قصة القلادة إلى سؤال أكبر: ماذا نخسر عندما تختفي جوهرة تاريخية؟ هل نخسر الأحجار والمعادن فقط، أم نخسر أيضًا شاهدًا على امرأة ومرحلة اجتماعية وسياسية وثقافية؟

المجوهرات كوثيقة تاريخية
تؤكد الأميرة فوزية أن توثيق المجوهرات المصرية التاريخية والموروثات الملكية أمر بالغ الأهمية، لأن القطعة يمكن أن تخبرنا عن الحرفية والنساء والمجتمع والدبلوماسية والذوق والثروة وموقع مصر عالميًا في مرحلة بعينها.
وتحدد بنفسها عناصر التوثيق الضرورية: من صنع القطعة؟ من ارتداها؟ متى ظهرت؟ كيف انتقلت من مكان إلى آخر؟ وما القصص المرتبطة بها؟
لكنها ترفض أن يتحول الحفاظ على التراث إلى مجرد وضع القطع داخل المتاحف، فالتراث ليس القطعة وحدها، وإنما البيئة الثقافية والحرفية والفكرية التي صنعتها. قائلة:
“نحن بحاجة إلى حفظ الماضي… مع الاعتراف بأن الثقافة التي أنتجته لا تزال حية”.
المجوهرات والمرأة.. أبعد من الزينة
الحوار يعيد أيضًا قراءة علاقة نساء الأسرة المالكة بالمجوهرات بعيدًا عن الصورة التقليدية للثراء والبذخ. فالأميرة فوزية ترى أن نساء المجتمع المصري الراقي لم يكنّ مجرد شخصيات تقف إلى جوار رجال السلطة، بل امتلكن موارد وعلاقات وشبكات ونفوذًا واهتمامات ثقافية، واستخدمت كثيرات منهن هذه الإمكانات في التعليم والعلوم والثقافة والعمل الخيري.
وتستشهد بالأميرة فاطمة إسماعيل، التي ساهمت بالأرض والمجوهرات في تأسيس الجامعة المصرية، التي أصبحت لاحقًا جامعة القاهرة. حيث تصبح الجوهرة أصلًا اقتصاديًا واجتماعيًا أيضًا، لا مجرد زينة شخصية.
فالأميرة فاطمة التي لم تترك مجوهراتها حبيسة الخزائن، بل ساهمت بالأرض والمجوهرات في تأسيس الجامعة المصرية، وتقرأ الأميرة فوزية هذه الخطوة باعتبارها مثالًا على أن الجوهرة يمكن أن تتجاوز قيمتها المادية، لتتحول إلى استثمار في المستقبل الفكري لمصر، وإلى مورد يشارك في بناء مؤسسة تعليمية كبرى.
وتقول الأميرة فوزية إن المجوهرات يمكن أن تكون:
“موردًا، ومسؤولية، بل وحتى وسيلة للمساهمة في تشكيل مستقبل أمة”.
الملكة نازلي والحرفة المصرية
من أكثر أجزاء الحوار إثارة ما تقوله الأميرة فوزية عن علاقة الملكة نازلي بالحرفة المصرية، وبالتحديد التلي Tally أو Telli، وهو التطريز اليدوي بالخيوط المعدنية المعروف في صعيد مصر، وخاصة أسيوط.
بحسب روايتها، لم تكتف الملكة نازلي بارتداء التلي، بل ساهمت في نقله من محيطه المحلي إلى دوائر الأزياء الراقية والمجتمع الراقي، وأدخلته إلى خزانتها الملكية بصورة منحت الحرفة حضورًا أوسع وأكسبتها قدرًا من الظهور الدولي. وترى الأميرة فوزية أن هذا الجانب ينبغي أن يكون جزءًا من الطريقة التي تُذكر بها الملكة نازلي: امرأة فهمت أن الذوق والأناقة يمكن أن يصبحا وسيلة لرفع حرفة مصرية أصيلة إلى المسرح العالمي.
وهي زاوية تفتح بدورها ملفًا مهمًا حول الدور الذي يمكن أن يلعبه أصحاب النفوذ والبراندات والشخصيات العامة في نقل الحرف المحلية من السوق الداخلي إلى أسواق الفخامة العالمية.

مصر لم تتوقف عن الإبداع
الجملة الأكثر تكرارًا والأكثر وضوحًا في الحوار هي:
«مصر لم تتوقف عن الإبداع.»
حيث تعترض الأميرة فوزية على اختزال مصر في حضارتها القديمة ورموزها الفرعونية، رغم اعترافها بالتأثير الاستثنائي لمصر القديمة على الفن والتصميم والمجوهرات عالميًا.
وتقول إن الافتتان الغربي بمصر القديمة قد يجعلها أحيانًا تبدو كما لو كانت حضارة مفقودة انتهت وتركت آثارًا فقط، بينما توجد في رأيها استمرارية حية في التفكير والإبداع والحرفية والعلاقة بالجمال والخامات، تظهر في الحرفيين والفنانين والمصممين المصريين المعاصرين.
ولا ترفض الأميرة فوزية استلهام دور المجوهرات والأزياء العالمية لمصر؛ بالعكس، تقول إنها تستمتع برؤية المصممين الدوليين يلتقون بالثقافة المصرية ويعيدون تفسيرها بلغتهم الإبداعية، لكنها تتمنى أن يتجاوز هذا الاهتمام الرموز التقليدية المألوفة ليصل إلى الناس والحرفيين والأفكار والثقافة الحية التي تقف وراء هذا الإلهام.
Nilazur.. إرث لا يريد تقليد الماضي
وتظهر هذه الفلسفة بوضوح في حديثها عن Nilazur. حيث تقول الأميرة المصرية إنها لا تريد للعلامة أن “تعيد إنتاج الماضي”، بل أن تعمل مع المواد والحرفية والحس الجمالي المرتبط بمصر، ثم تضعها داخل لغة معاصرة. وتستخدم الألباستر مثالًا كمادة ذات جذور مصرية عميقة، لكنها يمكن أن تبدو معاصرة تمامًا عبر الضوء والشفافية والملمس.
وتقول:
“لا أريد أن أعيد إنتاج ما صنعته الأجيال السابقة. أتمنى أن أخلق شيئًا ينتمي إلى زمني”.
وتربط تأسيس Nilazur أيضًا بطفولتها في أوروبا، وتأثرها بجدتها الملكة ناريمان، وبحرص والدها الملك فؤاد الثاني على حفظ الإرث الملكي المصري، ثم بإقامتها في مصر في العشرينيات من عمرها وعملها المباشر مع الحرفيين المصريين.

الإرث ليس ما نرثه فقط
أحد المحاور الفكرية الواضحة في الحوار هو تعريف الأميرة فوزية لمفهوم الإرث. فبالنسبة إليها، الإرث ليس مجرد ما يصل إلى الإنسان من الأجيال السابقة، بل مسؤولية فهمه ورعايته ثم إعادة تقديمه بلغة الجيل الحالي.
وتقول:
“إذا قمت فقط بإعادة إنتاج ما فعلته الأجيال السابقة، فأنا أحافظ على صورة للماضي، لكنني لا أساعده بالضرورة على أن يعيش”.
وتضيف أنها تفضل فهم القيم والذكاء والحساسية والإبداع وراء الإرث ثم التساؤل عما يمكن خلقه به اليوم.
قطعة من الملكة ناريمان
كما تكشف الأميرة فوزية عن واحدة من القطع العائلية التي تحمل لها قيمة عاطفية خاصة: قلادة وسوار من السيترين والماس، يعودان إلى نحو عام 1950، من تصميم Pierre Sterlé، وتحتفظ بصورة لجدتها الملكة ناريمان وهي ترتديهما.
وتوضح أن قيمة القطع العائلية تأتي غالبًا من الشخص والقصة أكثر مما تأتي من القيمة المالية، وأن التعرف على جوهرة في صورة قديمة يجعل شخصية تاريخية تبدو فجأة قريبة وإنسانية.
نساء حوّلن الإرث إلى أثر
ولا يتوقف الحوار عند الملكة نازلي وحدها، بل يفتح نافذة على تقليد أوسع داخل نساء أسرة محمد علي، حيث لم تُستخدم المكانة والثروة والمجوهرات باعتبارها امتيازًا شخصيًا فقط، بل تحولت في حالات عديدة إلى أدوات للتعليم والثقافة والعمل العام.
وفي مسار مختلف، تستعيد الأميرة فوزية ذكرى الأميرة نازلي فاضل، التي فتحت منزلها في القاهرة للمثقفين والمصلحين والشخصيات السياسية، وحولته إلى مساحة لتبادل الأفكار والنقاش.
كما تشير إلى الأميرة سميحة حسين، التي كرست نفسها للفنون وتركت قصرها ليخدم غرضًا ثقافيًا. وتبدو الحكايتان امتدادًا للفكرة نفسها: أن الإرث لا يُحفظ بالاحتفاظ به، بل بإعادة توظيفه في خدمة المعرفة والثقافة.
ويمتد هذا الدور إلى الأميرة شويكار والأميرة فوزية من خلال جمعية محمد علي الخيرية، حيث تقول الأميرة فوزية إن مساهمتهما لم تتوقف عند تقديم الأعمال الخيرية، بل امتدت إلى بناء بنية مدنية استمرت في خدمة المجتمع، من خلال إنشاء مستشفيات ومستوصفات ومدارس مهنية. وهنا تتحول المكانة الاجتماعية إلى مسؤولية عامة، ويتحول العمل الخيري من استجابة مؤقتة إلى مؤسسات تترك أثرًا ممتدًا.
الإرث لا يعني إعادة إنتاج الماضي كما هو
ويجمع الحوار بين هذه النماذج جميعًا تحت فكرة واحدة تكررها الأميرة فوزية بوضوح: الإرث لا يعني إعادة إنتاج الماضي كما هو.
فهي ترى أن كل جيل مطالب بأن يفهم ما ورثه، ثم يمنحه لغة تناسب زمنه. وتقول إن مجرد تكرار ما فعلته الأجيال السابقة قد يحفظ صورة من الماضي، لكنه لا يساعدها بالضرورة على الاستمرار. ومن هنا يصبح معنى الإرث عندها فعلًا حيًا: فهم القيم والحساسية والإبداع الكامنة وراء ما وصل إلينا، ثم البحث عما يمكن خلقه بها اليوم.
من الجوهرة المفقودة إلى التراث الحي
في النهاية، لا يقدم الحوار إجابة عن مكان قلادة الملكة نازلي المفقودة، لكنه يستخدم الحادث باعتباره مدخلًا إلى قضية أكبر بكثير.
فالمجوهرات هنا تصبح وسيلة لقراءة تاريخ النساء، والحرفة المصرية، والاقتصاد، والعمل الخيري، والهوية، والذاكرة العائلية.
كما تتحول قصة السرقة من نهاية حزينة لجوهرة تاريخية إلى دعوة ضمنية للتوثيق والحفظ وإعادة التفكير في الطريقة التي نتعامل بها مع تراث المجوهرات المصري.
وربما تختصر خاتمة الحوار هذا المعنى بأوضح صورة:
“قد تختفي الجوهرة. لكن القصة التي تحملها لا يجب أن تختفي”.
وهو في جوهره أيضًا السؤال الذي يضعه الحوار أمام مصر: هل نكتفي بالبحث عن القطع التي ضاعت، أم نبني منظومة تحفظ تاريخ ما بقي، وتوثق صُنّاعه وحرفييه ونسائه وقصصه قبل أن تضيع هي الأخرى؟

لقراءة المزيد:
الأميرة فوزية فاروق تأسف لسرقة عقد الملكة نازلي: جزء لا يُعوّض من تراث مصر- عمره 87 عاما.
من النبي موسى إلى كليوباترا.. Van Cleef & Arpels تروى حضارة مصر بـ180 قطعة مجوهرات
Why Do We Trace a Stone from the Mine, Only to Lose the Jewel Once It Becomes History?
لماذا نتتبع الحجر من المنجم.. ونفقد أثر جوهرة تاريخية من المتحف خلال 4 دقائق؟


