لم يكن لصا متحف MAK في فيينا في حاجة إلى رسم خطة معقدة تستلزم حفر نفق تحت الأرض، ولا إلى عملية تتبع وقرصنة لتعطيل شبكة إلكترونية، ولا حتى إلى رافعة تلقي بهم داخل قاعة العرض من شباك خلفي، كل ما احتاجاه كان تذكرتي دخول، ومطرقة، وقطعة سلاح، و ٤ دقائق، هي مدة تنفيذ عملية السرقة وتكسير الزجاج المدرع، ولم يحتاجا إلى انتظار انصراف زائري المتحف ولا انتهاء مواعيد العمل الرسمية، حيث دخلا كزائرين في المواعيد الرسمية، وفرا سريعاً ثم اختفوا، وكأنهما دخان تواري مع ذرات الهواء. حتي أنهما لم يكلفا انفسهما مشقة التنكر أو التخفي، لفد دخلا مكشوفي الوجه واثقي الخطى.
41 ضربة في أقل من أربع دقائق
دخل اللصان إلي قاعة المتحف مباشرة في اتجاه العقد المستهدف عندما فتح أحدهما ثغرة تكفي لمد يده ليقف الثاني مشهرا سلاحه في وجه الحضور لمنعهم من مهاجمة شريكه، لم يجمع ما استطاع الوصول إليه من مجوهرات. لقد أخذ عقدًا واحدًا فقط من بين 300 قطعة من أندر وأثمن تصميمات دار فان كليف آند أربلز، هو عقد الملكة نازلي.
ثم خرج الرجلان بهذه البساطة، لتبدأ بعدها الأخبار تنتشر كالنار في الهشيم حول العالم، ويصبح العقد المسروق قضية كل المهتمين بالمجوهرات على مستوى العالم، ليس فقط لقيمته المادية، لكن أيضا لقيمته التاريخية وسهولة عملية الاستيلاء عليه وحده دون غيره من المعروضات بالمتحف، ثم تبدأ واحدة من أكثر عمليات البحث عن المجوهرات التاريخية إثارة في أوروبا خلال السنوات الأخيرة.
لقد كان العقد الذي صنعته Van Cleef & Arpels عام 1939 يضم 673 ماسة، بوزن يتجاوز 200 قيراط وتشير البيانات التاريخية إلى نحو 217 قيراطًا. ارتدته ملكة مصر في زفاف ابنتها الأميرة فوزية إلى ولي عهد إيران، ثم عبر أكثر من ثمانية عقود بين التاريخ والمجموعات الخاصة والمزادات قبل أن يصل إلى المتحف.
الإنتربول يتحرك بعد الواقعة.. فماذا عن توصياته قبلها؟
خلال دقائق معدودة.. تحول عقد الملكة نازلي من قطعة معروضة خلف الزجاج إلى لغز غامض لجريمة لم تستغرق بضع دقائق وأصبح مطلوباً دولياً، حيث أُدرجت بياناته ضمن قاعدة الإنتربول للأعمال الفنية المسروقة، وانطلقت الشرطة النمساوية في البحث، بينما أصبحت صوره وأوصافه جزءًا من الأدوات المستخدمة لملاحقته دوليًا. وأصبح حديث الساعة على وسائل التواصل الاجتماعي وعلى مستوى كيانات مكافحة الجريمة عالميا. لكن القضية تفتح سؤالًا يتجاوز مصير عقد الملكة نازلي نفسه. لماذا يبدأ أقوى سباق لتعقب الجوهرة بعد اختفائها؟

20% فقط تُسترد.. والبحث قد يستغرق نصف قرن
كشفت تصريحات صدرت في الأول من سبتمبر عن رئيسة وحدة مكافحة جرائم الممتلكات الثقافية بالمكتب الفيدرالي النمساوي لمكافحة الجريمة جانبًا مهمًا من عالم البحث عن المسروقات الثقافية. أفادت بأن المحققين يتابعون كتالوجات المزادات والمتاجر المتخصصة ومنصات الفن عبر الإنترنت وقواعد بيانات الإنتربول واليوروبول، ويبحثون عن الصور والسمات التي يمكن أن تكشف ظهور القطعة في مكان ما.
كما أكدت أن عناصر وحدتها ما زالت تعتمد بدرجة كبيرة على العين البشرية والخبرة المتخصصة قائلة:” إن العين البشرية ما زالت أفضل قليلًا من أدوات الذكاء الاصطناعي في هذا العمل”.
إلا أن تصريح رئيسة وحدة مكافحة جرائم الممتلكات الثقافية يشمل رقمًا آخر يستحق التوقف أمامه. يخص معدل كشف قضايا سرقات الممتلكات الثقافية في النمسا الذي لا يتجاوز 20%، وقد يستغرق العثور على قطعة واحدة تمت سرقتها سنوات أو عقود، بل إن السلطات في فيينا في إحدى الحالات الحديثة استطاعت استعادة تمثالين بعد مرور 56 عامًا على سرقتهما. والاخفاق أو التأخير لا يتعلق عادة في كفاءة البحث، بل في طبيعة الشيء الذي يتم البحث عنه. فاللوحة تظل، في الغالب، لوحة. والتمثال يظل تمثالًا. أما الجوهرة فيمكنها أن تختفي دون أن تختفي مادتها.
وبسبب صعوبة تتبع المقتنيات الثقافية وخاصة المجوهرات، تصدر الجهات المختصة وخاصة الإنتربول قائمة توصيات للحفاظ على المقتنيات المماثلة للحفاظ عليها من السرقة، أو تسهل عملية البحث عنها إذا تعرضت للسرقة،
توصيات وإرشادات للحماية والتوثيق والتعرف والاسترداد الخاصة بالإنتربول:
في صفحة حماية التراث الثقافي الرسمية، يوصي الإنتربول بست خطوات أساسية لأصحاب وحائزي المقتنيات الثقافية:
- التحقق من منشأ ومصدر القطعة Provenance عند الشراء.
- فحص القطع عبر قاعدة بيانات الإنتربول للأعمال الفنية المسروقة.
- إنشاء جرد Inventory للمجموعات يتضمن صورًا ووصفًا دقيقًا لكل قطعة.
- عدم شراء القطع التي لا تحمل وثائق كافية عن مصدرها.
- وضع علامة Marking لجعل القطع سهلة التعرف إليها، بما في ذلك وضع علامات عليها بواسطة المالك أو شركات خاصة متخصصة.
- حماية الأماكن التي تحفظ فيها المجموعات، ثم الإبلاغ فورًا عن أي سرقة وتزويد الشرطة بالقائمة الكاملة والصور.أي أن الانتربول نفسه يوجه بضرورة وضع علامات على المقتنيات تجعل من السهل تحديد هويتها.
كما يعتمد الإنتربول عدة أنظمة أخرى تسهم في تسجيل بيانات ومواصفات المقتنيات، منها:
- نظام Object ID باعتباره المعيار الدولي لوصف الممتلكات الثقافية بما يسهل التعرف إليها إذا تعرضت للسرقة.
- تطبيق ID-Art يسمح للمتحف أو المقتني بإنشاء سجل للقطعة بهذا النسق، يتضمن الصور والخصائص، ثم تصدير البيانات إلى أجهزة إنفاذ القانون فور وقوع السرقة. والإنتربول نفسه يقول إن توفير هذه البيانات يمكن أن يرفع بدرجة كبيرة فرص الاسترداد.
- قاعدة Stolen Works of Art Database تضم حاليًا صورًا وأوصافًا لأكثر من 57 ألف قطعة، ولا يقبل الإنتربول فيها إلا القطع التي يمكن تحديد هويتها بالكامل. كما توفر البحث بالمطابقة البصرية للصور.
وهنا تظهر الثغرة الخاصة بالمجوهرات بوضوح.
Object ID ممتاز عندما يكون الشيء الذي يتم البحث عنه ما زال هو الشيء نفسه، لكن عقد نازلي يمكن أن يتحول في لحظات إلى 673 ماسة منفصلة ويمكن تقسيم الماسات الكبيرة إلى أخرى أصغر+ بلاتين مصهور.
فما الذي تطابقه الصورة وقتها؟ فطبيعة المجوهرات تفرض مستوى إضافيًا من التعريف يختلف عن مستوى تعريف لوحة زيتية أو تمثالا حجريا بالدرجة نفسها.

المجوهرات أكثر عرضة للاختفاء الأبدي
فأسهل طريقة لإخفاء الجوهرة.. هي أن تتوقف عن كونها جوهرة، فالعقد يمكن تفكيكه بنزع أحجاره، وصهر المعدن المشكل منه سواء بلاتين أو ذهب.
حينها سيتم توزيع عشرات أو مئات الأحجار بين أسواق ودول مختلفة. كما يمكن إعادة قطع بعض الماسات الأكبر، فتتغير أوزانها وأبعادها وملامحها بالكامل.
وفي النهاية قد تكون كل مكونات الجوهرة موجودة في السوق، بينما تكون الجوهرة نفسها قد اختفت إلى الأبد.
وقد شاهدنا النسخة الأكثر قسوة من ذلك في مصر عندما اختفى السوار الذهبي الأثري للملك أمنمؤيب من معمل ترميم بالمتحف المصري، ثم انتقل بين عدد من الوسطاء قبل أن يُصهر، وتكسر الخرزة الأثرية التي كانت تزينه وتميزه، فالذهب لم يختف، ولكن قيمة وتاريخ القطعة الذي يمتد لثلاثة آلاف عام هو الذي اختفى.
عقد باتيالا.. اختفاء ثم ظهور مشوه لم تعوضه الأحجار البديلة
وفي قصة عقد باتيالا الشهير، الذي صنعته Cartier للمهراجا Bhupindar Singh عام 1928 وضم قرابة ثلاثة آلاف ماسة، حدث شيء مختلف لكنه لا يقل دلالة وفداحة عن واقعة سرقة عقد الملكة نازلي حتى لو كان للاختفاء سببا آخر غير السرقة. فقد اختفى عقد باتيالا من الخزانة الملكية في ظروف لم تُحسم، ثم ظهرت ماسة De Beers الصفراء الضخمة التي كانت تتوسطه منفردة في مزاد بجنيف عام 1982، قبل أن تعثر Cartier عام 1998 في لندن على ما تبقى من هيكل العقد وقد اختفت منه الأحجار الرئيسية.
عادت القطعة. لكن ذاكرتها كانت قد تفرقت مع أحجارها. وتشوهت معالمها الأصلية، لم تستطع الأحجار البديلة أن تكتب نفس التاريخ ولا تضع نفس البصمة أو تضفي على العقد نفس رونقه القديم.
مفارقة صناعة المجوهرات
وهنا تحديدًا تخرج قضية عقد الملكة نازلي من نطاق جريمة سرقة متحف إلى سؤال أكبر حول صناعة الذهب والماس والأحجار والمجوهرات عالميًا.
فخلال العقدين الأخيرين استثمرت المؤسسات والشركات والهيئات الدولية المعنية بالصناعة والتجارة والتطوير قدرًا هائلًا من الوقت والمال والخبرة في قضية التتبع Traceability، في محاولة مضنية لتتبع ما يصعب تتبعه أو حصره من خام سواء كان ذهب أو ألماس، في محاولة لاحكام السيطرة على سلاسل الإمداد، وضمان عدم استخدام أموال الذهب والماس والمعادن الثمينة في تمويل الصراعات المسلحة أو استخدامه في عمليات غسيل الأموال، فحاولت رصد وتتبع : من أين خرج الذهب؟ وكيف تم استخراجه؟ كيف تم نقله وتكريره؟ من الذي باعه؟ من اشتراه؟ كيف تم دفع المال؟ أين ذهب المال المدفوع؟
فظهرت نظم لسلاسل الحيازة، ومعايير للمصدر المسؤول، وتقنيات بلوك تشين، ونقوش ليزرية، وعلامات نانوية، وDNA-based tracers، وجوازات رقمية وغيرها من الأدوات التي تحاول أن تمنح المادة الخام قصة يمكن التحقق منها. والهدف مشروع ومهم:
مكافحة تمويل الصراعات وغسل الأموال والانتهاكات والتعدين غير المسؤول، وحماية المستهلك وسمعة الصناعة.
لكن بعد سنوات من العمل ظهرت أيضًا حقيقة لا يمكن تجاهلها: فتتبع الخام عملية شديد الصعوبة في ظل وجود ملايين العاملين الحرفيين وآلاف المناجم الصغيرة المنتجة للمعادن والاحجار في دول تعاني بعضها من صراعات وبعضها لا يملك منظومة كاملة لحوكمة قطاع التعدين.
ففي أجزاء واسعة من العالم لا يخرج الذهب والماس من منجم صناعي كبير له بوابة وسجلات ونظام إلكتروني واحد. حيث يوجد التعدين الحرفي والصغير، والوسطاء، والمشترون المحليون، والحدود المفتوحة، والتهريب، وخلط الإنتاج، وتعدد حلقات التجارة قبل أن يصل الخام أصلًا إلى المرحلة التي يمكن عندها إدخاله في منظومة رسمية. وخاصة في الذهب حيث تصبح المسألة أكثر تعقيدًا؛ فالمعدن يمكن صهره وخلطه وإعادة تكريره مرات متعددة.
والأمر هنا لا يعني التخلي عن محاولات التتبع أو التقليل من أهميتها، بقدر ما يطرح سؤالًا عن الأولويات وتوزيع الجهد.
فإذا كانت الصناعة تمتلك هذه الخبرات والتكنولوجيات، فلماذا لا يوجه جزء أكبر منها إلى مجال تكون فيه نقطة البداية معروفة أصلًا؟

عندما تصبح قيمة الجوهرة أكبر من مجموع أحجارها
صحيح أن الماس الخام الخارج من الأرض له قيمة، لكنه لم يحمل بعد فكرة مصمم، لم يقض قاطع الساعات في قصه وتلميعه، لم يجلس مرصع ليحدد موضعها داخل بناء فني معقد، ولم تعمل عليها أيدٍ بشرية ربما مئات الساعات حتى تتحول إلى قطعة واحدة.
ثم يأتي الزمن ويضيف طبقة أخرى من القيمة: ترتديها ملكة، تظهر في زفاف ملكي، ترافق شخصية في لحظة سياسية أو اجتماعية فارقة، تنتقل بين الأجيال، تدخل مزادًا تاريخيًا، ثم تستقر في متحف.
عند هذه النقطة لم تعد الجوهرة مجرد ذهب + بلاتين + ماس.
لقد أصبحت حاصل جمع أربع قيم على الأقل: قيمة مادية، وقيمة فنية، وقيمة تاريخية، وقيمة إنسانية وعاطفية.
وهذه القيمة المضافة قد لا يمكن استخراجها مرة أخرى من أي منجم في العالم. وقد تحتاج إلى عقود وربما قرون حتى تحظى جوهرة واحدة من بين عشرات الآلاف بمثل هذا التاريخ والقيمة. فلماذا نستثمر كل هذا الجهد في محاولة الحفاظ على هوية المادة في بداية رحلتها، ثم تصبح أدواتنا أقل قدرة على ملاحقة هويتها عندما تصل إلى أعلى مراحلها قيمة؟
هذا السؤال لا يستهدف مؤسسة بعينها، ولا يدعو إلى وقف جهود مكافحة ماس الصراعات أو الذهب غير المسؤول. بل يقترح تطوير فلسفة التتبع نفسها.
فإذا كنا نخشى أن يتم استخدام الخام في عمليات اجرامية مثل غسيل الاموال أو الصراعات المسلحة، فما بالنا بسرقة التاريخ والقيمة ونشر الخوف وفقدان الأمان، وترك لصوص الفن والتاريخ يواصلون سطوهم على تراث البشرية.. ترى هل سيستخدمون هذه المجوهرات في أعمال خيرية؟؟ أم أنهم سيوجهونها لمصارف أكثر إجراما من جريمة السطو على التاريخ؟
لماذا تتوقف عمليات التتبع على الخام وتتجاهل المجوهرات التاريخية الأعلى قيمة؟
لقد طورت الصناعة أدوات وخبرات وتقنيات خلال سنوات طويلة. ربما حان الوقت لاستخدام جزء منها في اتجاه آخر.فبدل أن تنتهي رحلة Traceability عند البيع أو اكتمال سلسلة الإمداد، لماذا لا تبدأ منها مرحلة جديدة خاصة بالمجوهرات التاريخية والاستثنائية أو حتى المجوهرات التي تحمل لدى ملاكها ومقتنيها قيمة خاصة فيعتبرونها إرثا لا يقدر بمال؟ فهذه المرحلة المقترحة لا تهدف إلى معرفة من أين جاءت المادة فقط، وإنما ضمان ألا تفقد القطعة هويتها بعد أن تصبح تراثًا.
هل يمكن أن تحمل الجوهرة بصمة خاصة تسهل عملية استردادها؟
تطورت خلال السنوات الماضية تقنيات وأنظمة متعددة لتعريف وتتبع الماس والذهب والسلع والأصول، وأصبح لدينا أكثر من مسار تقني يمكن أن يمثل نقطة انطلاق للدراسة، منها RFID وNFC وBluetooth Low Energy وUltra-Wideband، وعلامات DNA والنانو، والنقش المجهري والليزري، والتصوير ثلاثي الأبعاد، والبصمات الجيمولوجية الدقيقة، وقواعد البيانات الرقمية، والحساسات والـSmart Tags التي أصبحت بالغة الصغر والخفة.
ولا تدعي «كنوز نيوز» أن واحدة من هذه التقنيات تصلح وحدها لحماية تاج أثري أو عقد عمره مئة عام، ولا نقترح وضع ملصق تجاري على قطعة متحفية؛ فهناك اعتبارات الحفظ والترميم وطبيعة المعادن والأحجار ومتطلبات الطاقة والاتصال وإمكانية اكتشاف الجهاز أو نزعه، وهي أمور تحتاج إلى دراسة المتخصصين.
لكن السؤال يستحق أن يُطرح: هل تستطيع الصناعة تطوير Heritage-Grade Tracking Tag، أو منظومة تعريف وتتبع مصممة خصيصًا للمجوهرات والقطع التاريخية؟
ولا يتطلب الأمر بالضرورة وضع GPS داخل ماسة أو إخفائه داخل الجوهرة. يمكن دراسة منظومة تبدأ من المتحف نفسه: هوية إلكترونية فريدة لكل قطعة، وقارئات داخل القاعات، وحساسات ترصد الحركة غير المصرح بها، وإنذار عند مغادرة الفاترينة، ونقاط قراءة عند الممرات والمخارج، وربما وسيلة ـ إذا سمحت التكنولوجيا ـ تستمر في إرسال إشارة لفترة محدودة بعد الخروج من المبنى.
ففي سرقة استغرق تنفيذها أقل من أربع دقائق في فيينا، قد تكون الدقائق التالية هي أثمن وقت في عملية الاسترداد كلها.
وفي المجوهرات الاستثنائية يمكن أن تمتد الدراسة إلى منح الأحجار الرئيسية نفسها هوية مستقلة، بحيث إذا فُككت القطعة وظهرت إحدى ماساتها بعد سنوات، تظل هناك وسيلة علمية أو تقنية لمقارنتها بهويتها السابقة.
خمس مراحل للتأمين بدل لحظة واحدة
ومن هنا تقترح «كنوز نيوز» فتح نقاش دولي بين المؤسسات المهنية المعنية بصناعة الذهب والماس والأحجار والمجوهرات، والمتاحف، وخبراء الحفظ والترميم، والمختبرات الجيمولوجية، وشركات التكنولوجيا والتأمين والأجهزة الأمنية، لدراسة منظومة تتعامل مع القطعة في خمس مراحل:
قبل العرض: بناء هويتها الرقمية والجيمولوجية والمادية بأقصى دقة ممكنة.
أثناء العرض: مراقبة حركة القطعة نفسها وربطها بمنظومة التأمين.
لحظة الاعتداء: إطلاق استجابة فورية تحدد القطعة وموقعها واتجاه حركتها وتربط بياناتها بالكاميرات وأنظمة الأمن.
قبل الخروج: إنشاء نطاق إلكتروني أخير يرصد مرور القطعة أو يطلق تنبيهًا مستقلًا، وفق قواعد السلامة والإخلاء.
بعد الخروج: إتاحة ملف الهوية الكامل فورًا للشرطة، ثم للإنتربول وشبكات التعاون الدولي إذا تجاوزت الجريمة الحدود.
هنا تتكامل الأدوار: الصناعة والتكنولوجيا تطوران الهوية والمعايير، والمتحف يطبق الحماية، والشرطة تتعامل مع الجريمة، والإنتربول يساعد في المطاردة الدولية والاسترداد.
من يؤمّن التاريخ؟
كان من الطبيعي بعد سرقة عقد الملكة نازلي أن يشدد متحف MAK إجراءاته الأمنية، لكن زيادة الحراس والكاميرات وتقوية الزجاج وإضافة كواشف المعادن تظل في الأساس وسائل لحماية المكان. وربما تحتاج المرحلة المقبلة إلى إضافة اتجاه آخر: هو حماية الجوهرة نفسها من الاختفاء.
فاللص قد يكسر الزجاج ويهرب من الحارس ويغادر مجال الكاميرا، لكن ماذا لو خرج حاملًا قطعة تستطيع، ولو لبعض الوقت، أن تقول للنظام الأمني: أنا هنا؟
وإذا نجح في تفكيكها، فماذا لو ظلت أحجارها الرئيسية محتفظة بهوية تسمح بالتعرف إليها يومًا ما؟
لقد أمضت صناعة الذهب والماس سنوات تحاول الإجابة عن سؤال: من أين جاء هذا الحجر؟
وسرقة عقد الملكة نازلي تطرح سؤالًا آخر: بعد كل ما أضافه الإنسان إلى الحجر.. كيف نضمن ألا نفقده؟

من توصيات الإنتربول إلى خطوة أبعد
لا يبدأ مقترح «كنوز نيوز» من فراغ. فتوصيات الإنتربول تقوم بالفعل على الجرد والصور والوصف الدقيق ووضع علامات تساعد على التعرف إلى القطعة وحماية أماكن حفظها والإبلاغ السريع عند السرقة.
والسؤال هو: هل تستطيع صناعة المجوهرات والتكنولوجيا البناء على هذا المبدأ، وتطوير الـidentifiable marking من علامة تساعد على التعرف إلى القطعة بعد العثور عليها، إلى هوية أكثر ذكاءً تساعد على منعها من فقدان هويتها أصلًا؟
هوية يمكن أن تجمع بين البيانات الجيمولوجية والخصائص المجهرية والتصوير ثلاثي الأبعاد والعلامات المادية أو الرقمية المناسبة، وربما تتبع الحركة خلال الدقائق الأولى من السرقة.
وعندها، إذا فشلت طبقات الحماية ووقعت الجريمة، تبدأ الشرطة والإنتربول عملهما بملف هوية أكثر ثراءً من مجرد صورة ووصف للقطعة المفقودة.
سبتمبر.. ليصبح السؤال بندًا على أجندة الصناعة
يأتي سبتمبر محملًا بسلسلة من أهم التجمعات العالمية لصناعة الذهب والماس والأحجار والمجوهرات؛ من مؤتمر مئوية CIBJO ومعرض Vicenzaoro وT.GOLD للتكنولوجيا في إيطاليا، إلى Jewellery & Gem WORLD في هونج كونج، وغيرها من اللقاءات التي تجمع صناع القرار والمؤسسات المهنية والمختبرات والمصنعين والتجار ومطوري التكنولوجيا.
وربما تمثل سرقة عقد الملكة نازلي فرصة لإضافة سؤال جديد إلى أجندة هذه اللقاءات:
كيف نحمي الجوهرة بعد أن نصنعها؟
لا تدعو «كنوز نيوز» إلى تقليل الاهتمام بتتبع الخام أو مكافحة التعدين غير المشروع وتمويل الصراعات وغسل الأموال، لكنها تدعو إلى توجيه جزء من الخبرة والجهد البحثي والتكنولوجي إلى الطرف الآخر من سلسلة القيمة: قطع نعرف صانعها وتاريخها ومكوناتها، وأضيفت إلى قيمتها المادية قيمة فنية وتاريخية وإنسانية قد يستحيل تعويضها.
ومن هنا ندعو المؤسسات المهنية الدولية المعنية بصناعة وتجارة وتطوير الذهب والماس والأحجار والمجوهرات إلى وضع حماية هوية المجوهرات التاريخية والاستثنائية وتتبعها ضمن أولويات البحث والتطوير.
وأن يهتم RJC بمصير المجوهرات بعد صناعتها، مثلما يهتم بالممارسات المسؤولة عبر سلسلة الإمداد، وأن يضع مجلس المجوهرات العالمي CIBJO حماية المجوهرات التاريخية ضمن نقاشاته حول مستقبل الصناعة، إلى جانب الاستدامة والتوريد المسؤول وحقوق العاملين.
ليس المطلوب اختيار RFID أو BLE أو UWB أو DNA أو أي تقنية أخرى الآن.
المطلوب أولًا أن يصبح السؤال نفسه بندًا على الأجندة.
وأن يجلس حوله صناع المجوهرات والمختبرات الجيمولوجية والمتاحف وخبراء التكنولوجيا والحفظ والترميم والتأمين والأمن، لدراسة إمكانية تطوير معيار دولي يبدأ تقريبًا من حيث تنتهي منظومات التتبع الحالية:
بعد أن يصبح الحجر جوهرة.. وتصبح الجوهرة تاريخًا.
مصر.. حين تصبح الجوهرة المسروقة جزءًا من تاريخها
ولا ينبغي أن تقف مصر خارج هذا النقاش؛ ليس فقط لأنها تمتلك واحدًا من أغنى الموروثات الحضارية في العالم، ولكن لأن الجوهرة التي تطاردها الشرطة الدولية الآن كانت عقدًا لملكة مصرية وارتبطت بحدث بارز من تاريخ مصر الحديث.
صحيح أن عقد الملكة نازلي لم يكن عند سرقته ملكًا للدولة المصرية، وأنه انتقل عبر الملكية الخاصة والمزادات قبل أن تستعيده الدار التي صنعته وتعرضه في فيينا، لكن ملكية القطعة شيء، وانتماؤها إلى الذاكرة التاريخية شيء آخر.
فالعقد صُنع للملكة نازلي وارتبط باسمها وصورتها وبزفاف ابنتها الأميرة فوزية إلى ولي عهد إيران عام 1939، وبالتالي فإن اختفاءه يهدد بفقدان شاهد مادي على فصل من التاريخ المصري الحديث.
والأمر بالنسبة لمصر ليس نظريًا. ففي سبتمبر 2025 سُرق من داخل المتحف المصري سوار ذهبي يبلغ عمره نحو ثلاثة آلاف عام يعود إلى الملك أمنمؤيب، وانتهى بعد انتقاله بين الوسطاء إلى الصهر.
لم تخسر مصر وزنًا من الذهب؛ خسرت أثرًا لا يمكن إنتاج نسخة أخرى منه.
كما لا تزال مصر تطارد آثارًا خرجت من أراضيها عبر عقود وعصور مختلفة، وتحاول استرداد قطع مهربة أو مسروقة، فضلًا عما تعرضت له المواقع والمخازن والمتاحف من نهب وسرقات خلال فترات الانفلات الأمني.
ولهذا تستغرب «كنوز نيوز» غياب اهتمام مصري معلن، حتى الآن، يتناسب مع القيمة التاريخية والرمزية لسرقة عقد الملكة نازلي. ولا يعني ذلك افتراض عدم وجود تحركات لم يعلن عنها، أو المطالبة بحق ملكية لا تملكه مصر، وإنما السؤال عن الاهتمام بتاريخ يخصها.
ومن هنا ندعو الجهات المصرية المسؤولة عن حماية وتأمين الآثار والمتاحف، والمؤسسات المعنية بالذهب والمجوهرات، وخبراء الحفظ والترميم والتأمين والتكنولوجيا إلى المشاركة في النقاش العالمي خلال سبتمبر، ليس من موقع المتلقي، وإنما باعتبار مصر صاحبة مصلحة مباشرة في تطوير هذه التقنيات ووضع معاييرها واختبارها.
ويستحق الأمر أيضًا فتح ملف المجوهرات المصرية التاريخية الموجودة في المتاحف ودور المجوهرات والمجموعات العالمية، وتوثيقها وتتبعها، ودراسة السبل القانونية لاستعادة ما يحق لمصر استرداده، أو إعادة شراء القطع الاستثنائية عندما تتاح، إلى جانب بحث إنشاء متحف متخصص للذهب والمجوهرات المصرية.

هل نستطيع استخدام التكنولوجيا لمنع اختفاء القطعة التالية، بدلًا من قضاء سنوات في البحث عنها؟
وعقد الملكة نازلي، وإن لم تعد ملكيته مصرية، يذكرنا بأن التاريخ لا تحدده شهادة الملكية وحدها.
قد يمتلك شخص الجوهرة، وقد يعرضها متحف في دولة أخرى، وقد تشتريها الدار التي صنعتها قبل عقود؛ لكن القصة التي تحملها لا تنتقل بالكامل مع فاتورة البيع. فعقد نازلي كان ملكية خاصة عندما سُرق.. لكنه كان، وسيظل، جزءًا من تاريخ مصر.
لقراءة المزيد:
الأميرة فوزية فاروق تأسف لسرقة عقد الملكة نازلي: جزء لا يُعوّض من تراث مصر- عمره 87 عاما.
سرقة قلادة الملكة نازلي من متحف بفيينا.. مرصعة بـ 673 ماسة بإجمالي 204 قراريط
كنوز توت عنخ آمون: كيف أثرت على دور المجوهرات العالمية في القرن ال ٢٠ ؟


