عندما عادت فاليري صامويل إلى دار FRED عام 2017، لم تكن الشابة نفسها التي غادرتها قبل أكثر من عشرين عامًا، كانت قد دخلت دار جدها وهي في الثامنة عشرة، وعملت إلى جوار أبيها وجدها، قبل أن تغادرها في 1995، العام نفسه الذي انتقلت فيه ملكية FRED من العائلة إلى مجموعة LVMH. ثم مضت لتصنع لنفسها حياة مهنية أخرى، بعيدًا عن الاسم الذي وُلدت داخله؛ عملت في Lalique على تطوير المجوهرات والساعات، ثم انتقلت إلى Swarovski حتى أصبحت نائبة للرئيس للمجوهرات والساعات والإكسسوارات.

يمكن تخيل شيء من مشاعر الشابة التي غادرت آنذاك. دار أسسها جدها فريد صامويل عام 1936، وعمل فيها أبوها هنري من بعده، لم تعد ملكًا للعائلة، وإنما أصبحت جزءًا من محفظة واحدة من أكبر مجموعات الرفاهية في العالم.
لكن عشرين عامًا مدة كافية لكي تتغير نظرة الإنسان إلى الميراث. فخلال تلك السنوات شاهدت فاليري من موقعها في صناعة الرفاهية عالمًا يتغير؛ عملت في Lalique، الدار التي تحمل معها إرثًا كاملًا من الفن الجديد Art Nouveau، ورأت كيف يمكن لمدرسة فنية كانت يومًا في قلب الحداثة أن تصبح تراثًا تحفظه المتاحف والمجموعات التاريخية، وكيف تبقى بعض الدور بينما تختفي أخرى ولا يتبقى منها سوى اسم أو قطعة في صندوق عرض.

وفي الوقت نفسه، كانت تنظر من بعيد إلى بيتها القديم. فهي تقول إنها طوال سنوات غيابها عن FRED ظلت على اتصال دائم برؤساء الدار وتتابع ما تحققه. لم تغادر FRED ذاكرتها إذن، حتى وإن غادرت مكتبها.
والأهم أن الدار كانت لا تزال هناك. فالمالك الجديد لم يطفئ اسم فريد صامويل، ولم يحوّل تاريخه إلى مجرد صفحة قديمة داخل محفظة استثمارية. بقيت FRED تعمل وتصمم وتبيع، وبقي اسم الجد على الواجهة.
ومع مرور السنوات تغيرت الشابة أيضًا. فاليري نفسها تقول إن العمل خارج الدار منحها منظورًا مختلفًا؛ وإنها لو بقيت عشرين عامًا داخل FRED لربما أصبحت لديها طريقة واحدة فقط لرؤية الأشياء. وعندما جاءتها فرصة العودة، شعرت ـ بحسب تعبيرها ـ بأن الوقت أصبح مناسبًا؛ أصبحت أكثر نضجًا، واكتسبت خبرتها الخاصة.
وهنا تصبح العودة مختلفة. لم تعد حفيدة المؤسس لتبحث عن وظيفة في دار العائلة؛ فقد صنعت بالفعل مسيرتها بعيدًا عنها. ولم تعد لكي تستعيد ملكية فقدتها العائلة؛ فالدار بقيت ضمن LVMH. لكنها عادت لترث شيئًا أصعب من الملكية.. وهو المسؤولية.
مسؤولية أن تعرف ماذا بقي من فريد صامويل، وما الذي يمكن إستعادته من تراثه، وكيف يمكن لدار بدأت عام 1936 أن تظل حية بعد أن يرحل آخر من عرفوا مؤسسها وعاشوا معه.

وقالت فاليري إن ما جذبها إلى المشروع الجديد كان تحديدًا العائلة، والحمض النووي للدار، وإحياء قيمها، وإن هذا التحدي كان وراء قرار عودتها. وهكذا، بعدما أمضت سنوات تتعلم كيف تعمل دور الآخرين، عادت لتستخدم ما تعلمته في دار جدها.
فقد كان هدفها أن تظل هوية الدار، بعد مئة عام، وفية لرؤية Monsieur Fred. مئة عام؛ أي زمن تعرف جيدًا أنها لن تكون موجودة لترى نهايته. وهنا نفهم ربما لماذا عادت. فالوريثة الحقيقية ليست دائمًا من تملك ما تركه السابقون؛ أحيانًا تكون من تشعر بأنها مسؤولة عما سيبقى منهم بعد رحيلها هي أيضًا.
رباعية الضوء.. حين أعادت فاليري أضواء فريد المفقودة للدار
لم تبدأ علمية استعادة الإرث بالرغبة في تصميم مجموعة جديدة. لكنها بدأت بالسؤال: ماذا ترك الذين كانوا هنا قبلنا؟
بدأت فاليري تبحث… في الرسومات، الصور، الوثائق، الصناديق القديمة، وفي القطع التي خرجت من الدار قبل عقود، وحتى لدى العملاء الذين احتفظت عائلاتهم بمجوهرات FRED القديمة. وأطلقت الدار مشروع Fred Seeking Fred، بحثًا عن القطع والوثائق التي يمكن من خلالها إعادة بناء تاريخها. وكان بين ما تبحث عنه فاليري أثر شديد الخصوصية:
لم تتعامل فاليري مع التراث باعتباره متحفًا ينبغي تنظيف واجهاته، وإنما باعتباره مادة حية يمكن أن تصنع منها مستقبل الدار.
فهي لم تعد إلى FRED لتجلس فقط على مقعد سبق أن جلس عليه جدها وأبوها. فكلما توغلت في أرشيف الدار، بدا الأمر كما لو أنها تعيد التعرف إلى عائلتها من خلال ما تركته من مجوهرات ورسومات وصور ووثائق وحكايات. وبعد نحو عامين فقط من عودتها، بدأ الماضي يخرج من الصناديق إلى واجهات المتجر من جديد.
الضوء الأول: مخالب جريس كيلي
كان أول الخيوط يقود إلى Ombre Féline، تصميم ابتكره فريد صامويل في الستينيات، ولم يحتج فيه إلى رسم جسد الفهد كله؛ اكتفى بمخلبين متقاطعين، في اختزال جريء لحيوان ظل واحدًا من الرموز المحببة في المجوهرات الراقية.
لكن قطعة بعينها من هذا التصميم حملت معها ذكرى شخصية من حياة الجد. فعندما افتتحت FRED متجرها في موناكو عام 1976، كانت الأميرة جريس كيلي ضيفة الشرف، وظهرت وهي ترتدي خاتم Ombre Féline. واحتفظ فريد صامويل باللحظة في ذاكرته ثم في مذكراته؛ فقد أظهرت له الأميرة الخاتم وأخبرته بأنه من القطع التي تحبها ولا تفارقها.
وبعد أكثر من أربعة عقود، وصلت الحكاية إلى الحفيدة. وفي 2019، أعادت فاليري تفسير Ombre Féline في مجموعة من عشر قطع من الخواتم والأقراط والعقود والأساور، مستخدمة الذهب والماس والسبينل واللك الأسود. لم تستنسخ ما صنعه جدها، وإنما أخذت علامته التصميمية ــ المخلبين ــ وأعطتها لغة تناسب امرأة أخرى وزمنًا آخر.
كان ذلك أول ضوء قديم تعيده فاليري إلى واجهة FRED: تصميم من يد الجد، وذكرى من زمن جريس كيلي، وحكاية كادت تتحول إلى مجرد صورة في الأرشيف قبل أن تصبح مجوهرات قابلة للارتداء من جديد.
الضوء الثاني: جوليا.. نجمة هوليود تسطع بتصميم FRED
ثم قادها البحث إلى حكاية أقرب زمنيًا، كان أبوها هنري صامويل أحد شهودها، في عام 1990، ظهر على عنق جوليا روبرتس في فيلم Pretty Woman عقد استثنائي من FRED، مرصع بالياقوت والماس. ومع المشهد الشهير الذي يقدم فيه ريتشارد جير العقد إليها ثم يغلق العلبة مازحًا على أصابعها، قبل أن تنفجر روبرتس في ضحكتها العفوية، خرجت الجوهرة من عالم المجوهرات إلى ذاكرة السينما الشعبية. وبعد الفيلم، تم بيع العقد إلى مقتنٍ خاص، لكن شيئًا منه بقي في أوراق العائلة.

وأثناء عمل فاليري على إعادة بناء أرشيف FRED، عثرت على خطاب التوثيق الذي كتبه أبوها هنري صامويل إلى مشتري العقد الأصلي. والمصادفة أن الوثيقة ظهرت أمامها في الفترة نفسها تقريبًا التي كانت تعمل فيها الدار على إعادة إطلاق Pretty Woman عام 2021؛ لحظة وصفتها فاليري لاحقًا كما لو أن “النجوم اصطفت في مكانها”.
هذه المرة أيضًا لم يكن المطلوب إعادة إنتاج العقد السينمائي حرفيًا. استخرجت فاليري منه ما هو أبقى من القطعة نفسها: القلب داخل القلب، وحولته إلى شفرة تصميمية لمجموعة كاملة تحمل Pretty Woman إلى جيل ربما لم يكن قد وُلد أصلًا عندما ضحكت جوليا روبرتس ضحكتها الفريدة أمام ريتشارد جير.
وهكذا كان الضوء الثاني مختلفًا عن الأول. في Ombre Féline عثرت الحفيدة على تصميم الجد.
وفي Pretty Woman عثرت بين الأوراق على أثر الأب.
لكن الضوء الثالث كان ينتظرها خارج الأرشيف تمامًا.
الضوء الثالث: البحث عن شمس أبيها الغائبة
كانت فاليري طفلة عندما دخلت إلى تاريخ FRED واحدة من أهم الماسات التي مرت بالدار. وفي صيف 1977، كان هنري صامويل في كاليفورنيا بالتزامن مع افتتاح متجر FRED في بيفرلي هيلز، عندما ظهرت أمامه ماسة صفراء ضخمة بلغ وزنها آنذاك 105.54 قيراط. وكانت الشمس قد دخلت بيت صامويل. فأطلق عليها اسم Soleil d’Or – الشمس الذهبية.
لم يشتر هنري الحجر لكي يحتفظ به؛ بل كان لديه مقتنٍ محتمل في ذهنه. لكن قبل أن تنتقل الماسة إلى مالكها الجديد، منحها FRED لحظتها التاريخية تحت الأضواء. حيث ظهرت مع عارضة الأزياء والممثلة مارجو همنجواي، ثم عُرضت في متجر الدار التاريخي في 6 شارع رويال بباريس في نوفمبر 1977 ضمن معرض جمع عددًا من الماسات الاستثنائية. وبعد ذلك اشتراها مقتنٍ خاص، واختفت عن أنظار الدار والعالم لعقود.

مرت السنوات… مات الجد، ثم الأب، وتغير مالكو الدار، وغادرت الحفيدة وعادت بعد عقدين من الزمان، لكن الشمس الذهبية بقيت في مكان ما خارج البيت.
وعندما بدأت فاليري مشروع Fred Seeking Fred للبحث عن مجوهرات FRED القديمة ووثائقها لدى العملاء والمقتنين، ظهر خيط صغير: نسخة باهتة من شهادة الماسة. وهنا لم تعد فاليري تبحث في صناديق الماضي. بدأت تبحث عن الحجر نفسه.
وبعد 44 عامًا من بيعه واختفائه، وصلت إليه. كان صاحبه آنذاك، وفق الروايات المنشورة عن عملية الاستعادة، لا يعرف الاسم التاريخي للماسة ولا علاقتها بـFRED. وكان الحجر نفسه قد تغير؛ أُعيد صقله، فانخفض وزنه من 105.54 إلى 101.57 قيراط، بينما ارتفعت درجة لونه إلى Fancy Intense Yellow.
وكانت هناك مشكلة أخرى أهم: فالماسة لم تكن معروضة للبيع.
لكن فاليري لم تكن تنظر إليها باعتبارها صفقة شراء حجر أصفر يزن أكثر من مئة قيراط. كان أمامها شيء مر من بين يدي أبيها وجدها، ثم اختفى قبل أن تصبح هي نفسها المرأة التي ستتولى إرثهما.
ظلت محاولات شراء الماسة لفترة إلى أن نجحت FRED في استعادتها عام 2021.
وعندما وقفت فاليري أخيرًا أمام Soleil d’Or، تحدثت عن قدرتها للمرة الأولى على فهم المشاعر التي ربما شعر بها أبوها وجدها وهما ينظران إلى الحجر قبل أكثر من أربعة عقود، ووصفت الماسة باعتبارها تركيزًا استثنائيًا للمشاعر.
وهنا تصبح عودة الشمس الذهبية أكثر من عملية استرداد لجوهرة تاريخية.
فالمرأة التي عادت إلى دار عائلتها بعد أكثر من عشرين عامًا، أعادت بدورها إلى الدار شيئًا كان قد غادرها قبلها بعشرين عامًا أخرى من مغادرتها هي نفسها للدار.

الضوء الرابع ينبع من الداخل: Force 10 أيقونة الدار
أما Force 10 فتحمل حكاية أكثر حميمية؛ إذ وُلدت عام 1966 عندما صنع هنري صامويل، والد فاليري، سوارًا لزوجته مستلهمًا شغفهما بالبحر والإبحار، فجمع بين كابل بحري مجدول من الفولاذ ومشبك من الذهب. ومن هدية شخصية بين زوجين، تطور التصميم ليصبح واحدًا من أشهر رموز FRED، جامعًا بين صلابة المعدن ومرونة الحبل وأناقة المجوهرات، في تعبير عن القوة والحركة والحرية وروح التحدي.
وعندما عادت فاليري صامويل إلى الدار، لم تتعامل مع Force 10 باعتباره تصميمًا تاريخيًا مكتملًا، بل شفرة قابلة للتطور. أعادت الدار تفسير الكابل والمشبك بأحجام وخامات وألوان وأحجار مختلفة، ووسعت التصميم من السوار إلى الخواتم والعقود والأقراط، ثم حملته إلى عالم المجوهرات الراقية. وفي مجموعة Monsieur Fred Inner Light أصبح Force 10 جزءًا من فصل Winning Spirit، رابطًا بين البحر والرياضة وروح الانتصار التي شكلت جانبًا من شخصية فريد وعائلته.
وهكذا احتفظت فاليري بأصل الحكاية، لكنها حررتها من شكلها الأول: هدية حب صنعها الأب للأم تحولت، بعد أكثر من نصف قرن، إلى لغة تصميم مستمرة تمثل روح FRED نفسها؛ قوة لا تفقد خفتها، وتراث يتحرك بدل أن يبقى ساكنًا.
رحلة دار مليئة بالضوء والألوان
كأن الفصل الأول كان يقول: وجدنا روح فريد.
الضوء الثاني.. العودة إلى الأرجنتين
ثم أخذت فاليري خطوة أخرى إلى الوراء.
إذا كان Inner Light يبحث عما كان داخل فريد، فإن Monsieur Fred Ideal Light عاد إلى المكان الذي تشكل فيه ذلك الضوء أصلًا: طفولته في الأرجنتين.
والدليل جاء من فريد نفسه. حيث روى في مذكراته الصادرة عام 1992، تلك اللحظة التي غمر فيها رأسه بالماء، بينما اخترقت الشمس سطحه، فأعاد إليه الضوء مشاهد بلد بعيد وشارع وباعة على شاطئ واسع، قبل أن يسمي هذه الصورة «ضوئي المثالي». وهي الذكرى التي بنت عليها الدار الفصل الثاني من الثلاثية.
ومن هنا انفجرت الألوان.
الأحمر والوردي والبرتقالي يستعيد حرارة الأرجنتين، ثم الأزرق والتركواز يستدعيان البحر والمتوسط، وتدخل الأحجار الملونة بقوة إلى المشهد: الإسبينل والعقيق والزمرّد والفيروز واللازورد والأكوامارين وغيرها.

وفي أحد فصول المجموعة اختارت FRED سبعة أحجار زمرد استثنائية من منجم موزو في كولومبيا، من بينها أحجار بوزن 4.76 و3.73 و5.23 قيراط، لتتحول ذاكرة الضوء إلى أحجار فعلية تحمل ألوان أمريكا الجنوبية.
لم تعد فاليري هنا تستعيد فقط ما صممه جدها. فقدكانت تستعيد ما رآه.
من استعادة الماضي إلى إعادة تشغيله
وبالنظر إلى السنوات الأولى لفاليري بعد عودتها، يظهر نمط يصعب اعتباره مصادفة.
في 2019 أعادت إلى الضوء تصميمًا من تصميمات جدها ارتبط بجريس كيلي.
وفي 2021 أعادت بناء Pretty Woman، واستخرجت من أوراق أبيها وثيقة تربط الدار بواحدة من أشهر لحظات المجوهرات في تاريخ السينما.
وفي العام نفسه، لم تكتفِ بالأوراق والصور، وإنما خرجت وراء ماسة أبيها الضائعة وأعادتها فعليًا إلى البيت.
كانت تتحرك، دون أن تقول ذلك بهذه الكلمات، من الاستعادة إلى الاسترداد؛ من إحياء تصميم، إلى استعادة قصة، ثم إلى إعادة جوهرة حقيقية.
لكن الأهم أن فاليري لم تجمع هذه الأشياء لكي تحول FRED إلى متحف لجدها.
كانت تفعل العكس. لقد كانت تجمع الماضي لكي تصنع به المستقبل.
فبعد نحو نصف قرن، وجدت الشمس أخيرًا مكانها. ولعل هذا هو الفارق بين أن تحفظ الإرث وأن تورّثه.
الأول يحتاج إلى أرشيف جيد. أما الثاني، فيحتاج إلى شخص يعرف كيف يمكن أن تظل الأضواء مشتعلة بعد أن يغادر هو المكان.
لقراءة المزيد:
جيهان علامة تطلق مجموعتها Cube Mirage لصيف 2025.
عملت بائعة مجوهرات في سن 17: كيف بنت ياسمين صبري علامتها الشخصية لتصبح سفيرة Cartier ، Chopard؟
الهياكل الهرمية في صناعة المجوهرات.. كيف تنظم العلامات التجارية محافظها التصميمية؟
LVMH تفتح أبواب الرفاهية للعالم.. 46 دارًا تكشف أسرار الحرفة في 12 دولة في أكتوبر.
BainCompany: المجوهرات تتصدر الإنفاق العالمي على السلع الفاخرة في 2025
أكثر من 30 حجرًا ومعدنًا على خريطة مصر.. هل نفدت الأحجار الكريمة أم توقفنا عن البحث؟








