لم تبدأ علاقة ياسمين صبري بالمجوهرات من السجادة الحمراء، ولا عندما أصبحت واحدة من أشهر النجمات العربيات. فقد كانت البداية، كما روت الفنانة في حوارها مع لميس الحديدي، في سن السابعة عشرة، عندما لفت انتباهها محل مجوهرات أثناء سيرها في أحد الشوارع بإحدى المدن الأوروبية التي كانت تزوها خلال إجازاتها الصيفية مع الأسرة، وخلال يومها الأول للعمل كنادلة في مقهى، شعرت ياسمين بأن هذه الوظيفة لا تناسبها، وقررت ألا تعمل بها ولو ليوم واحد آخر.
خرجت ياسمين إل ىالشارع بعد أن حسمت قرارها، لتجد أمامها متجرا لبيع المجوهرات في الجهة المقابلة من الشارع، فقررت عبور الشارع ودخلت وسألت العاملين: «Are you hiring?»، لتبدأ العمل في المحل خلال الصيف، وتعود إلى نفس العمل عامًا بعد آخر، لتراكم خبرتها في مجال مبيعات المجوهرات وتقديرها والتعرف على تفاصيل صناعة الرفاهية المتمثلة في قطاع المجوهرات والأحجار الثمينة.
حيث تقول ياسمين في حوارها: ” هناك، تعلمت أساسيات العمل في المجوهرات والأحجار، وفي الوقت نفسه تعلمت قيمة أخرى ستصبح لاحقًا جزءًا أساسيًا من فلسفتها المهنية: الاستقلال المالي”.
لكن بعد سنوات، ستنتقل صاحبة التجربة الأولى في متجر المجوهرات إلى الجانب الآخر تمامًا من الصناعة؛ من الموظفة التي تتعلم عن الأحجار لتعرف كيف تبيعها، إلى نجمة ترتدي مجوهرات أكبر دور العالم، ثم تصبح وجهًا لها.

Cartier.. البداية التي صنعت الـPositioning
في يناير 2020، ظهرت ياسمين صبري في حملة Panthère de Cartier، لتصبح أول امرأة من الشرق الأوسط تشارك في حملة Cartier بهذه الصورة، إلى جانب أسماء عالمية مثل Ella Balinska وAnnabelle Wallis وMariacarla Boscono.
لكن رواية ياسمين عن كيفية وصولها إلى Cartier كانت أكثر أهمية من الإعلان أو العقد نفسه.
فبحسب حديثها، لم يبدأ الأمر بعقد مباشر. كانت هناك دعوة لحضور إطلاق كبير للدار في دبي، ثم تكررت الدعوات: مرة ثانية، وثالثة، ورابعة، إلى أن أخبرتها Cartier بأنها تريد توقيع عقد معها.
وتقول إن علاقتها بالدار بدأت كسفيرة للمنطقة العربية، ثم انتقلت إلى المستوى العالمي، وشاركت في حملات عالمية.
وهنا تظهر واحدة من أهم قواعد بناء العلاقة بين النجم والعلامة الفاخرة:
الاختيار لا يبدأ دائمًا بالعقد؛ يبدأ بالمراقبة.
فالعلامة لا تنظر فقط إلى عدد متابعي الفنان أو شهرته، وإنما إلى الطريقة التي يظهر بها، وما الذي يرتديه، وما يقوله، وكيف يتصرف، وما الصورة التي تتكون عنه لدى الجمهور.
وهذا يتفق مع ما يميز صناعة سفراء الـ Luxury عمومًا؛ فالعلامة تبحث عن شخص يمكنه أن يعيش داخل عالمها، لا أن يضع منتجها أمام الكاميرا فقط.
«أنا شبههم».. مفتاح اختيارها
عندما سُئلت ياسمين لماذا تعتقد أن Cartier اختارتها، لم تجعل الإجابة تدور حول جمالها أو شهرتها.
قالت ببساطة: «أنا شبههم.».
ثم شرحت أنها تؤمن بالحضور الهادئ، وعدم التصادم، وأن يترك الشخص عمله يتحدث عنه، وأن كل Brand لديه استراتيجية وقصة يريد أن يرويها. فهذه الجملة في حد ذاتها تختصر مفهومًا أساسيًا في عالم الـ Luxury:
Brand Fit- أي التوافق بين شخصية السفير وهوية العلامة.
فالعلامة لا تبحث بالضرورة عن الشخص الأكثر صخبًا، ولا حتى الأكثر شهرة، وإنما عن الشخص الذي يستطيع الجمهور أن يصدق وجوده داخل عالمها.
وفي حالة ياسمين، يبدو أن الهدوء، الصورة الأنيقة، الحضور غير الصدامي، والاهتمام بالصورة الشخصية، كلها عناصر رأت أنها تتقاطع مع شخصية Cartier.

من Cartier إلى Chopard.. الـPositioning يصنع المرحلة التالية
وكما اعتبرت ياسمين عقدها مع Cartier بمثابة «النقلة» الحقيقية في مسيرتها، لم يكن ذلك بالضرورة بسبب القيمة المالية للعقد، وإنما بسبب الـ Positioning الذي منحته لها.
ثم تأتي مرحلة النقلة الثانية التي تمثلت في تعاقدها مع دار Chopard، حيث أكدت ياسمين خلال الحوار بوضوح، أن الذهاب إلى Chopard بعد Cartier يعني أنك «جاية تقيلة»؛ أي أن الفنانة لا تدخل التفاوض مع العلامة من نقطة الصفر، وإنما تحمل معها المكانة التي صنعتها شراكاتها السابقة. فقد كانت مرحلة شوبارد منطقية بعد مرحلة كارتييه، مؤكدة أنها “قادمة من علامة قوية.. وليس من بيتنا”.
وهذا ما يمكن تسميته في عالم البراندينج بـ: Positioning by Association
أي أن الشراكة مع علامة قوية ترفع قيمة الشخص، ثم يصبح هذا الرصيد جزءًا من المفاوضات والشراكات التالية.
والوقائع العملية تدعم هذه المرحلة؛ فقد بدأت علاقة ياسمين الموثقة مع Chopard في 2023، واستمرت في مناسبات كبرى، بينها مهرجان البحر الأحمر، وJoy Awards، ومهرجان كان، وفعاليات Fashion Trust Arabia.
وفي كان، ظهرت ياسمين بمجوهرات Chopard في أكثر من دورة، بما يعكس تحول العلاقة إلى حضور متكرر وليس مجرد استعارة قطعة لمناسبة واحدة.
من المجوهرات إلى مستحضرات التجميل.. البراند الشخصي أوسع من قطاع واحد
المثير في تجربة ياسمين أنها لم تبنِ صورتها حول المجوهرات وحدها. ففي عالم الجمال، تعاونت مع MAC Cosmetics في مجموعة محدودة حملت اسم MAC X Yasmine Sabri، وضمت منتجات مختارة من المستحضرات التي تستخدمها، بينها Russian Red وMehr.
كما تُشير مصادر تعريفية عنها إلى ارتباط اسمها بعلامات كبرى في مجالات مختلفة، من Cartier وMAC إلى علامات أخرى في عالم الرفاهية والجمال.
وهنا تظهر الفكرة الأهم:
ياسمين لا تبيع منتجًا واحدًا؛ هي تبني عالمًا يمكن لمنتجات مختلفة أن تدخل إليه.
مجوهرات، جمال، أزياء، سفر، رياضة، أسلوب حياة. وهذا هو الفرق بين Celebrity Endorsement وPersonal Brand.
«عملة النجاح هي التأثير»
وخلال حوارها مع الإعلامية لميس الحديدي، جاءت تعبيرات ياسمين صبري أكاديمية معبرة عن اتساع الإطلاع على الإصدارات العالمية التي تتحدث عن فنون التفاوض وبناء البراند الشخصي، وكانت من بين أهم الجمل وضوحًا في حديث ياسمين عن علاقتها بالعلامات الكبرى قولها: «عملة النجاح هي التأثير.»
لتؤكد أن الشركات عندما تفكر في التعاقد مع شخصية ما، فإنها تدرس الكثير من التفاصيل والجوانب المتعلقة بالشخصية: ماذا ترتدي؟ أين تذهب؟ ماذا تفعل؟ ماذا يقول الناس عنها؟ كيف تبدو حساباتها على مواقع التواصل؟ هل أرقامها حقيقية؟ وما مدى تأثيرها؟
الأمر الذي يعكس مدى إدراك ياسمين لعدم جدوى النظر إلى عدد المتابعين كمقياس ذو قيمة عند مسئولي البراند.
فالبراند يضع في أولوياته المعنى الذي سيصل للجمهور عندما يري هذا الشخص يتحدث عن البراند.
ولهذا قد تكون نجمة لديها ملايين المتابعين غير مناسبة لدار مجوهرات، بينما تكون نجمة أخرى أقل عددًا لكنها أكثر توافقًا مع هوية العلامة.
الانتقائية تحدد المكانة
هنا تقدم ياسمين واحدة من أهم نصائحها للنجوم. حيث أكدت إنها كانت تتلقى عروضًا إعلانية بأرقام كبيرة، لكنها كانت ترفض بعضها، وعندما يسألها مدير أعمالها عن السبب، كانت تجيبه: «مش ده الـPositioning اللي أنا عايزاه.» أو بمعنى أدق.. لم تجد ياسمين في تقديم هذه المنتجات إضافة لها ولا تتناسب مع قيمها الشخصية التي تحدد بها المكانة التي تحب أن ترتبط بها في عقل الجمهور.
فالبراند الشخصي لا يُبنى فقط من خلال ما تقبله، وإنما أيضًا من خلال ما ترفضه. والإعلان الذي يدفع أكثر اليوم قد يضعف قيمة الاسم غدًا إذا كان لا يتوافق مع الصورة التي يحاول صاحبها بناءها.
لذلك تقول ياسمين إن الاستثمار الحقيقي في نفسها هو Positioning، لأنه في النهاية هو الذي يجلب القيمة المالية الأكبر.

«شبههم».. ماذا تعني للنجم الذي يريد علامة عالمية؟
يمكن اختصار تجربة ياسمين في مجموعة من القواعد أو العملية:
1. ابنِ البراند قبل أن تبحث عن الـ Brand
حدد: من أنت؟ وما الذي تمثله؟
2. لا تجعل الجمال هو رأسمالك الوحيد
ياسمين نفسها رفضت اختزال نجاحها في كونها امرأة جميلة، وقالت إن الجمال وحده ليس كل شيء.
3. ابحث عن الـ Brand Fit
لا تسأل فقط: كم سيدفعون؟
اسأل: هل هذه العلامة تشبه الصورة التي أريد أن أبنيها؟
4. لا تقبل كل إعلان
كل إعلان تضيفه إلى صورتك يغير صورتك قليلًا.
5. فكّر في الـ Positioning قبل السعر
العقد الأعلى أجرًا ليس بالضرورة العقد الأعلى قيمة لمسيرتك.
6. ابنِ علاقة طويلة المدى
ياسمين تحدثت أيضًا عن أهمية التفاوض بطريقة تحفظ العلاقة، لا بطريقة «اضرب الصفقة واخرج».
7. تعلم التفاوض
وتكشف أنها قرأت كتبًا في التفاوض، ومنها Getting to Yes، وتؤمن بأهمية معرفة متى تتحدث ومتى تصمت.
8. افهم أن العلامة تراقبك قبل أن تختارك
صورتك اليومية، سلوكك، اختياراتك، ظهورك، وحضورك الرقمي كلها جزء من ملفك أمام العلامة.
من «وجه إعلاني» إلى أصل من أصول العلامة
تجربة ياسمين صبري تكشف تحولًا مهمًا في علاقة النجوم بعالم الرفاهية، في النموذج القديم، كان النجم يرتدي المنتج ويعلن عنه. أما اليوم، فالعلامة تبحث عن شخصية تحمل جزءًا من قصتها.
ولهذا فإن انتقال ياسمين من Cartier إلى Chopard، بالتوازي مع حضورها في عالم مستحضرات التجميل، لا يقرأ فقط باعتباره سلسلة من العقود الإعلانية، وإنما باعتباره تراكمًا في قيمة البراند الشخصي.
وهو ما تؤكده ياسمين نفسها حين اختصرت فلسفتها في فكرة بسيطة: «أنا شبههم.»
أي أن الهدف ليس أن تحاول أن تصبح نسخة من العلامة، وإنما أن تبني شخصية حقيقية يكون فيها توافق طبيعي مع العالم الذي تريد العلامة أن تقدمه.
وهنا ربما تكون أهم نصيحة في تجربة ياسمين صبري للنجوم الذين يحلمون بأن يصبحوا سفراء للعلامات العالمية:
لا تسأل أولًا: أي علامة ستختارني؟.. بل اسأل: ما الهوية التي أبنيها بحيث تصبح العلامة التي أريدها قادرة على أن ترى نفسها فيّ؟
لقراءة المزيد:
Laura Burdese.. الرئيس التنفيذي الجديد لعلامة Bvlgari
كارتييه تحيي تاريخها المرصع بالأحجار الكريمة
هل ارتدت أولينا زيلينسكا قلادة مسروقة من متحف لاليك؟ ماذا يحدث إذا ثبتت صحة الإدعاء؟
الممثلة الصينية زانج زيي أحدث سفيرة لعلامة تيفاني آند كو
الهياكل الهرمية في صناعة المجوهرات.. كيف تنظم العلامات التجارية محافظها التصميمية؟


