التعديلات تستهدف تحسين تتبع الذهب، والتمييز بين المشغولات القديمة والسبائك الاستثمارية، وتسهيل دمج التعدين الحرفي في الأسواق الرسمية
تواصل رابطة سوق لندن للسبائك (LBMA) مراجعة وتحديث المعايير الدولية للتوريد المسؤول للذهب، من خلال ثمانية محاور رئيسية تشمل إثبات منشأ المعدن، وتصنيف الذهب المعاد تدويره والسبائك الاستثمارية، وزيادة الرقابة على الموردين والمصافي، وتطوير قواعد الإفصاح والتدقيق، إلى جانب إدماج التعدين الحرفي والصغير في سلاسل التوريد الرسمية.
وتزامنت المراجعات مع انعقاد المؤتمر العالمي للمعادن الثمينة، الذي نظمته الرابطة بمدينة سورينتو الإيطالية خلال الفترة من 4 إلى 6 أكتوبر 2026، وناقش خلال إحدى جلساته التحديات التي تواجه مراكز تجارة الذهب الدولية، وسبل تعزيز التعاون في مواجهة مخاطر التوريد غير المسؤول وتدفقات الذهب غير المشروع.
وتأتي التعديلات في إطار عملية تطوير مستمرة للمعايير التي أصدرتها الرابطة لأول مرة عام 2012، بهدف تحسين كفاءة تطبيقها ومواكبة التغيرات في صناعة الذهب وتجارته، والاستفادة من الخبرات التي اكتسبتها المصافي وجهات التدقيق والرقابة خلال السنوات الماضية.
وتأتي المراجعة كآداء دوري هدفه التحسين ولا تعني بالضرورة اكتشاف جرائم أو عمليات تلاعب أو مخالفات بعينها. فقد تستدعي التجربة تعديل بعض القواعد لتوضيحها، أو إزالة اختلافات في تفسيرها، أو تحسين إجراءات تطبيقها، أو التعامل مع مخاطر جديدة لم تكن ظاهرة بالدرجة نفسها عند صياغة ال

إصدارات السابقة.
الإصدار العاشر يأخذ ملاحظات المصافي وجهات التدقيق بعين الاعتبار
وقد بدأت الرابطة الإعداد للإصدار العاشر من إرشادات الذهب المسؤول (RGG10) منذ عام 2024، بالاستعانة بملاحظات المصافي المعتمدة والخبراء وجهات التدقيق والمؤسسات المهنية، قبل طرح المسودة الأولى للتشاور في يونيو الماضي.
وفي الأول من أكتوبر الجاري، أعلنت فتح المشاورة العامة الثانية، التي تستمر حتى 16 أكتوبر، لتلقي الملاحظات على التعديلات قبل اعتماد الإصدار النهائي.
وتعد إرشادات الذهب المسؤول واحدة من القواعد الأساسية التي تلتزم بها المصافي المدرجة على قائمة التسليم الجيد (Good Delivery) التابعة للرابطة، وهي القائمة التي تضم مصافي تستوفي متطلبات محددة تتعلق بجودة السبائك، إلى جانب التزامها ببرنامج التوريد المسؤول.
وفيما يلي أبرز التعديلات المقترحة، وأسبابها، وتأثيراتها المحتملة على صناعة الذهب وتجارته عالميًا.
1. ذهب ثانوي بدلا من “معاد تدويره”
التعديل: تقترح الرابطة استبدال مصطلح «الذهب المعاد تدويره» بمصطلح «الذهب الثانوي»، مع تقسيمه إلى فئات أكثر وضوحًا بحسب طبيعة المادة ومصدرها.
ولتبسيط الفرق، فإن الذهب الجديد المستخرج من المناجم يسمى “الذهب المستخرج من التعدين”، بينما يشمل الذهب الثانوي المواد الذهبية التي كانت موجودة بالفعل في السوق، وتعود إلى المصافي لإعادة معالجتها، مثل المشغولات القديمة وبعض المخلفات الصناعية المحتوية على الذهب.
سبب التعديل:
لأن عبارة “ذهب معاد تدويره” قد تعطي انطباعًا بأنه منتج أكثر استدامة أو أقل خطورة، رغم أن هذا الوصف وحده لا يثبت شيئًا عن طريقة الحصول عليه أو تاريخ تداوله.
فمثلًا، قد تصل إلى المصفاة مشغولات قديمة جمعها تاجر من المستهلكين، أو مخلفات ذهبية من مصنع، أو مواد مرت بعدة وسطاء. ورغم أن جميعها يمكن أن تعود إلى دورة الإنتاج، فإن مستوى المعلومات المتاحة عن كل منها يختلف.
كما تريد الرابطة التمييز بين تصنيف الذهب لأغراض الرقابة على سلسلة التوريد، وبين استخدام وصف “معاد تدويره” في الدعاية التجارية والادعاءات البيئية.
التأثير المتوقع: ستتمكن المصافي من تطبيق إجراءات فحص مختلفة بحسب نوع المادة، بدلًا من التعامل مع جميع أنواع الذهب العائد إلى السوق باعتبارها فئة واحدة. وقد يحتاج الموردون إلى تقديم معلومات أكثر تفصيلًا عن طبيعة الذهب الذي يبيعونه للمصافي.
2. السبائك الاستثمارية.. تصنيف مستقل عن سبائك المصافي المدرجة
التعديل: تقترح الرابطة التعامل مع الذهب الاستثماري باعتباره فئة مستقلة، مع التمييز بين السبائك التي أنتجتها مصافٍ مدرجة بقائمة التسليم الجيد وتلك المنتجة خارجها.
سبب التعديل:
لأن السبيكة الذهبية يمكن أن تنتقل بين المستثمرين والتجار أكثر من مرة، ثم تعود إلى مصفاة لإعادة صهرها أو تداولها.
ورغم أن السبيكة قد تحمل ختمًا يوضح نقاوتها واسم الجهة التي أنتجتها، فإن ذلك لا يوفر بالضرورة معلومات كاملة عن جميع مراحل تداولها اللاحقة.
كما أن وجود المصفاة المنتجة على قائمة دولية معترف بها يوفر معلومات يمكن الاستفادة منها عند تقييم المخاطر، لكن لا يلغي الحاجة إلى فحص المعاملة الحالية.
التأثير المتوقع: ستصبح إجراءات التحقق أكثر ارتباطًا بتاريخ السبيكة والجهة المنتجة لها ومسار تداولها، وقد يُطلب من موردي بعض السبائك تقديم مستندات إضافية لإثبات مصدرها.
ولا يعني ذلك أن كل سبيكة خارج قائمة التسليم الجيد غير مشروعة، وإنما أن تقييم المخاطر يجب أن يعتمد على المعلومات والأدلة المتاحة، وليس على النقاوة وحدها.
3. إثبات منشأ الذهب.. التمييز بين بلد المنشأ وبلد الشحن
التعديل: تقترح الرابطة إدخال ما تسميه “الحد الأدنى لنقاط إثبات المنشأ”، وهي معلومات ووثائق يجب التحقق منها بحسب نوع الذهب وطبيعة سلسلة توريده.
سبب التعديل:
لأن الذهب قد ينتقل عبر عدد من التجار والوسطاء قبل وصوله إلى المصفاة، وبالتالي فإن معرفة اسم الشركة التي باعت الذهب للمصفاة لا تكشف بالضرورة مصدره الأصلي.
فعلى سبيل المثال، إذا اشترت مصفاة ذهبًا من شركة في دولة تعمل مركزًا تجاريًا لإعادة التصدير، فهذا لا يعني أن الذهب استُخرج أو أُنتج في تلك الدولة.
وقد تكون الشركة حصلت عليه من مورد آخر في دولة مختلفة، وهو ما يجعل التمييز بين بلد الشحن وبلد المنشأ أمرًا أساسيًا لتقييم المخاطر.
التأثير المتوقع: زيادة المعلومات المطلوبة عن مراحل سابقة في سلسلة التوريد، وتحسين قدرة المصافي على تحديد المصدر الحقيقي للمعدن، خصوصًا عندما يمر عبر أكثر من دولة أو وسيط.
ولا يشترط التعديل تتبع كل قطعة ذهب حتى أول مالك لها في جميع الحالات، وإنما تحديد نقاط إثبات مناسبة لنوع المادة ومستوى المخاطر.
4. تدقيق إضافي على موردي الذهب مرتفع المخاطر
التعديل: تقترح الرابطة توسيع إجراءات الفحص والتدقيق على بعض الموردين وسلاسل الذهب الثانوي التي ترتفع فيها المخاطر، بما قد يشمل الاستعانة بجهة تدقيق مستقلة.
وتعرف هذه الإجراءات باسم “العناية الواجبة المعززة”، والمقصود بها ببساطة إجراء فحص أكثر عمقًا عندما تظهر عوامل تستدعي المزيد من التحقق.
سبب التعديل:
لأن التعامل مع مورد معروف يقدم مستندات واضحة ويعمل في بيئة منخفضة المخاطر يختلف عن التعامل مع مورد تمر بضائعه عبر وسطاء متعددين، أو يعمل في منطقة تشهد نزاعات أو مخاطر مرتفعة لغسل الأموال.
ومن غير العملي إخضاع جميع المعاملات للإجراءات نفسها، سواء كانت منخفضة أو مرتفعة المخاطر.
التأثير المتوقع: زيادة التدقيق في المعاملات الأعلى خطورة، مع استخدام الموارد الرقابية بصورة أكثر كفاءة، بدلًا من تحميل جميع الموردين المستوى نفسه من إجراءات الفحص.
وقد يؤدي ذلك إلى زيادة تكلفة الامتثال بالنسبة لبعض الشركات، لكنه يساعد الموردين الملتزمين على إثبات سلامة معاملاتهم.
5. إفصاحات أكثر انتظامًا عن الدول التي يأتي منها الذهب
التعديل: تتضمن النسخة العاشرة إدماج قواعد الإفصاح المحدثة التي طورتها الرابطة، بما فيها تقديم تقارير شهرية عن بلدان منشأ الذهب، وتطوير الإفصاحات السنوية.
سبب التعديل:
لأن المعلومات السنوية وحدها قد لا تكون كافية لمتابعة التحولات السريعة في حركة الذهب بين الدول والمراكز التجارية.
فإذا شهدت دولة ما تغيرًا مفاجئًا وكبيرًا في حجم الذهب المتدفق عبرها، فإن البيانات الأكثر انتظامًا قد تساعد في تحديد ما إذا كان هذا التغير يستدعي مراجعة إضافية.
ولا يعني ارتفاع التدفقات بالضرورة وجود مخالفة، فقد يرجع إلى تغيرات تجارية أو تشغيلية مشروعة، لكنه قد يستدعي فهم أسبابه.
التأثير المتوقع: تحسين قدرة الرابطة على تحليل حركة الذهب ورصد الأنماط غير المعتادة، وتعزيز المعلومات المستخدمة في تقييم المخاطر.
ومن المهم التمييز بين البيانات التفصيلية التي تقدمها المصافي للرابطة والبيانات التي تُنشر للجمهور، إذ تظل بعض المعلومات خاضعة لاعتبارات السرية التجارية.
6. التعدين الحرفي.. فتح الطريق أمام المنتجين الصغار
التعديل: تتضمن المراجعة دمج أدوات خاصة بالتعدين الحرفي والصغير النطاق (ASM) في الإرشادات الرسمية، بهدف توضيح كيفية قبول الذهب الناتج عن هذا النشاط وفق إجراءات تحقق تتناسب مع طبيعة عملياته.
سبب التعديل:
لأن التعدين الحرفي يختلف عن نشاط شركات التعدين الكبرى. ففي بعض الدول الأفريقية، يعمل المعدنون الصغار بصورة فردية أو داخل تجمعات محدودة الإمكانيات، وقد لا تتوافر لديهم أنظمة التوثيق والإدارة الموجودة لدى الشركات الكبرى.
وإذا اشترطت المصافي تطبيق جميع الإجراءات الصناعية المعقدة عليهم من البداية، فقد يصبح من الصعب عليهم بيع إنتاجهم عبر القنوات الرسمية.
لكن استبعادهم لا يعالج بالضرورة المشكلات المتعلقة بضعف التنظيم، وقد يدفع مزيدًا من الذهب نحو الأسواق غير الرسمية.
التأثير المتوقع: وضع مسارات تدريجية لتحسين الامتثال، تسمح بدخول مزيد من الذهب الحرفي المسؤول إلى سلاسل التوريد المعتمدة، مع استمرار التحقق من المخاطر الجسيمة مثل تمويل النزاعات وغسل الأموال وانتهاكات حقوق الإنسان.
وتكتسب هذه التعديلات أهمية خاصة في أفريقيا، حيث تسعى دول عديدة إلى تنظيم التعدين الحرفي والاستفادة من إنتاجه داخل الاقتصاد الرسمي.
7. مراجعة طريقة التدقيق على المصافي نفسها
التعديل: إدماج وتحديث الأدوات المستخدمة من جانب جهات التدقيق المستقلة التي تراجع التزام المصافي بإرشادات التوريد المسؤول.
سبب التعديل:
لأن وجود تقرير تدقيق لا يكفي وحده لضمان جودة المراجعة، إذ يجب أن تكون طريقة جمع الأدلة وتقييم المخاطر وكتابة الملاحظات واضحة ومتسقة.
فعلى سبيل المثال، قد تختلف طريقة تقييم المستندات أو تصنيف المخاطر بين جهتين للتدقيق، رغم خضوع المصافي للمعايير نفسها.
التأثير المتوقع: تحسين جودة تقارير التدقيق، وتسهيل مقارنة مستويات الالتزام بين المصافي، ورفع قدرة الرابطة على متابعة أوجه القصور والإجراءات التصحيحية.
وبذلك لا تكون الرقابة موجهة فقط إلى مصادر الذهب، بل تشمل أيضًا جودة الجهات التي تتحقق من التزام المصافي بالمعايير.
8. تقييم المخاطر البيئية والاجتماعية بصورة أوسع
التعديل: تعزيز متطلبات العناية الواجبة المتعلقة بالبيئة والمجتمع والحوكمة، والمعروفة اختصارًا باسم ESG، وتوسيع الاهتمام بهذه المخاطر في سلاسل الذهب الثانوي.
سبب التعديل:
لأن مسؤولية التوريد لا ترتبط فقط بالتحقق من ملكية الذهب أو قانونية تجارته، وإنما تشمل أيضًا المخاطر التي قد تنشأ أثناء جمعه ومعالجته ونقله.
فعلى سبيل المثال، قد تتعلق المخاطر بظروف العمل أو الممارسات البيئية في منشأة معالجة أو جمع مواد ذهبية، حتى عندما لا يكون الذهب مستخرجًا مباشرة من منجم جديد.
التأثير المتوقع: توسيع نطاق تقييم المخاطر التي تراجعها المصافي، بما يساعد على اكتشاف المشكلات البيئية والاجتماعية المحتملة في مراحل مختلفة من سلسلة التوريد.
ولا يعني ذلك أن الرابطة ستصبح جهة رقابة بيئية حكومية، وإنما أنها تضع متطلبات للعناية الواجبة يجب على المصافي المشمولة ببرنامجها مراعاتها.

سبب مراجعة الرابطة للمعايير
منذ إصدار أول نسخة من إرشادات الذهب المسؤول عام 2012، تطورت القواعد بصورة متتابعة استجابة للتغيرات في الأسواق، والخبرة العملية في تطبيق الاشتراطات، وتحديثات المبادئ الدولية، وملاحظات المصافي وجهات المراجعة والأطراف المعنية.
ولا يشترط أن يكون كل تعديل نتيجة اكتشاف جريمة أو ثغرة استُغلت بالفعل، فقد يكون الهدف تحسين كفاءة الإجراءات، أو إزالة الغموض عن أحد الاشتراطات، أو منع مخاطر محتملة قبل تحولها إلى مشكلة.
كما أن تحديث بعض المعايير قد يسهم في تسهيل الامتثال، وليس تشديده فقط، عندما يسمح بتطبيق إجراءات مختلفة بحسب طبيعة النشاط ومستوى المخاطر. كما يحدث بشأن التعدين الحرفي وصغير النطاق.
وتستند الإرشادات إلى المبادئ الدولية التي وضعتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD للعناية الواجبة في سلاسل توريد المعادن من المناطق المتأثرة بالنزاعات وعالية المخاطر.
موعد بدء تطبيق التعديلات
وفق أحدث جدول زمني أعلنته الرابطة، تستمر المشاورة العامة الثانية حتى 16 أكتوبر 2026، ومن المستهدف إصدار النسخة النهائية في ديسمبر المقبل.
وتبدأ فترة انتقالية مطلع يناير 2027، قبل بدء أول عام كامل لتطبيق النسخة العاشرة في يناير 2028، على أن تُقدم تقارير التدقيق عن تطبيقها خلال عام 2029.
وتبقى هذه المواعيد مرتبطة باستكمال المشاورات واعتماد الصيغة النهائية.
وتكشف المراجعة الجديدة عن اتجاه متزايد نحو ربط قبول الذهب في الأسواق الدولية بجودة المعلومات المتاحة عن مصدره ومسار تداوله، وليس فقط بوزنه ونقاوته.
كما تعكس سعي الرابطة إلى تحقيق توازن بين تعزيز الرقابة على سلاسل التوريد، وتوفير إجراءات عملية يمكن للمصافي والموردين والمنتجين الصغار الالتزام بها، بما يرفع كفاءة المنظومة ويعزز الثقة في تجارة الذهب العالمية، ويدعم ثقة الأسواق الدولية في الذهب المتداول عبر المصافي المعتمدة.
لقراءة المزيد:
LBMA أمام المحكمة.. بدء نظر قضية الذهب المسؤول في لندن والمحاكمة تمتد حتى 20 نوفمبر
مؤتمر LBMA-2026 للمعادن الثمينة ينطلق في إيطاليا بمشاركة أكثر من 900 خبير وقائد صناعة
الجلسة الصناعية بمئوية CIBJO بفيتشنزا: 17صوتًا يرسمون خريطة صناعة المجوهرات للمئوية القادمة


