الصين تضيف نحو 23 طنًا خلال سبتمبر.. تحوط من اضطرابات أم إعادة رسم لخريطة تجارة الذهب؟
في تحرك متوازٍ يجمع بين تعزيز الاحتياطيات النقدية وتطوير البنية التحتية لتجارة الذهب، تواصل الصين توسيع حضورها في سوق المعدن النفيس عالميًا، عبر زيادة مشتريات بنكها المركزي من الذهب، وتسريع خطوات الربط بين بورصة شنغهاي SSE- للذهب وهونج كونج– HKEX، التي تستعد لإطلاق منظومة مركزية لمقاصة وتسوية معاملات الذهب خلال الربع الأول من عام 2027.
وتثير هذه التحركات تساؤلات تتجاوز حدود تجارة الذهب، بشأن ما إذا كانت بكين تتحسب لتحولات أعمق في النظام المالي العالمي، أو تسعى إلى تعزيز قدرتها على مواجهة الاضطرابات الجيوسياسية، وتقليل تعرضها للمخاطر المرتبطة بالاعتماد على الدولار الأمريكي.
وتكتسب هذه التساؤلات أهمية خاصة مع استمرار التوترات والحروب واضطراب العلاقات التجارية الدولية، في وقت يتزايد فيه اهتمام البنوك المركزية بالذهب باعتباره أحد الأصول الاحتياطية التي لا ترتبط بالتزامات جهة إصدار أجنبية.
الصين تواصل تراكم الذهب في احتياطياتها
أظهرت البيانات الرسمية الصادرة في 7 أكتوبر 2026 ارتفاع احتياطيات بنك الشعب الصيني من الذهب إلى 77.47 مليون أوقية بنهاية سبتمبر، مقارنة بنحو 76.73 مليون أوقية في أغسطس، بزيادة تقارب 740 ألف أوقية، تعادل نحو 23 طنًا.
وتعكس هذه الزيادة تسارعًا ملحوظًا في وتيرة إضافة الذهب إلى الاحتياطيات الرسمية، مع استمرار سلسلة المشتريات للشهر الثالث والعشرين على التوالي.
ولا تقتصر أهمية هذه التطورات على الكميات المضافة، وإنما تمتد إلى توقيتها، في ظل ارتفاع مستويات عدم اليقين بشأن مستقبل العلاقات الاقتصادية الدولية، والمخاطر المرتبطة بالعقوبات المالية والتجارية، والتغيرات المحتملة في موازين القوى النقدية العالمية.
ورغم أن زيادة الاحتياطيات الذهبية لا تعني بالضرورة تخلي الصين عن الدولار، فإنها تمنح بنكها المركزي قدرًا أكبر من التنويع، وتقلل نسبيًا من الاعتماد على الأصول المالية المقومة بعملات أجنبية.
هونج كونج تنتقل إلى التنفيذ.. 11 بنكًا ومنظومة مقاصة مركزية للذهب
في تطور موازٍ، كشفت حكومة هونج كونج عن تقدم ملموس في تنفيذ خطتها لبناء مركز دولي متكامل لتجارة الذهب، خلال مشاركة كريستوفر هوي، وزير الخدمات المالية والخزانة، في المؤتمر العالمي للمعادن الثمينة الذي نظمته رابطة سوق لندن للسبائك LBMA في مدينة سورينتو الإيطالية يوم 6 أكتوبر 2026.
وأوضح هوي أن منظومة المقاصة والتسوية المركزية للذهب، التي بدأت التشغيل التجريبي في يوليو الماضي، انتقلت إلى مراحل متقدمة من الاستعداد للإطلاق الرسمي خلال الربع الأول من عام 2027، بمشاركة 11 بنكًا كمشاركين مباشرين مؤقتين، إلى جانب اهتمام بنوك أخرى بالانضمام.
وتعمل السلطات حاليًا على استكمال الربط بين منظومة الذهب ونظام التسوية الإجمالية الفورية RTGS في هونج كونج، بما يسمح بتنفيذ المعاملات وفق آلية “التسليم مقابل الدفع”» DvP، التي تربط نقل ملكية الذهب بإتمام التسوية النقدية، بهدف تقليل مخاطر التسوية وتحسين كفاءة التعاملات.
وأكد هوي أن الخطة لا تقتصر على إنشاء نظام للمقاصة، بل تشمل جذب استثمارات القطاع الخاص لزيادة طاقات تخزين الذهب وتكريره، ودراسة حوافز ضريبية إضافية، إلى جانب الإعفاءات القائمة على أنشطة استيراد الذهب وتصديره.
وشملت التحركات أيضًا اجتماعات مع بيتر زولنر، رئيس LBMA، لبحث تعزيز الترابط بين سوقي هونج كونج ولندن، ومع كريستوف وايلد، رئيس الجمعية السويسرية للمعادن الثمينة، ومديرتها التنفيذية سابرينا كاريب، لبحث التعاون في المعايير الدولية والاستدامة، فضلًا عن لقاءات مع مسؤولي تداول المعادن في دويتشه بنك.
كما أعلن عن استضافة هونج كونج المنتدى الآسيوي لرابطة LBMA في أبريل 2027، بالتزامن مع الموعد المستهدف لاكتمال تشغيل منظومة المقاصة.

أهمية الربط بين شنغهاي وهونج كونج.. اقتصاديًا
يمثل التعاون مع بورصة شنغهاي للذهب أحد أهم عناصر الاستراتيجية الجديدة، إذ وقعت حكومة هونج كونج اتفاقًا معها في 26 يناير 2026 لتطوير الربط بين السوقين وتعزيز البنية التحتية لتداول الذهب وتسويته.
وفي 7 يوليو، بدأت المرحلة الأولى من خدمة Delivery Connect، التي تتيح نقل الذهب الفعلي بين منظومة بورصة شنغهاي ومنظومة المقاصة في هونج كونج، بمشاركة أولية من بنك الصين في هونج كونج، وبنك HSBC، والبنك الصناعي والتجاري الصيني في آسيا. وأكد البيان الرسمي إتمام عمليات نقل في الاتجاهين بنجاح.
وفي اليوم نفسه، اعتمدت بورصة شنغهاي شركة المقاصة المركزية للمعادن الثمينة في هونج كونج عضوًا دوليًا لديها، وأُطلق مؤشر HAU بالتعاون مع بلومبرج لتوفير أسعار استرشادية تعكس عروض البيع والشراء في سوق هونج كونج.
وتتجاوز أهمية هذا الربط تسهيل حركة السبائك، فبورصة شنغهاي تمثل إحدى البنى الرئيسية لسوق الذهب داخل الصين، بينما تتمتع هونج كونج بإمكانية الوصول إلى المؤسسات المالية والمستثمرين الدوليين.
ومن شأن التكامل بين السوقين أن يتيح توسيع الخدمات المرتبطة بتخزين الذهب ونقله وتسويته، وتحسين السيولة، وربط جانب من الطلب الصيني الكبير بشبكات التجارة والتمويل الدولية.
وتستهدف حكومة هونج كونج كذلك رفع طاقتها التخزينية للذهب إلى أكثر من ألفي طن خلال ثلاث سنوات، وفق ما أعلنه رئيس السلطة التنفيذية في يناير الماضي. وهو هدف يتعلق بالبنية التخزينية للسوق، وليس بالاحتياطيات الرسمية لبنك الشعب الصيني.
وتكشف هذه الخطوات عن توجه لبناء منظومة أكثر تكاملًا تشمل التداول والمقاصة والتسوية والتخزين والتكرير والمؤشرات السعرية، بما يعزز قدرة الأسواق الآسيوية على تقديم خدمات كانت تتركز تاريخيًا في المراكز المالية الغربية.

هل تتوقع الصين ما لم يتوقعه العالم؟
يثير التزامن بين تسارع مشتريات البنك المركزي للذهب وتطوير البنية التحتية لتجارته سؤالًا بشأن ما إذا كانت الصين تتحسب لاضطرابات أكبر في النظام المالي العالمي، أو تنفذ استراتيجية أوسع لتعزيز استقلالها المالي.
غير أن التمييز ضروري بين التحوط الاستراتيجي والتنبؤ بأزمة محددة.
فالصين بدأت تنويع احتياطياتها وتطوير أسواق الذهب قبل موجة الاضطرابات الحالية، كما أن اتفاق شنغهاي وهونج كونج سبق التطورات الأخيرة. وبالتالي، لا يمكن اعتبار هذه الإجراءات مجرد رد فعل مباشر على الحرب، وإن كانت التوترات الجيوسياسية قد زادت من أهميتها الاقتصادية.
وتوفر التجربة الدولية أسبابًا واضحة لهذا التحوط، إذ كشفت العقوبات المالية وتجميد بعض الأصول السيادية خلال السنوات الماضية عن المخاطر التي قد تتعرض لها الاحتياطيات المحتفظ بها في مؤسسات أو أدوات مالية خاضعة لولايات قضائية أجنبية.
ويتميز الذهب المملوك والمحفوظ مباشرة بأنه لا يمثل التزامًا على حكومة أو مؤسسة مالية أخرى، ما يمنحه أهمية خاصة في إدارة مخاطر الاحتياطيات، وإن ظل معرضًا لتقلبات الأسعار وتكاليف الحفظ والتشغيل.
ومن هذا المنظور، يمكن تفسير زيادة الاحتياطيات الصينية باعتبارها جزءًا من سياسة طويلة الأجل لتنويع الأصول وتعزيز المرونة في مواجهة الأزمات، وليس بالضرورة مؤشرًا على توقع انهيار وشيك للدولار أو النظام النقدي العالمي.
فك الارتباط بالدولار.. هل يدفع الصين إلى الذهب
ترتبط هذه التحركات بالنقاش العالمي حول De-dollarization – فك الارتباط بالدولار ، أي تقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي في الاحتياطيات والتجارة والتسويات الدولية.
لكن زيادة حيازة الذهب تختلف عن استبدال الدولار في المعاملات التجارية، حيث تتعلق الأولى بتكوين الاحتياطيات وإدارة المخاطر، بينما تتطلب الثانية تطوير شبكات دفع وتسوية وعملات تحظى بالقبول والسيولة الدولية.
وهنا تظهر أهمية الربط بين شنغهاي وهونج كونج. فالصين لا تكتفي بزيادة مخزون الذهب الرسمي، بل تدعم أيضًا تطوير سوق يمكنه استيعاب قدر أكبر من المعاملات الدولية وتوفير خدماتها المالية واللوجستية.
ومع ذلك، لا تعني منظومة المقاصة الجديدة أن معاملات الذهب ستُسوى تلقائيًا باليوان، أو أن هونج كونج ستصبح بديلًا مباشرًا للندن. ويتوقف ذلك على العملات المستخدمة فعليًا، وحجم التداولات والسيولة، ومدى إقبال المؤسسات الدولية على النظام الجديد.
وتشير اتصالات هونج كونج مع LBMA والجمعية السويسرية للمعادن الثمينة إلى أن الاستراتيجية تتضمن أيضًا تعزيز التكامل مع المؤسسات والأسواق القائمة، وليس بالضرورة الانفصال عنها.
إعادة توزيع النفوذ في سوق الذهب العالمي
تكمن الدلالة الأوسع للتحركات الصينية في أن المنافسة الدولية على الذهب لم تعد تقتصر على حجم الاحتياطيات أو الإنتاج والتجارة، وإنما تمتد إلى امتلاك البنية التحتية التي تمر عبرها المعاملات.
فالمركز المالي الذي يوفر خدمات التخزين والتكرير والمقاصة والتسوية واكتشاف الأسعار يستطيع جذب المؤسسات المالية وشركات التجارة والمصافي والمستثمرين، بما يعزز مكانته في سلاسل القيمة العالمية للذهب.
وبينما تواصل لندن دورها التاريخي في سوق السبائك، وتحتفظ نيويورك بمكانة رئيسية في تداول العقود الآجلة، تسعى هونج كونج إلى توسيع دور آسيا في هذه المنظومة، مستفيدة من عمق السوق الصينية والربط مع شنغهاي.
ولذلك، قد يكون السؤال الأكثر دقة ليس ما إذا كانت الصين تتوقع أزمة لا يعرفها العالم، وإنما ما إذا كانت تعمل على الاستعداد لعدة سيناريوهات محتملة في وقت واحد: استمرار هيمنة الدولار، أو تزايد الانقسام المالي العالمي، أو توسع استخدام الذهب والعملات غير الدولارية في المعاملات الدولية.
وفي جميع هذه السيناريوهات، يمنح امتلاك احتياطيات أكبر من الذهب، إلى جانب تطوير البنية التحتية لتداوله، الصين أدوات إضافية لإدارة المخاطر وتعزيز حضورها المالي.
لكن الحكم على مدى نجاح هذه الاستراتيجية سيظل مرهونًا بما يحدث بعد التشغيل الرسمي لمنظومة هونج كونج في 2027، وحجم المعاملات التي ستجذبها، وقدرتها الفعلية على توسيع الترابط بين الأسواق الصينية والدولية.
لقراءة المزيد:
أضافت 20.2 طن لاحتياطيها خلال أغسطس.. إلى أين تتجه الصين بالذهب؟
برلين تسعى لاستعادة ذهبها من أمريكا.. أسوة ببرن التي استعادته في 2008.
البنك المركزي يراكم الذهب بالجنيه ويعزز قوة الاحتياطي ويقلل الحاجة إلى الدولار.. 4.177 مليون أوقية.


