لم تمر سوى أيام على واحدة من أسوأ كوارث التعدين الأهلي في السودان، حتى شهدت البلاد انهيارًا جديدًا لآبار تنقيب عن الذهب، هذه المرة في ولاية البحر الأحمر شمال شرقي البلاد وقرب الحدود المصرية، لترتفع حصيلة ضحايا حادثين منفصلين خلال أسبوع واحد إلى 94 قتيلًا على الأقل، وفق أحدث الاحصائيات المتاحة.
ولا تبدو الحادثتان منفصلتين عن واقع أوسع يشهده قطاع الذهب السوداني، حيث تدفع الحرب وتراجع مصادر الدخل آلاف السودانيين إلى التعدين الأهلي، في وقت تعمل فيه مساحات واسعة من القطاع بأدوات بدائية، وآبار غير مؤمنة، وإمكانات إنقاذ محدودة، بينما تتداخل تجارة الذهب مع التهريب واقتصاد الحرب وسيطرة جماعات مسلحة على بعض مناطق الإنتاج.
83 قتيلًا في غرب كردفان
وقعت الكارثة الأولى في منجم الزرع بمنطقة فوجا قرب النهود في غرب كردفان، عندما بدأ الانهيار في أحد آبار التعدين قبل أن يمتد إلى آبار أخرى متصلة به.
وأفادت وكالة أسوشيتد برس في 16 سبتمبر بانتشال 82 جثمانًا، بينما ظل عشرات في عداد المفقودين، وسط صعوبة بالغة في عمليات الإنقاذ التي جرت في آبار يتجاوز عمق بعضها 30 مترًا، مع نقص شديد في المعدات، إذ لم تتوفر في مرحلة من عمليات الإنقاذ سوى رافعة شوكية واحدة.
وفي تحديث لاحق، رفعت السلطات المحلية التابعة للإدارة التي يشارك فيها الدعم السريع والمسيطرة على المنطقة الحصيلة إلى 83 قتيلًا، مع استمرار وجود مفقودين، وأقرت بأن ظروف التعدين الأهلي تفتقر إلى أبسط متطلبات السلامة.

انهيار جديد قرب الحدود المصرية بعد أيام
في مساء 19 سبتمبر، انهارت آبار تعدين أهلي في منطقة أوني بولاية البحر الأحمر شمال شرقي السودان، وأفاد مسؤول بالشركة السودانية للموارد المعدنية بانتشال 11 جثمانًا وإنقاذ 30 مصابًا حتى 20 سبتمبر، مع استمرار البحث عن مفقودين. وبذلك أصبحت الكارثة ثاني انهيار كبير لمنجم أهلي سوداني خلال أسبوع واحد.
وتكشف شهادات محلية تفاصيل مهمة عن طبيعة العمالة الموجودة في المنطقة، إذ ذكرت مصادر محلية أن خمسة آبار للتعدين الأهلي انهارت، وأن عشرات العمال الموجودين فيها قدموا من دارفور وكسلا والبحر الأحمر، بينما كان من بين الضحايا عمال من جنوب دارفور. وتحدثت المصادر كذلك عن سوء إنشاء الآبار ونقص معدات الوقاية والسلامة وتكرار الانهيارات في مناطق التعدين الأهلي.
هل دفعت “حملة مصر” المنقبين للاتجاه جنوبًا؟
يكتسب موقع الحادث الثاني أهمية إضافية؛ لأنه يأتي بعد نحو ثلاثة أشهر من حملة مصرية واسعة لمواجهة التعدين غير القانوني وتهريب الذهب في الصحراء الجنوبية الشرقية وعلى امتداد المنطقة الحدودية مع السودان.
حيث أعلن الجيش المصري في يونيو ضبط 87 مصريًا و136 أجنبيًا خلال عمليات استهدفت التنقيب غير القانوني والتهريب، وضبط كميات من معدات وأجهزة التعدين. كما أكد إعادة عدد ممن سلموا أنفسهم إلى بلدانهم. وأظهرت تقارير ومقاطع مصورة تجمع أعداد كبيرة من السودانيين عند الحدود، فيما تحدثت وسائل إعلام سودانية عن منقبين أعيدوا من مصر إلى السودان بترحيلهم عبر الحدود.
وفي تقديرات نقلتها The National عن مسؤولين أمنيين أشارت إلى أن أعداد السودانيين الذين دخلوا مناطق الصحراء الجنوبية الشرقية المصرية للتنقيب، إلى جانب شبكات التهريب، ربما وصلت إلى عشرات الآلاف، مع تنفيذ مئات الاعتقالات وعمليات إعادة إلى السودان خلال الحملة.
وهنا يبرز سؤال منطقي: هل أدت إزاحة تجمعات المنقبين من الجانب المصري وإغلاق مساحات كانت تعمل فيها بصورة غير قانونية إلى زيادة الضغط على مناطق التعدين داخل السودان، خصوصًا المناطق الشمالية والشرقية الأقرب إلى الحدود المصرية والأبعد نسبيًا عن جبهات الحرب؟
التوقيت والجغرافيا يجعلان الفرضية جديرة بالفحص، لكن البيانات المتاحة حتى الآن لا تثبت أن عمال منجم أوني هم أنفسهم من المنقبين الذين أعادتهم مصر، ولذلك لا يمكن اعتبار الحملة المصرية سببًا مباشرًا للانهيار.
الأرجح أن أي تدفق إضافي للمنقبين، إن ثبت، سيكون قد انضم إلى مشكلة أقدم وأعمق: توسع التعدين الأهلي السوداني داخل آبار غير مؤمنة، مع ضعف الرقابة الفنية ووسائل الحماية والإنقاذ.
15 ولاية من 18ولاية سودانية تنتج الذهب عبر التعدين الأهلي
يمتد التعدين الأهلي عبر مساحات واسعة من السودان، ولا يقتصر على دارفور أو كردفان. ووفق فريق خبراء الأمم المتحدة، تنتج 15 ولاية من أصل 18 ولاية سودانية الذهب، وكانت ولاية البحر الأحمر — حيث وقع الحادث الثاني — أكبر الولايات المنتجة في البيانات التي درسها الفريق.
وتنتشر آلاف المناجم الصغيرة وغير الرسمية في البلاد. وفي مناطق عديدة يحفر العمال آبارًا بوسائل محدودة، بينما لا تطبق أدنى معايير السلامة بالمواقع، وهو ما جعل انهيارات المناجم حوادث متكررة وليست استثنائية.
وتزيد الحرب المستمرة منذ أبريل 2023 من خطورة الوضع؛ ففقدان الوظائف ومصادر الدخل يدفع مزيدًا من السكان إلى الذهب باعتباره واحدًا من مصادر الدخل القليلة المتاحة، بينما تقل قدرة الدولة على الرقابة على مساحات واسعة من البلاد.
70 طنًا رسميًا.. لكن أين يذهب الذهب؟
تكشف أرقام الإنتاج والتجارة حجم المفارقة، فقد أعلنت الشركة السودانية للموارد المعدنية أن السودان أنتج نحو 70 طنًا من الذهب خلال 2025، بينما سجل بنك السودان المركزي صادرات رسمية لا تتجاوز نحو 14 طنًا فقط.
أي أن الفارق بين الإنتاج المعلن والصادرات المسجلة بلغ قرابة 56 طنًا. وفي أغسطس 2026 أعلنت الحكومة إجراءات جديدة لمواجهة التهريب، شملت محاكم متخصصة وحظر وجود القوات العسكرية وشبه العسكرية في مناطق التعدين.
وفي مداخلة أمام مجلس الأمن في يوليو 2026، ذهب ممثل السودان إلى أبعد من ذلك، إذ قال إن 56 طنًا من الذهب هُرّبت خلال العام السابق بقيمة تتجاوز 7 مليارات دولار، واتهم قوات الدعم السريع بإخراج الذهب إلى الإمارات.
أما فريق خبراء الأمم المتحدة فكان قد خلص في تحقيقاته إلى أن أكثر من نصف الذهب المنتج في السودان لا يمر عبر القنوات الرسمية، ووثق ارتباط شبكات تهريب الذهب بتمويل أطراف الحرب، بما في ذلك الدعم السريع، كما أشار إلى سيطرة فصائل مسلحة مختلفة على بعض مناطق التعدين الأهلي.
وبالتالي فإن مأساة التعدين السوداني أصبحت ذات وجهين متداخلين: عامل يخاطر بحياته داخل بئر غير مؤمنة بحثًا عن جرامات من الذهب، واقتصاد موازٍ قادر على إخراج عشرات الأطنان خارج القنوات الرسمية وتمويل شبكات وقوى مسلحة.
الذهب في قلب الصراع
لا يواجه المنقبون مخاطر انهيار الآبار وحدها، فالذهب ومواقع إنتاجه وتجارته أصبحوا جزءًا من ساحة الحرب. ففي شمال كردفان، أفادت مصادر محلية بأن قوة من الدعم السريع قادمة من دارفور هاجمت منجمًا تقليديًا للذهب في أم بدر، واعتدت على العمال ونهبت المعدات والآلات والأموال قبل طرد المنقبين، بينما نُهب سوق المزروب التجاري خلال تحركات القوات نفسها. وبعدها بيوم، قالت مجموعة محلية إن هجومًا للدعم السريع على سوق تعدين وتجارة الذهب في أم بدر أسفر عن مقتل خمسة أشخاص وإصابة 27 آخرين. وتكشف الوقائع أن الصراع على الذهب لم يعد يقتصر على السيطرة على مناطق التعدين، وإنما يمتد إلى مواقع الإنتاج والمعدات والأسواق وحلقات تداول المعدن.
الشركات المنظمة تهدد بالتوقف
وفي الجهة الأخرى من القطاع، تواجه شركات التعدين الرسمية أزمة مختلفة؛ إذ هدد اتحاد شركات التعدين السودانية بوقف إنتاج الذهب اعتبارًا من الأول من أكتوبر، احتجاجًا على آلية الشراء والتسعير التي يطبقها البنك المركزي. وقال الاتحاد إن الأسعار الرسمية لا تعكس القيمة الاقتصادية للذهب أو الزيادة في تكاليف التشغيل والأمن والنقل الناتجة عن الحرب والتضخم وتراجع العملة، مطالبًا أيضًا بمزيد من الشفافية بشأن الوسطاء وفروق الأسعار. ويقول الاتحاد إن شركات الامتياز والتعدين الصغير ومعالجة مخلفات التعدين تمثل نحو 17% من إنتاج البلاد، ما يعني أن الأزمة تضغط في الوقت نفسه على التعدين الأهلي الذي ينتج أكثر من 80% من الذهب وعلى الجزء المنظم من القطاع.
ذهب السودان يواجه العزلة عن الأسواق المنظمة
في 13 يوليو 2026 قرر الاتحاد الأوروبي تشديد نظام العقوبات المرتبط بالسودان، وفرض حظرًا على شراء أو استيراد أو نقل الذهب ذي المنشأ السوداني، إلى جانب حظر تقديم الخدمات الفنية والوساطة والتمويل المرتبطة بهذه التجارة. كما حظر توريد الزئبق والسيانيد المستخدمين في استخراج الذهب إلى السودان، وبرر الاتحاد الأوروبي القرار بأن الذهب أصبح مصدرًا رئيسيًا للإيرادات التي تدعم استمرار الصراع.
ولا يعني ذلك وجود حظر عالمي شامل على كل الذهب السوداني؛ لكن الحظر الأوروبي، والعقوبات المفروضة على كيانات مرتبطة بأطراف الحرب، ومتطلبات العناية الواجبة والتتبع في الأسواق المنظمة، تزيد صعوبة وصول الذهب السوداني مجهول المصدر أو المرتبط بالصراع إلى سلاسل التوريد الرسمية.
وهنا تصبح الكارثتان الأخيرتان أكثر من حادثي مناجم: قطاع ينتج عشرات الأطنان سنويًا ويعتمد عليه آلاف المنقبين كمصدر رزق، لكنه يعمل في جانب كبير منه بين التعدين الأهلي غير الآمن، والتهريب، والحرب، وضعف التتبع؛ بينما تبدأ الأسواق الدولية في إغلاق أبوابها أمام الذهب الذي لا يستطيع إثبات مصدره ومساره.
لقراءة المزيد:
49 حالة وفاة.. أفريقيا الوسطى: انهيار موسكو يعيد فتح ملف التعدين غير المشروع للذهب
13 قتيلًا في انهيار منجم ذهب بكولومبيا.. حادث يعيد فتح ملف التعدين الحرفي والذهب غير المشروع
انجلو جولد أشانتي تبحث دورها في المسئولية المجتمعية في منطقة مرسى علم


