أعلنت حكومة جمهورية أفريقيا الوسطى ارتفاع الحصيلة الرسمية للانهيارات التي ضربت موقعًا لتعدين الذهب في زامبوي Zamboye بمحافظة نانا-مامبيري، قرب الحدود مع الكاميرون، إلى 49 قتيلًا، بينما تضع تقديرات محلية حصيلة الضحايا عند أكثر من 100 شخص، مع استمرار عمليات البحث وحصر المفقودين.
ووقعت الكارثة الثلاثاء 18 أغسطس في موقع للتعدين الأهلي يعرف بين المعدنين باسم «Moscou»، حيث أدت انهيارات أرضية متتالية إلى دفن عدد من العاملين بالموقع.
وتتباين أعداد الضحايا حتى الآن بصورة كبيرة؛ إذ أعلنت حكومة أفريقيا الوسطى حصر 49 وفاة، بينهم 34 من مواطني أفريقيا الوسطى و13 كاميرونيًا وتشاديان، بينما تتحدث مصادر محلية وعاملون بقطاع التعدين عن حصيلة تتجاوز 100 قتيل. وأمر وزير المناجم بإغلاق الموقع مؤقتًا.
ليس الحادث الأول بالموقع
لم يكن انهيار زامبوي لا حادثًا مفاجئًا في منطقة تعدينبعيدة عن أعين السلطات. فقد شهد الموقع والمنطقة المحيطة به حوادث ووفيات سابقة، وتحركت سلطات نانا-مامبيري خلال 2025 للتحقيق في أسباب تعدد الوفيات وظروف العمل والسلامة في مواقع التعدين بالمنطقة.
والأهم أن اسم زامبوي ظهر أيضًا في تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة المعني بجمهورية أفريقيا الوسطى الصادر في 2025، ولكن في سياق أكثر خطورة يتعلق بالتعدين غير المشروع وتهريب الذهب وتمويل الجماعات المسلحة.
15 كيلوجرامًا من الذهب أسبوعيًا خارج القنوات الرسمية
بحسب تقرير خبراء الأمم المتحدة، عمل نحو 13 عنصرًا مسلحًا من جماعة 3R بين سبتمبر 2024 وبداية أبريل 2025 على توفير الحماية لأنشطة تعدين غير مشروعة في منطقة زامبوي، كانت ممولة من جامعي ذهب من بوركينا فاسو.
وقدر التقرير إنتاج تلك المواقع بنحو 15 كيلوجرامًا من الذهب أسبوعيًا، مع استخدام مواد كيميائية في الاستخراج تحمل مخاطر لتلوث الأراضي والمياه الجوفية وصحة المعدنين.
والأخطر أن الأمم المتحدة قالت إن الذهب المستخرج من تلك المواقع لم يتم الإعلان عنه قانونيًا للتصدير رسمياً من أفريقيا الوسطى، وإنما كان ينقل بالدراجات النارية عبر مسارات غير رسمية إلى الكاميرون.
ولا يعني ذلك حتى الآن أن موقع Moscou المنهار هو نفسه أحد المواقع التي تناولها التقرير الأممي؛ لكن وجوده في منطقة زامبوي نفسها يجعل تحديد الوضع القانوني للموقع والجهة التي كانت تديره واحدًا من أهم الأسئلة التي يفترض أن تجيب عنها التحقيقات الحالية.

أين تقع أفريقيا الوسطى على خريطة الذهب العالمية؟
رغم الثروة المعدنية التي تمتلكها جمهورية أفريقيا الوسطى إلا أنها ليست من كبار منتجي الذهب عالميًا. وتقول هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية USGS صراحة إنها لم تكن في 2024 منتجًا ذا أهمية عالمية لأي سلعة معدنية، وأن الذهب والماس يُنتجان أساسًا من خلال التعدين الأهلي.
لكن المفارقة أن الذهب مهم جدًا بالنسبة إلى اقتصاد الدولة نفسها. ففي 2024 مثل الذهب نحو 25.7% من إجمالي صادرات السلع في أفريقيا الوسطى بالقيمة، بينما مثل الماس 10.6%، وفق USGS.
وتظهر بيانات التجارة الدولية المسجلة صادرات من الذهب غير النقدي غير المشغول بقيمة نحو 32.1 مليون دولار في 2024، منها نحو 5.6 مليون دولار مسجلة إلى الإمارات، بينما ظهر الجزء الأكبر تحت وجهة غير محددة في البيانات. ومع ذلك فالرقم الرسمي نفسه لا يعكس بالضرورة الحجم الحقيقي للذهب الخارج من البلاد.
الفجوة الهائلة بين الذهب الرسمي والذهب الحقيقي
وهنا نفهم لماذا تتابع الأمم المتحدة قطاع الذهب في أفريقيا الوسطى. فمبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية EITI تقول إن البيانات الحكومية الرسمية تقلل بصورة كبيرة من الحجم الحقيقي لإنتاج الذهب.
فعلى سبيل المثال، أظهرت إحدى البيانات الرسمية إنتاج 512 كيلوجرامًا فقط من الذهب في 2021، بينما كانت جهة إحصائية حكومية أخرى تضعه عند 857 كيلوجرامًا، في حين قدر الإنتربول إنتاج التعدين الأهلي في 2019 بنحو 5.66 أطنان.
والأخطر أن تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة لعام 2025 نقل عن مصادر، بينها مسؤولون حكوميون، تقديرًا بأن ما يصل إلى 90% من الذهب والماس المنتج في البلاد ربما يستمر في الخروج عبر طرق التهريب غير المشروعة، مع استخدام جانب من عائداته في تمويل أطراف الصراع واستمرار العنف.
يعني المشكلة ليست أن أفريقيا الوسطى «دولة ذهب كبرى». المشكلة أنها دولة صغيرة نسبيًا في الإنتاج العالمي، لكن نسبة ضخمة محتملة من إنتاجها تتحرك خارج الاقتصاد الرسمي.
هل الذهب القادم من أفريقيا الوسطى محظور دوليًا؟
لا يوجد حظر أممي شامل يمنع شراء أو تصدير ذهب جمهورية أفريقيا الوسطى لمجرد منشئه. فالعقوبات الحالية للأمم المتحدة تستهدف الجماعات المسلحة والأفراد والكيانات المدرجة، وتشمل تجميد أصول وحظر سفر وقيودًا على وصول الأسلحة للجماعات المسلحة. وبالتالي تصبح المشكلة في الذهب عندما يكون مرتبطًا بجهة خاضعة للعقوبات أو يستخدم في تمويل جماعة مسلحة أو يجري تهريبه خارج القنوات القانونية، وليس لأن «ذهب أفريقيا الوسطى» نفسه سلعة محظورة.
قصة الماس.. مختلفة
في أعقاب الحرب الأهلية عام 2013، عُلقت أفريقيا الوسطى من عملية كيمبرلي لمنع وصول ماس الصراع إلى السوق الدولية.
بدأ رفع التعليق جزئيًا في 2015 والسماح بالتصدير من المناطق المتوافقة مع الشروط، قبل أن تقرر عملية كيمبرلي في اجتماعها بدبي عام 2024 رفع القيود التي استمرت 11 عامًا وإعادة أفريقيا الوسطى كمشارك كامل في تجارة الماس الخام العالمية.
وده مهم جدًا لأن تاريخ «ماس الصراع» انتقل جزئيًا إلى الذهب: الجماعات المسلحة لا تحتاج أن يكون المعدن نفسه خاضعًا للحظر لكي تستخدم السيطرة على المناجم والضرائب والحماية والتهريب كمصدر للتمويل.
لماذا تفتش الأمم المتحدة وراء ذهب أفريقيا الوسطى إذن؟
ليس لأنها «تراقب إنتاج الذهب» بالمعنى التجاري.
فريق الخبراء مكلف بمتابعة الجماعات المسلحة وشبكات تمويلها وتنفيذ نظام العقوبات. وعندما يصبح التعدين والذهب مصدرًا للمال بالنسبة لجماعة مثل 3R، يدخل المنجم ومسار الذهب والمشترون والوسطاء والحدود في نطاق التحقيق.
ولهذا تتبع التقرير مسار الذهب من مناطق التعدين إلى الكاميرون، بينما تشير تقارير دولية أوسع إلى تهريب الذهب والماس من أفريقيا الوسطى إلى دول مجاورة مثل الكاميرون وتشاد والكونغو الديمقراطية والسودان وجنوب السودان، ومنها إلى مراكز تجارة دولية، بينها الإمارات.
مالي: شركات التعدين الكبرى تسجل 23.5 طنًا من الذهب خلال 6 أشهر، والإنتاج يقفز 30%
جنوب أفريقيا: أكثر من 6000 منجم مهجور يستقطب عمال «Zama Zama» رغم المخاطر.
اسفر عن حالة وفاة و 5 إصابات: حادث منجم السكري يفتح ملف سلامة التعدين تحت الأرض


