لم تعد المنافسة الأفريقية على استثمارات التعدين مضطرة إلى أن تبدأ وتنتهي عند حدود كل دولة، أو أن تقف كل حكومة منفردة أمام المستثمر العالمي لتعرض ما تملكه تحت أراضيها.
فقد حملت أوغندا إلى مؤتمر Africa Down Under في مدينة بيرث الأسترالية هذا الأسبوع تصورًا مختلفًا: ماذا لو ذهبت الدول الأفريقية إلى المستثمر في صورة تكتلات إقليمية، تقدم له سلسلة قيمة متكاملة تمتد عبر عدة دول، بدلًا من تنافس كل دولة مع جارتها على المشروع نفسه؟
فكمبالا تستهدف رفع مساهمة التعدين في الاقتصاد من 2.2% إلى 7.9%.. والذهب والمعادن النادرة في قلب الخطة، كما أطلقت دعوة أفريقية للانتقال من منافسة دول الجوار إلى بناء سلاسل قيمة مشتركة.
الفكرة جاءت بالتزامن مع عرض أوغندا ثروتها المعدنية أمام المستثمرين الدوليين، وسط تقديرات تضع قيمتها المحتملة بين 4 و 12 تريليون دولار، تشمل الذهب والحديد والجرافيت والعناصر الأرضية النادرة والنحاس والكوبالت وغيرها من المعادن. لكن الرقم الضخم لا يعني أن أوغندا تمتلك احتياطيات مثبتة وقابلة للاستخراج اقتصاديًا بقيمة 12 تريليون دولار.
فالبلاد لا تزال تعمل على استكشاف وقياس أجزاء مهمة من مواردها المعدنية وتحويل البيانات الجيولوجية إلى مشروعات يمكن تقييم جدواها الاقتصادية.
وهنا تكمن القصة الحقيقية: كيف تحول أوغندا ما تعتقد أنه موجود تحت الأرض إلى مناجم وصناعات وصادرات وقيمة مضافة فوق الأرض؟

ثروة ضخمة.. ومساهمتها 2.2% فقط من الاقتصاد
رغم الإمكانات المعدنية التي تروج لها الحكومة، لا يزال قطاع التعدين والمحاجر يساهم بنحو 2.2% فقط من الناتج المحلي الإجمالي، ومع ذلك وتستهدف أوغندا، بموجب خطة التنمية الوطنية الرابعة NDP IV، رفع مساهمة القطاع إلى نحو 7.9% بحلول السنة المالية 2029/2030.
وتعني الفجوة بين الرقمين أن التحدي الأوغندي لم يعد مجرد إثبات وجود المعادن، وإنما جذب رأس المال والتكنولوجيا والخبرة التي تستطيع تحويل الموارد إلى إنتاج تجاري.
ولهذا حمل الوفد الأوغندي إلى النسخة الرابعة والعشرين من مؤتمر Africa Down Under في أستراليا قائمة واسعة من الفرص في الذهب والحديد والجرافيت والعناصر الأرضية النادرة والنحاس والكوبالت، وغيرها من المعادن التي يزداد الطلب العالمي على بعضها مع توسع صناعات الطاقة النظيفة والسيارات الكهربائية والبطاريات والتكنولوجيا المتقدمة.
ويجمع المؤتمر حكومات وشركات تعدين وممولين ومستثمرين وخبراء من أفريقيا وأستراليا، التي تمتلك واحدة من أكثر منظومات التعدين تطورًا عالميًا، بداية من الاستكشاف والتمويل والهندسة والبيانات الجيولوجية، وصولًا إلى معدات التعدين والمعالجة والتكنولوجيا وتنمية المهارات.
الذهب الأوغندي.. من التعدين الحرفي إلى أول مشروع كبير
ويحتل الذهب موقعًا مهمًا داخل التحول التعديني الأوغندي، ففي أغسطس 2025 افتتحت البلاد مشروع Wagagai Gold Mining Project في منطقة Busia على الحدود مع كينيا، باعتباره أكبر مشروع للذهب في أوغندا وأول عملية تعدين وتكرير كبيرة على هذا النطاق. وتشير البيانات الرسمية إلى اكتشاف نحو 30 مليون طن من خام الذهب بمتوسط عيار يقارب 0.81 جرام للطن، بينما تستطيع المنشأة معالجة نحو 5 آلاف طن من الخام يوميًا.
ويستهدف المشروع إنتاج نحو 1.2 طن من الذهب المكرر سنويًا، مع قدرة على الوصول إلى درجة نقاء 99.9%، في إطار السياسة الأوغندية الرامية إلى الحد من تصدير الخامات قبل إضافة قيمة محلية إليها.
وضخت الشركة نحو 150 مليون دولار في المرحلة الأولى من استثمارات مخطط لها تصل إلى 250 مليون دولار، بينما وفر المشروع أكثر من ألفي فرصة عمل مباشرة، إلى جانب تدريب مئات العاملين الأوغنديين.
وتكتسب الخطوة أهمية إضافية لأن جزءًا كبيرًا من إنتاج الذهب المحلي في أوغندا ظل تاريخيًا مرتبطًا بالتعدين الحرفي والصغير. لكن أرقام صادرات الذهب الأوغندية تحتاج هي الأخرى إلى قراءة متعمقة.
فقد قفزت قيمة صادرات الذهب في 2025 بنحو 76% إلى 5.8 مليار دولار مقابل 3.3 مليار دولار في 2024، ليصبح الذهب أكبر صادرات البلاد ومصدرًا رئيسيًا للنقد الأجنبي.
إلا أن هذه القيمة لا تمثل بالكامل ذهبًا مستخرجًا من المناجم الأوغندية.
فقد أصبحت أوغندا أيضًا مركزًا إقليميًا لمعالجة وتكرير وتجارة الذهب، ويأتي جزء من المعدن الذي يمر عبرها من دول مجاورة، من بينها جمهورية الكونغو الديمقراطية وجنوب السودان.
وهو ما يكشف مرة أخرى أن القيمة الاقتصادية للذهب لا تحدد فقط بمكان وجود المنجم، وإنما أيضًا بمن يسيطر على حلقات المعالجة والتكرير والتجارة والتصدير.
Makuutu.. المعادن النادرة تدخل المنافسة
كما لا تقتصر الرهانات الأوغندية على الذهب، فقد استخدم Humphrey Asiimwe، الرئيس التنفيذي لغرفة المناجم والبترول الأوغندية، مشروع Makuutu للعناصر الأرضية النادرة في شرق البلاد نموذجًا للفرص التي يمكن أن تربط أوغندا مباشرة بصناعة المعادن الحرجة الأسترالية والعالمية.
وتشير البيانات الحكومية إلى وجود أكثر من 500 مليون طن من الموارد المقدرة للعناصر الأرضية النادرة في شرق أوغندا، بينما أصبح مشروع Makuutu أحد أبرز المشروعات التي تسعى البلاد إلى تحويلها إلى إنتاج تجاري. لكن المشروع نفسه يقدم أيضًا درسًا في الفرق بين امتلاك المورد وتحويله إلى منجم.
فعلى الرغم من اكتشافات العناصر الأرضية النادرة في المنطقة منذ أكثر من عقد، لم يبدأ الإنتاج التجاري حتى الآن، وظلت مسائل التمويل والتطوير والتنفيذ جزءًا من التحديات التي تواجه المشروع. وهو ما تحاول أوغندا تغييره عبر مخاطبة المستثمرين الدوليين.
أوغندا.. من بيع الخام إلى بيع القيمة
الرسالة الأوسع التي تقدمها أوغندا لا تتعلق بزيادة التعدين فقط. فالحكومة تريد الاحتفاظ بحصة أكبر من قيمة المعادن داخل الاقتصاد قبل خروجها من البلاد. وهو الاتجاه نفسه الذي ظهر عند افتتاح مشروع Wagagai، عندما شدد الرئيس يوري موسيفيني على ضرورة معالجة المعادن محليًا بدل تصدير الخام ثم شراء المنتجات الأعلى قيمة من الخارج.
وبذلك تتحول معادلة الاستثمار من مجرد استخراج المعدن ثم تصدير الخام
إلى محاولة بناء سلسلة أطول تبدأ بالاستكشاف، تعدين، معالجة، تكرير،تصنيع أو قيمة مضافة، تصدير.
فكل حلقة إضافية تستطيع الدولة الاحتفاظ بها تعني فرص عمل وخبرات وتكنولوجيا وإيرادات أكبر. لكن أوغندا طرحت في أستراليا فكرة يمكن أن تأخذ هذه المعادلة خطوة أبعد.
لقراءة المزيد:
سامي جيامفي: نصدر ما منحته الطبيعة ونستورد ما صنعه الابتكار.. وحان وقت تغيير المعادلة
بترومنت وشلاتين توقعان عقد تطوير مجمع استخلاص الذهب وتشغيل 56 وحدة إنتاجية بأسوان
شراكة إستراتيجية بين Alura القطرية ومصفاة Euro Gold الأوغندية.
مالي تبدأ بناء مصفاة الذهب بدعم من روسيا
قمة توركانا تفتح أبوابها للاستثمار في الذهب والتعدين المسؤول


