بعد أربعة أيام من انهيار موقع لاستخراج الذهب في منطقة Puerto Rico التابعة لبلدية Policarpa بإقليم نارينيو جنوب غربي كولومبيا، استقرت الحصيلة الرسمية عند 13 قتيلًا و7 مصابين، فيما انتهت عمليات البحث والإنقاذ بعد الوصول إلى جميع الأشخاص الذين كان يُعتقد أنهم في الموقع وقت الحادث.
ووقع الانهيار نهاية الأسبوع الماضي داخل موقع مفتوح لاستخراج الذهب قرب نهر Patía، في منطقة جبلية صعبة الوصول على الحدود بين Policarpa وEl Peñol.
وقالت الوكالة الوطنية للتعدين في كولومبيا ANM إن المعلومات الأولية تشير إلى أن الموقع كان يشهد استخراجًا غير مشروع مفترضًا للذهب باستخدام معدات ثقيلة تعمل دون رقابة، وإن انهيار جزء من المنحدر جاء نتيجة زعزعة استقرار التربة أثناء عمليات الاستخراج.
وبذلك حسمت السلطات جزئيًا التضارب الذي ظهر خلال الساعات الأولى من الحادث، عندما تحدثت تقارير أولية عن انفجار أو avalancha مرتبطة بنهر Patía؛ إذ أكدت الرواية الحكومية لاحقًا أن العامل المباشر كان انهيار المنحدر والتربة وليس انفجارًا داخل المنجم. كما أكدت وسائل إعلام محلية انتهاء عمليات الإنقاذ بحصيلة نهائية بلغت 13 وفاة و7 إصابات. وذلك وفقا لما ذكره موقع (El País) الإخباري.

وتكشف كارثة Puerto Rico تناقضًا مركزيًا في صناعة التعدين الكولومبية. فمن جهة، تمتلك البلاد تراثًا حقيقيًا ومشروعًا من التعدين الحرفي تعيش عليه عشرات الآلاف من الأسر والمجتمعات منذ أجيال.
ومن جهة أخرى، توسعت حول هذا التراث أنشطة تستخدم الجرافات والحفارات والمعدات الثقيلة دون تراخيص أو رقابة، وأصبح بعضها مرتبطًا بشبكات تهريب وغسل أموال وجماعات مسلحة. ومن هنا تكتسب تصريحات ANM بشأن حادث Policarpa أهمية خاصة.
التحقيقات: اشتباه بالتعدين غير المشروع دون إعلان مسؤول حتى الآن
حتى 23 أغسطس، لم تعلن النيابة الكولومبية أو ANM اسم شركة أو شخص باعتباره مشغل الموقع أو مسؤولًا جنائيًا عن الحادث.
والموقف الرسمي ما زال عند مرحلة الاشتباه في وجود نشاط استخراج غير مشروع، مع استمرار السلطات في مراجعة الوضع القانوني للموقع، وطريقة تشغيل المعدات الثقيلة، والمسؤولية عن زعزعة المنحدر.
وقالت ANM إن فريق الأمن والإنقاذ التعديني التابع لها شارك منذ اللحظات الأولى في الاستجابة للحادث، فيما دعت إلى تحويل أنشطة التعدين إلى الإطار القانوني، معتبرة أن استخراج المعادن بصورة غير مشروعة لا يؤدي فقط إلى أضرار بيئية واجتماعية، وإنما يعرض حياة العاملين لمخاطر مباشرة.
لكن الحادث أثار محليًا سؤالًا يتجاوز سبب انهيار المنحدر: كيف استمر نشاط تعدين بمعدات ثقيلة في منطقة معروفة تاريخيًا بمشكلات التعدين غير المشروع؟
فقد أكدت وثائق سابقة لمكتب أمين المظالم الكولومبي Defensoría del Pueblo رصد حالات تعدين غير مشروع على امتداد نهر Patía وفي منطقة Puerto Rico، مع استخدام جرافات وحفارات ثقيلة وتأثيرها على البيئة وعلى المعدنين التقليديين الذين يعتمدون على الوسائل اليدوية.
كما تعد Nariño واحدة من المناطق التي رصدتها الدراسات الحكومية ضمن الأقاليم المتضررة من استخراج الذهب غير المشروع.
رد الفعل الحكومي والدولي
محليًا، تحركت السلطات الإقليمية وأجهزة الحماية المدنية والإطفاء والمجتمع المحلي في عمليات الإنقاذ، فيما شكلت ANM الجانب الفني من الاستجابة، وأعادت الحكومة التأكيد على سياستها القائمة على الفصل بين التعدين التقليدي والصغير الذي تسعى إلى تقنينه، وبين الاستخراج غير المشروع الذي تستخدم فيه الآلات الثقيلة خارج الرقابة.
أما دوليًا، فقد حظي الحادث بتغطية واسعة من وكالات ووسائل إعلام عالمية، بينها Reuters وEFE وEuronews، وجاءت رواياتها النهائية متوافقة إلى حد كبير مع الحصيلة الحكومية: 13 قتيلًا و7 مصابين وانهيار منحدر في موقع لاستخراج الذهب. (Reuters)
ولم يظهر حتى الآن تدخل دولي مؤسسي في التحقيق أو الإغاثة، وهو أمر متوقع في حادث يقع داخل نشاط تعدين محلي وليس داخل مشروع تابع لشركة تعدين دولية كبرى.
التعدين الحرفي في كولومبيا.. تاريخ أقدم من الدولة الحديثة
لفهم أبعاد كارثة Policarpa، لا يمكن التعامل مع التعدين الحرفي في كولومبيا باعتباره مجرد نشاط مخالف للقانون.
فالذهب جزء من الاقتصاد المحلي في مناطق واسعة من البلاد منذ قرون، خصوصًا بين المجتمعات الأفريقية الأصل والكولومبيين السود والسكان الأصليين في غرب وجنوب غرب البلاد.
وفي مناطق مثل Chocó وCauca وNariño، استمر استخراج الذهب من الرواسب النهرية بأساليب تقليدية بعد انتهاء العبودية في القرن التاسع عشر، وأصبح barequeo — غسل الرواسب والرمال يدويًا بحثًا عن الذهب — نشاطًا اقتصادياً للمعيشة ينتقل بين الأجيال. وتوثق وزارة المناجم استمرار هذه الممارسة التاريخية داخل مجتمعات الساحل الغربي حتى اليوم.
والقانون الكولومبي نفسه يعترف بالـbarequeros كفئة مختلفة عن مشغلي المناجم؛ ويسمح لهم بالعمل يدويًا دون عقد تعدين كامل بشرط التسجيل لدى السلطات المحلية والالتزام بالحدود المنظمة للنشاط.
وهنا تكمن إحدى مشكلات القطاع الكولومبي: حيث تصبح الحدود بين كل من التعدين الحرفي التقليدي، التعدين الصغير غير الرسمي، التعدين غير المرخص، التعدين الإجرامي واسع النطاق شديدة الضبابية.
فالتعداد التعديني لعامي 2010–2011 أظهر أن 69% من عمال الذهب الذين شملهم المسح كانوا من صغار المعدنين و 30% من المعدنين متوسطي الحجم، مقابل 1% فقط في التعدين الكبير، بينما كان نحو 90% من وحدات التعدين الصغيرة والمتوسطة التي تم إحصاؤها تعمل دون سند تعدين رسمي في ذلك الوقت. وذلك وفقا لتقرير الاتحاد الاوروبي عن سلسلة امداد الذهب في كولومبيا (OECD)
وبحلول 2025، أعلنت ANM تسجيل 62.7 ألف من عمال تعدين الذهب المعيشي، بينما قالت إن 97% من إنتاج الذهب في البلاد يأتي من المعدنين الصغار والمتوسطين العاملين في 1,554 منطقة مرتبطة بالذهب. وهذا الرقم مهم لأنه يعني أن التعدين الصغير ليس هامشًا على صناعة الذهب في كولومبيا؛ بل هو بنيتها الأساسية.

أزمة التقنين.. 350 ألف شخص مرتبطون بالتعدين
المشكلة أن الحجم الاجتماعي الضخم للقطاع يصعب معه التعامل مع التعدين غير النظامي باعتباره مجرد جريمة يمكن إنهاؤها بإغلاق المواقع.
فبحسب تقرير للنيابة الرقابية Procuraduría General، يوجد نشاط تعدين غير قانوني في 29 من أصل 32 إقليمًا كولومبيًا، ويعمل نحو 350 ألف شخص في النشاط التعديني، بينما تظل الأقاليم المنتجة للذهب مثل Antioquia وChocó وNariño وCauca وBolívar بين الأكثر تعرضًا لهذه المشكلة.
ولهذا تتبنى الحكومة حاليًا سياسة مزدوجة تقوم علي:
تقنين ودعم التعدين التقليدي والصغير من جهة، ومكافحة الاستخراج الإجرامي غير المشروع من جهة أخرى.
وفي مارس 2026 أكدت وزارة المناجم أن الاستخراج غير المشروع للذهب أصبح في بعض المناطق مصدرًا لتمويل العنف والجماعات المسلحة، في الوقت الذي شددت فيه على ضرورة عدم مساواة المعدن التقليدي الصغير بالشبكات الإجرامية التي تستخدم المعدات الثقيلة وتسيطر على الموارد.
كولومبيا على خريطة الذهب
رغم الصورة الذهنية المرتبطة بالقهوة والزمرد، تمتلك كولومبيا قطاع ذهب مهمًا عالميًا وإقليميًا. وتظهر أحدث البيانات المكتملة المرتبطة بدفع الإتاوات أن البلاد أنتجت رسميًا في 2024 نحو 56.7 طنًا من الذهب، مقابل 61.3 طنًا في 2023.
كما سجلت خلال العام نفسه:
| المعدن/الحجر | الإنتاج الرسمي 2024 تقريبًا |
|---|---|
| الذهب | 56.7 طنًا |
| الفضة | نحو 53–57 طنًا بحسب التحديثات الأولية |
| البلاتين | نحو 0.87 طن |
| الزمرد | نحو 1.4 مليون قيراط |
| النيكل | نحو 57 مليون رطل |
| الفحم | أكثر من 50 مليون طن |
وتؤكد ANM أن الأرقام تمثل الإنتاج المرتبط بدفع الإتاوات، أي إنها لا تعني بالضرورة كل ما استخرج فعليًا من باطن الأرض.
وخلال السنوات الأربع الأخيرة وحدها، صدرت كولومبيا نحو 236 طنًا من الذهب، وحققت هذه التجارة نحو 2.15 تريليون بيزو من الإتاوات.
كم الذهب خارج الأرقام الرسمية؟
هنا تبدأ المنطقة الرمادية. فلا توجد حاليًا حصيلة رسمية واحدة يمكن وصفها بأنها «الكمية الدقيقة للذهب المهرب من كولومبيا».
لكن هناك عدة مؤشرات قوية على حجم المشكلة.
فبرنامج الأمم المتحدة لمراقبة استخراج الذهب الغريني EVOA وجد أن 73% من المساحات التي ظهر بها استخراج الذهب الغريني في 2022 كانت تعمل بصورة غير مشروعة، أي دون التصاريح الفنية والبيئية المطلوبة.
ويجب الإشارة إلى أن 73% هنا نسبة من مساحة نشاط الذهب الغريني التي تم رصدها بالأقمار الصناعية، وليست نسبة 73% من كل الذهب المنتج في البلاد ككل.
كما تشير الأمم المتحدة إلى أن نحو نصف إنتاج الذهب الكولومبي يرتبط بالتعدين المعيشي- الحرفي، ما يزيد من صعوبة الفصل الإحصائي بين الإنتاج التقليدي القانوني، وغير الرسمي، وغير المشروع.
أما واحدة من أشهر الدراسات عن حركة الذهب الكولومبي، التي أعدتها OECD، فقد نقلت تقديرات من خبراء وUPME بأن ما بين 10 و 25 طنًا من الذهب سنويًا كان يمكن أن يهرب إلى خارج كولومبيا، أي ما كان يمثل وقت الدراسة نحو 15% إلى 30% من الإنتاج.
لكن هذه التقديرات تعود إلى الفترة السابقة وليست قياسًا مباشرًا لعام 2025 أو 2026، ولذلك يبقى استخدامها كمؤشر تاريخي فقط على حجم المشكلة وليس باعتبارها رقمًا حاليًا.
والغريب في الأمر أن حركة التهريب الكولومبية تاريخيًا عملت في الاتجاهين. فخلال التسعينيات والعقد الأول من الألفية، وثقت دراسات شراء شبكات مخدرات ذهبًا من دول مجاورة وإدخاله إلى كولومبيا ثم بيعه باعتباره ذهبًا محليًا من أجل غسل أموال المخدرات.
وبعد ذلك ظهرت المشكلة المعاكسة: ذهب مستخرج داخل البلاد بصورة غير مشروعة يدخل إلى سلاسل التجارة القانونية أو يخرج عبر الحدود دون تسجيل صحيح.
ولهذا أطلقت ANM في مايو 2026 منصة رقمية لتتبع الذهب في الوقت الحقيقي من نقطة الاستخراج إلى البيع أو التصدير، في محاولة لإغلاق واحدة من أكبر ثغرات الصناعة الكولومبية: إمكانية دخول ذهب مجهول المصدر إلى النظام التجاري الرسمي.
الزمرد الكولومبي.. العلامة المعدنية الأشهر
بعيدًا عن الذهب، تحتل كولومبيا مكانة استثنائية في سوق الأحجار الكريمة بسبب الزمرد. وتتركز أهم مناطق الإنتاج في Boyacá، خصوصًا Muzo وChivor وCoscuez، وهي أسماء أصبحت في تجارة الأحجار العالمية مرتبطة بالزمرد عالي الجودة واللون الأخضر المميز.

وبلغ إنتاج الزمرد المرتبط بالإتاوات في 2024 نحو 1.4 مليون قيراط، بينما تضع ANM كولومبيا بين أكبر وأهم منتجي ومصدري الزمرد عالميًا. وفقا لتقديرات Minería en Colombia.
ويتميز الزمرد الكولومبي ليس بالكميات وحدها، بل بالقيمة؛ فبعض أجود أنواع الزمرد العالمي وأعلى الأحجار سعرًا في المزادات ارتبط تاريخيًا بمناجم كولومبيا.
كما تنتج البلاد الذهب والفضة والبلاتين والنيكل والفحم والنحاس، وتضع الدولة النحاس والزنك ومعادن مجموعة البلاتين ضمن المعادن الاستراتيجية التي تسعى إلى تطويرها خلال المرحلة المقبلة.
لقراءة المزيد:
اسفر عن حالة وفاة و 5 إصابات: حادث منجم السكري يفتح ملف سلامة التعدين تحت الأرض
49 حالة وفاة.. أفريقيا الوسطى: انهيار موسكو; يعيد فتح ملف التعدين غير المشروع للذهب
زامبيا: تدريب عمال التعدين الحرفي على بدائل الزئبق في استخلاص الذهب شرط للحصول على الرخصة.
4.4 مليون أوقية: الذهب المرتفع يوقظ منجم Northumberland التاريخي في نيفادا


