بث تجريبي

بزيادة 134% عن المستهدف:

غانا تعيد هندسة اقتصادها حول الذهب.. حققت 1.871 مليار خلال سبتمبر

تعاون GoldBod مع البنوك التجارية بشأن إطار عمل جديد لبيع العملات الأجنبية الفورية

كنوز.نيوز

يوما بعد يوم، تثبت غانا خطواتها نحو تغيير شامل لاقتصادها من خلال إجراءات حاسمة تتمركز في معظمها حول الذهب الذي يمثل العمود الفقري للاقتصاد الغاني، ورغم التعديلات الجذرية التي تمت على أرض الواقع في أقل من عامين استطاعت خلالهما غانا وضع منظومة لحوكمة عمليات استخراج وتداول الذهب وضمه للاقتصاد الرسمي والقضاء على التهريب، إلا أن هذه الخطى لم تكن عشوائية ولا غير محسوبة، فقد تمت الخطوات ضمن مسار شامل جمع بين القرارات التنظيمية والتأهيل المجتمعي وإعداد البنية المصرفية وتنظيم عمليات فحص وجمع وتكرير وتداول الذهب الحرفي وإثبات عياراته عند التسليم. ليتحول الذهب من مجرد خام إلى منظومة متكاملة تصب في النهاية في الاقتصاد الغاني وتساهم في إعادة تشكيله ونمو الاحتياطي الغاني من الذهب والدولار على حد سواء.

فالمتابع لعملية الإصلاح في غانا يدرك أن الدولة لا تتحرك في إصلاح منظومة الذهب وسوق النقد الأجنبي عبر قرارات مفاجئة تقلب قواعد السوق دفعة واحدة، وإنما تتبع مسارًا تدريجيًا يبدأ بتجربة السياسات في نطاق محدد، ومراقبة أثرها، ثم توسيعها إذا أثبتت فعاليتها.

ويظهر هذا النهج في أكثر من اتجاه يتحرك في الوقت نفسه: زيادة قدرة الذهب المحلي، خاصة ذهب التعدين الحرفي والصغير، على توليد حصيلة من النقد الأجنبي ودعم الاحتياطيات، تقليل اعتماد بعض المعاملات التجارية على الدولار كعملة وسيطة؛ نقل التكرير والقيمة المضافة إلى الداخل؛ وأخيرًا تأهيل الذهب الغاني للوصول إلى منظومة الاعتماد الدولية.

وفي أحدث نتائج هذه السياسة، أعلن مجلس الذهب الغاني GoldBod تحقيق 1.871 مليار دولار من النقد الأجنبي خلال سبتمبر 2026 من عملياته في تجارة ذهب التعدين الحرفي والصغير، متجاوزًا مستهدف الشهر البالغ 1.4 مليار دولار بنحو 471 مليون دولار، وبنسبة إنجاز بلغت 134%.

وكان المجلس قد حقق 1.315 مليار دولار في أغسطس، ما يعني زيادة الحصيلة بنحو 556 مليون دولار خلال شهر واحد.

لكن الرقم وحده لا يكشف حجم التغيير الجاري في غانا؛ فالدولة تعيد في الوقت نفسه ترتيب الطريق الذي يسلكه الذهب منذ خروجه من المنجم، والطريق الذي تسلكه حصيلة تصديره بعد عودتها إلى الاقتصاد.

 

الذهب يدخل السياسة النقدية

لم تبدأ علاقة غانا بين الذهب والاحتياطيات مع إنشاء GoldBod، فمنذ إطلاق برامج شراء الذهب للاحتياطيات، اتجهت الدولة إلى استخدام جزء أكبر من إنتاجها المحلي لدعم مركزها الخارجي وتقليل الضغط على النقد الأجنبي.

لكن التحول المؤسسي الأكبر جاء مع إنشاء Ghana Gold Board، الذي أصبح محورًا لتنظيم شراء وبيع وفحص وتقييم وتصدير ذهب التعدين الحرفي والصغير، والعمل على إدخال كميات أكبر منه إلى القنوات الرسمية.

وبنهاية 2025، كانت نتائج هذه السياسة قد بدأت تظهر في ارتفاع الكميات الرسمية القادمة من القطاع الحرفي، بعد سنوات ظل فيها جزء كبير من الإنتاج معرضًا للتسرب إلى التجارة غير المنظمة أو التهريب.

الفكرة لم تعد فقط زيادة إنتاج الذهب، وإنما ضمان أن يتحول الذهب المنتج داخل غانا إلى صادرات رسمية تعود حصيلتها بالعملة الأجنبية إلى النظام المالي المحلي.

 

من زيادة الدولار إلى إعادة توزيعه

خلال سبتمبر 2026، بيع نحو 701.3 مليون دولار من حصيلة GoldBod إلى البنوك التجارية، بينما تم توفير نحو 1.170 مليار دولار لبنك غانا لدعم الاحتياطيات.

وفي أكتوبر، استهدف GoldBod تحقيق 1.5 مليار دولار من النقد الأجنبي، مع تخصيص نحو مليار دولار للبنوك التجارية وما يصل إلى 500 مليون دولار لبنك غانا.

ويكشف تغير توزيع الحصيلة عن خطوة مهمة في طريقة إدارة دولار الذهب.

فبدلًا من مرور كامل الحصيلة عبر البنك المركزي قبل إعادة ضخها إلى السوق، بدأ GoldBod في التوسع في بيع النقد الأجنبي مباشرة إلى البنوك التجارية من خلال إطار منظم للعمليات الفورية Spot FX، بينما احتفظ بنك غانا بدوره التنظيمي والرقابي وبالحصة المخصصة لدعم الاحتياطيات.

ولا يعني ذلك أن GoldBod يخلق دولارات جديدة؛ فمصدر النقد الأجنبي هو تصدير الذهب نفسه.

لكن اختصار حلقات الوساطة يسمح بوصول الدولار بشكل أسرع إلى البنوك التي تواجه طلبات فعلية من الشركات والمستوردين، ويخفف جزءًا من العبء التشغيلي عن البنك المركزي.

 

تخفيف الطلب على الدولار من الناحية الأخرى

بالتوازي مع زيادة المعروض الرسمي من الدولار من صادرات الذهب، بدأت غانا فتح قنوات دفع تقلل الحاجة إليه كعملة وسيطة في بعض التعاملات الخارجية.

وخلال 2026 بدأ استخدام مسارات تسمح بتسوية معاملات تجارية مع الصين باليوان بصورة أكثر مباشرة، بما يختصر المرور التقليدي من السيدي الغاني إلى الدولار ثم إلى اليوان قبل وصول المدفوعات إلى المورد الصيني.

ولا يعني ذلك تخلي غانا عن الدولار، وإنما تقليل الحاجة إليه في بعض المعاملات المؤهلة.

وهكذا تتحرك السياسة من جانبين في الوقت نفسه:

زيادة المعروض من الدولار الناتج عن الذهب، وتقليل الطلب على الدولار كعملة وسيطة في جزء من التجارة الخارجية.

واللافت أن غانا لا تطبق هذا التحول عبر خطوة واحدة واسعة، وإنما تختبر الآليات تدريجيًا تحت رقابة بنك غانا، بما يسمح بقياس الأثر على السيولة وسوق الصرف قبل توسيع نطاق التنفيذ.

 

التعدين الحرفي.. بداية إعادة الهندسة

لكن هذه السياسة المالية لم تكن ممكنة دون إعادة تنظيم المصدر نفسه: التعدين الحرفي والصغير.

فعلى مدار الفترة الماضية تحركت غانا لتحويل جزء أكبر من هذا القطاع إلى الاقتصاد الرسمي، عبر الترخيص والتجميع المنظم والتتبع وتنظيم عمليات البيع والتصدير.

وفي 2026 انتقلت هذه العملية إلى مرحلة أكثر وضوحًا من خلال بناء منظومة لتتبع الذهب من موقع التعدين إلى المصفاة، والعمل على تحديد المناجم القادرة على الالتزام بمتطلبات التعدين المسؤول.

وفي 21 يوليو 2026، وقعت الحكومة الغانية ومجلس الذهب العالمي World Gold Council مذكرة تفاهم لدعم تقنين التعدين الحرفي والصغير، وتحسين سلامة سلاسل التوريد، ومكافحة التدفقات غير المشروعة للذهب، ودعم تقنيات التتبع والتحقق من المنشأ والتدريب وبناء القدرات.

وقدم المجلس منحة أولية قدرها 250 ألف دولار لدعم جهود التسجيل التعاوني ضمن برنامج rCOMSDEP.

وتمثل هذه الخطوة جزءًا مهمًا من الطريق نحو الاعتماد؛ لأن الأسواق الدولية لا تنظر فقط إلى نقاء الذهب، وإنما إلى مصدره والطريقة التي تم بها استخراجه وشراؤه ونقله.

 

من تصدير الخام إلى الاحتفاظ بالقيمة

الخطوة التالية كانت التكرير، فقد ظلت غانا لسنوات تعتمد بدرجات مختلفة على مراكز خارجية لتكرير جزء من ذهبها، بينما كانت دبي والهند من أهم الوجهات التجارية لذهب التعدين الحرفي.

وكان ذلك يعني أن جزءًا من رسوم التكرير والقيمة المضافة يتحقق خارج غانا، لذلك اتجهت الدولة إلى تغيير موقعها داخل سلسلة القيمة: بدل تصدير ذهب خام أو شبه مكرر يحتاج إلى استكمال معالجته في الخارج، تستهدف تكريره محليًا ثم تصديره في صورة منتج أعلى قيمة.

ولا يعني ذلك التخلي عن دبي أو الهند كأسواق للذهب، وإنما تقليل الاعتماد عليهما وعلى غيرهما كمراكز تضيف القيمة إلى الذهب الغاني.

وبذلك يمكن أن يستمر الذهب الغاني في الوصول إلى دبي والهند والأسواق الآسيوية، لكن بعد التكرير داخل غانا.

 

يناير 2026.. Gold Coast تدخل قلب الخطة

في 20 يناير 2026، وقعت GoldBod اتفاقًا مع Gold Coast Refinery وRand Refinery لتكرير طن متري واحد من الذهب أسبوعيًا داخل غانا.

ويمثل الاتفاق انتقالًا مباشرًا من فكرة الاحتفاظ بالقيمة داخل البلاد إلى التنفيذ.

ويعني طن واحد أسبوعيًا قدرة على تكرير نحو 52 طنًا سنويًا داخل غانا ضمن المرحلة الأولى، بدل إرسال هذه الكميات إلى مصافٍ خارجية.

لكن أهمية الاتفاق لا تتوقف عند حجم التكرير.

فراند Refinery دخلت كشريك فني وتشغيلي وتجاري، بما يربط عملية التكرير المحلي منذ البداية بمصفاة تعمل بالفعل داخل منظومة الاعتماد الدولية.

غانا تعيد هندسة اقتصادها حول الذهب
غانا- الذهب

الوصول لنقاء 99.99% لا يعني الاعتماد

تستطيع Gold Coast إنتاج ذهب بنقاوة مرتفعة، لكن الوصول إلى 99.9% أو 99.99% لا يعني تلقائيًا أن السبيكة أصبحت معتمدة دوليًا، حيث لا يتعلق الاعتماد بالسبيكة فقط، وإنما بالمصفاة التي أنتجتها وبنظامها الكامل.

وتتطلب Good Delivery List التابعة لرابطة سوق لندن للسبائك LBMA قدرة ثابتة على إنتاج ذهب مطابق للمواصفات، ونظم فحص وتحليل دقيقة، وتشغيل وتوثيق مستمرين، إلى جانب متطلبات العناية الواجبة والتوريد المسؤول وإمكانية تتبع مصدر الذهب. مما يفسر لماذا كان تنظيم التعدين الحرفي والتتبع والتكرير المحلي خطوات سابقة ضرورية، وليست ملفات منفصلة عن الاعتماد.

 

راند.. الحلقة قبل الأخيرة

هنا يظهر الدور الحقيقي لـRand Refinery، فغانا لم تستبدل دبي براند كمكان جديد لتكرير الذهب، كما أنها لا تستهدف أن يظل ذهبها معتمدًا عبر مصفاة جنوب أفريقية بصورة دائمة، فقد كان الهدف هو استخدام خبرة Rand لتأهيل Gold Coast نفسها.

وتقدم Rand دعمًا فنيًا وتشغيليًا وتجاريًا للمصفاة الغانية في اتجاه التأهل مستقبلًا للتقدم بطلب للانضمام إلى Good Delivery List. وبذلك تمثل Rand مرحلة انتقالية واختبارًا عمليًا للمنظومة التي بنتها غانا.

السؤال لم يعد فقط: هل تستطيع Gold Coast إنتاج ذهب عالي النقاء؟

بل أصبح: هل تستطيع غانا إثبات مصدر الذهب؟ وهل تعمل سلسلة التوريد وفق متطلبات التوريد المسؤول؟ وهل تستطيع المصفاة الحفاظ على مستوى ثابت من الجودة والتوثيق والفحص والتشغيل؟

وهذه بالضبط هي العناصر التي تعمل غانا على اختبارها قبل الوصول إلى مرحلة التقدم للاعتماد.

 

راند تفتح نافذة على آسيا أيضًا

وتكتسب الشراكة مع Rand أهمية إضافية لأنها لا تملك خبرة في سوق لندن فقط، فهي تعمل داخل شبكات اعتماد واعتراف في عدد من أهم أسواق الذهب العالمية، بينها شنغهاي وهونج كونج، ولديها حضور في منظومة سوق السبائك في سنغافورة.

ولا يعني ذلك أن Gold Coast تحصل تلقائيًا على هذه الاعتمادات بمجرد التعاون مع Rand، لكن غانا تعمل من خلال شريك لديه معرفة مباشرة بمتطلبات أكثر من مركز عالمي للذهب.

وبالتالي فإن قيمة Rand بالنسبة لغانا لا تتمثل فقط في طريق Good Delivery، وإنما أيضًا في نقل خبرة مصفاة تعرف كيف يتم قبول الذهب داخل أسواق دولية متعددة.

 

الاعتماد هو المرحلة التالية

لم تحصل Gold Coast Refinery حتى الآن على اعتماد Good Delivery من LBMA، ولا يوجد إعلان رسمي يؤكد تقديم طلب نهائي أو دخول المصفاة مرحلة التقييم الأخيرة، لكن وضع غانا اليوم يختلف جذريًا عما كان عليه قبل بدء الإصلاح.

فقد بنت جهة مركزية لتنظيم ذهب التعدين الحرفي، ووسعت القنوات الرسمية للتجارة والتصدير، وبدأت بناء منظومة للتتبع وإثبات المنشأ، وأدخلت World Gold Council في عملية تقنين التعدين المسؤول، ووسعت التكرير المحلي، ثم استعانت بـRand لاختبار وتأهيل المنظومة وفق خبرة مصفاة معتمدة دوليًا، وفي الوقت نفسه بدأت نتائج هذه المنظومة تظهر ماليًا في صورة مليارات الدولارات من النقد الأجنبي.

 

إعادة هندسة الاقتصاد حول الذهب

ما يحدث في غانا يتجاوز إدارة قطاع تعدين منفرد، ليصبح خطة لإعادة تشكيل اقتصاد الدولة بالكامل حول الذهب الذي أصبح يدخل في أكثر من حلقة اقتصادية في الوقت نفسه.

يبدأ من منجم حرفي يتم إدخاله إلى النظام الرسمي، ثم ينتقل إلى قناة شراء منظمة، ثم إلى التتبع والتكرير المحلي، ثم إلى التصدير، ثم يعود في صورة نقد أجنبي يتم توزيعه بين الاحتياطيات والجهاز المصرفي.

وفي الوقت نفسه يجري تقليل الحاجة إلى الدولار في بعض المعاملات الخارجية، بما يخفف جانبًا من الضغط على سوق الصرف.

ثم تأتي الحلقة التالية: تحويل المصفاة المحلية نفسها إلى جهة قادرة على العمل داخل منظومة الاعتماد الدولية.

وبهذه الطريقة لا تحاول غانا فقط زيادة إنتاج الذهب أو منع تهريبه، وإنما تعيد بناء العلاقة بين الذهب والتجارة والاحتياطيات والبنوك والتصنيع والتصدير.

والهدف النهائي ليس أن تبيع غانا ذهبًا أكثر فحسب، بل أن تحتفظ داخليًا بأكبر قدر ممكن من القيمة التي يولدها هذا الذهب: من التعدين، إلى التكرير، وحتى التصنيع ثم إلى النقد الأجنبي عبر التصدير، ثم إلى الاعتماد الدولي.

وإذا نجحت Gold Coast في اجتياز المرحلة المقبلة والحصول على Good Delivery، فستكون غانا قد انتقلت من دولة تصدر جزءًا من ذهبها لاستكمال قيمته في الخارج، إلى دولة تمتلك سلسلة أكثر تكاملًا تبدأ من المنجم وتنتهي بسبيكة محلية قادرة على دخول الأسواق العالمية باسم مصفاة غانية معتمدة.

مقالات مختارة

الحرب تختبر مركز دبي في تجارة الذهب والماس
العلمين تجمع أكثر من 20 قيادة أفريقيةالعلمين.. الذهب والمعادن في قلب معركة الاحتفاظ بالقيمة
تنزانيا تشتري 35 طنًا من الذهب المحلي خلال عامين.. وخطة توسع للمصافي والتعدين الصغير
مؤتمر LBMA-2026 للمعادن الثمينة ينطلق في إيطاليا بمشاركة أكثر من 900 خبير وقائد صناعة
قصر المجوهرات يفتتح فرعه الرابع بالإسكندرية ومدير الفرع يقدم نصائح للمستهلك عند شراء الذهب.
27 مليار دولار على الطاولة.. Gold Fields تخطط للاستحواذ على Northern Star
تأخير 27 دقيقة في الإفصاح يكلّف أنجلو جولد أشانتي توبيخًا علنيًا من بورصة جوهانسبرغ
شكوى سرية تفتح مراجعة لسلسلة توريد Asahi Refining.. وLBMA تختبر فاعلية الرقابة
نور ديانا بترا ترتدي تاج معوض.. قصة العلاقة بين سلطانة كيلانتان والدار اللبنانية
روث كرويل ترسم حدود مسؤولية LBMA في سوق الذهب العالمية