فتحت رابطة سوق لندن للمعادن الثمينة LBMA عملية مراجعة رسمية للحوادث Incident Review Process – IRP بحق شركة Asahi Refining Canada Limited، على خلفية مسائل تتعلق بمعلومات إعلامية سلبية مرتبطة بسلسلة التوريد، وآليات مراقبة الأطراف المقابلة، في اختبار جديد لمنظومة «التوريد المسؤول» التي تفرضها الرابطة على المصافي المدرجة بقوائم التسليم الجيد.
وأعلنت LBMA في الأول من أكتوبر 2026 أن قرار فتح المراجعة جاء بعد فحص شكوى سرية، موضحة أن العملية ستتضمن التشاور مع مجموعة من أصحاب المصلحة إلى جانب مراجعة من النظراء، دون أن تكشف حتى الآن هوية مقدم الشكوى، أو المورد أو الدولة أو الوقائع المحددة التي تتناولها.
وأكدت في الوقت نفسه أن Asahi Refining Canada لا تزال مدرجة على قائمتي التسليم الجيد للذهب والفضة، وأن الشركة تتعاون بشكل كامل مع عملية المراجعة.
Asahi Refining : سنتعاون بالكامل
وفي بيان أعقب إعلان الرابطة، أقرت أساهي بقرار فتح الـIRP، وقالت إن المراجعة تتعلق بـ “بعض مسائل الأخبار السلبية في سلسلة التوريد ومراقبة الأطراف المقابلة”.
وأكدت الشركة استمرار وضعها كمصفاة معتمدة للتسليم الجيد، وتعهدت بالتعاون الكامل مع LBMA للوصول إلى حل للمسألة بأسرع وقت وبأعلى كفاءة ممكنة.
كما دافعت عن منظومة التوريد المسؤول لديها، مؤكدة أنها طبقت على مدار السنوات برنامجًا للرقابة والمساءلة وتعمل بصورة مستمرة على مراجعته وتحسينه، معربة عن ثقتها في أن المراجعة الحالية ستؤدي إلى تعزيز أنظمة المراقبة والإشراف مستقبلًا.
لكن أهمية القضية تتجاوز البيانين؛ لأن الوثائق المنشورة عن برنامج امتثال أساهي تظهر أن مراقبة الأخبار السلبية والأطراف المقابلة هي بالفعل إحدى الوظائف الأساسية التي تقول الشركة إنها تطبقها بصورة مستمرة.
رقابة كل 24 ساعة.. لكن ماذا حدث؟
وفق تقارير الامتثال المنشورة للشركة، تعتمد أساهي على نظام خارجي لمراقبة عملائها والمستفيدين الحقيقيين، يشمل قوائم العقوبات، والأشخاص المعرضين سياسيًا، والفساد، وحقوق الإنسان، وغسل الأموال، والجرائم المنظمة، والمخاطر البيئية وغيرها.
وتقول الشركة إن عملاءها يخضعون للمراقبة بصورة دورية تصل إلى مرة كل 24 ساعة، بما يشمل البحث عن الأخبار والتقارير الإعلامية السلبية، إلى جانب مراجعة الشحنات اليومية ومقارنتها بالبيانات التاريخية للعميل، والتحقق من مسارات النقل، والكميات، والأوزان، ونتائج التحليل، ومطابقة المستندات مع معلومات «اعرف عميلك» KYC.
كما تنص إجراءاتها المنشورة على أنه عند ظهور تناقضات أو شبهات، يفترض عزل المعدن محل الاشتباه وإجراء مراجعة موثقة، ثم تصعيد النتائج إلى مسؤول الامتثال ومجلس الإدارة والجهات المختصة عند الحاجة.
ومن هنا تبرز أهمية المراجعة الحالية، إذا كانت القضية تتعلق بالفعل بكيفية رصد أخبار سلبية مرتبطة بأحد أطراف سلسلة التوريد أو التعامل معها، فإن السؤال سيكون عن فاعلية هذه الأنظمة في التطبيق، وليس مجرد وجودها على الورق.
ولا تعني بداية الـIRP أن LBMA توصلت إلى وجود مخالفة، كما لا تعني أن أساهي أخفقت بالفعل في إجراءات العناية الواجبة، فالعملية نفسها مصممة للتحقق من الادعاءات وجمع الأدلة والاستماع إلى الأطراف المعنية قبل الوصول إلى نتيجة.

تدقيق مستقل سبق المراجعة
وتكتسب القضية وزنًا إضافيًا بالنظر إلى أحدث تقرير ضمان مستقل متاح لمصفاة أساهي في برامبتون بكندا، والذي غطى الفترة من أول أبريل 2024 حتى 31 مارس 2025.
التقرير، الذي أعدته SCS Global Services وفق معيار ISAE 3000 وإرشادات التدقيق الخاصة ببرنامج التوريد المسؤول في LBMA، شمل مقابلات مع الإدارة والموظفين، ومراجعة معاملات ووثائق وإجراءات إدارة المخاطر، إلى جانب زيارة ميدانية للمصفاة وتتبع العملية من اختيار المورد حتى استلام المواد ومعالجتها.
وخلص المدقق إلى أن تقرير الشركة يصف، في جوانبه الجوهرية، الأنشطة التي قامت بها لإثبات الامتثال، ولم يسجل التقرير تحريفات جوهرية خلال الفترة محل المراجعة.
والأمر لا يتعارض بالضرورة مع فتح التحقيق الحالي، حيث تؤكد LBMA نفسها أن التدقيق السنوي ليس المصدر الوحيد للحكم على امتثال المصافي، وأن المعلومات السوقية، وشكاوى المبلغين، وتقارير وسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية يمكن أن تؤدي إلى مراجعة إضافية بين دورتين من التدقيق.
وبالتالي تصبح قضية أساهي اختبارًا عمليًا لطبقتين مختلفتين من الرقابة: التدقيق الدوري الذي يراجع النظام وإجراءاته، والرقابة المستمرة التي يفترض أن تختبر استجابة النظام عندما تظهر مخاطر أو معلومات جديدة.
ليست المرة الأولى التي تواجه فيها أساهي أخبارًا سلبية عن مورد
وسبق أن واجهت أساهي حالات مماثلة من حيث ظهور ادعاءات إعلامية أو حقوقية بشأن أطراف في سلسلة توريدها، لكن لا توجد حتى الآن أدلة منشورة تربط تلك الحالات بالشكوى الحالية.
ففي عام 2019، أقرت الشركة بأنها كانت تتلقى كمية محدودة من الذهب غير المكرر من شركة CIJ Gutierrez الكولومبية، بعد تقارير وادعاءات من السلطات الكولومبية بحق مسؤولين وموردين مرتبطين بالشركة. وقالت أساهي آنذاك إنها أوقفت التعامل معها فور علمها بالادعاءات.
وفي فبراير 2023، تحركت أساهي أيضًا عقب تقارير لمنظمات غير حكومية بشأن مورد في هندوراس، ارتبطت بادعاءات حول حقوق الإنسان ونقل مقبرة مجتمعية لتوسعة منجم مفتوح.
وأبلغت أساهي LBMA بالقضية، وراجعت مستندات المورد وحصلت على مراجعة قانونية مستقلة. وقالت LBMA لاحقًا إن المراجعة لم تجد ما يستوجب اتخاذ إجراء إضافي في تلك الحالة.
وتكشف هذه السوابق أن ظهور “adverse media” لا يؤدي تلقائيًا إلى إدانة المصفاة أو المورد، وإنما يصبح السؤال التنظيمي الأساسي: هل رصدت المصفاة الإشارة؟ هل حققت فيها؟ وهل صنفت الخطر واتخذت الإجراء المناسب؟
ماذا يعني فتح IRP؟
عملية مراجعة الحوادث هي واحدة من أقوى أدوات LBMA للتحقيق والانضباط خارج دورة التدقيق السنوي، وتبدأ العملية بتسجيل الشكوى أو الواقعة ومراجعة الادعاءات والمعلومات السوقية، وقد تشمل مراجعة تقارير التدقيق والتواصل مع المدقق والمصفاة، وإجراء مراجعة قانونية، قبل تصعيد الملف إلى الجهات المختصة داخل LBMA لاتخاذ القرار.
وهنا لا توجد نتيجة واحدة حتمية لهذه العملية، فقد تنتهي المراجعة دون العثور على مخالفات جسيمة وتظل المصفاة على قائمة التسليم الجيد، كما حدث في قضايا سابقة. وقد تطلب LBMA خطة إجراءات تصحيحية Corrective Action Plan أو ضمانًا خاصًا ومستقلًا لإعادة فحص جوانب محددة من نشاط المصفاة.
وفي الحالات الأشد، تسمح قواعد الرابطة بالتعليق أو النقل إلى قائمة المصافي السابقة، بما يعني فقدان القدرة على إنتاج سبائك جديدة تحمل صفة London Good Delivery.
وبخصوص هذه المراجعة تحديداً، فحتى الآن لم تتخذ LBMA أي إجراء من هذا النوع ضد Asahi Refining Canada.
ويظهر ذلك بوضوح عند مقارنتها بمصفاة Shandong Gold Smelting الصينية؛ إذ فتحت LBMA مراجعة بشأنها في أغسطس 2026 بعد إدراجها على قائمة أمريكية مرتبطة بمنع العمل القسري، واتخذت في الوقت نفسه إجراءً مؤقتًا بتعليقها من قائمتي الذهب والفضة لحين انتهاء المراجعة. أما أساهي، فقد أبقتها الرابطة على القائمتين أثناء التحقيق.
مصفاة ذات وزن في سوق لندن
تقع مصفاة أساهي الكندية في برامبتون بمقاطعة أونتاريو، ويعود تاريخ إدراج منشأة التكرير على قائمة لندن للذهب إلى عام 1961، عندما كانت تعمل تحت اسم Johnson Matthey، قبل أن تستحوذ Asahi Holdings على أنشطة تكرير الذهب والفضة التابعة للشركة في أمريكا الشمالية عام 2015.
وتستقبل المصفاة ذهب الدورِيه المنتج من المناجم الكبرى LSM doré، إلى جانب الذهب والفضة المعاد تدويرهما عاليي الجودة، وتنتج سبائك التسليم الجيد ومنتجات نصف مصنعة لصناعات من بينها المجوهرات.
ولهذا فإن فتح IRP بحقها لا يتعلق بمصفاة هامشية، وإنما بأحد المكونات القديمة لسلسلة التكرير المعتمدة في سوق لندن.
الشكوى ما زالت سرية
ورغم أهمية قرار LBMA، تظل هناك فجوة أساسية في المعلومات المتاحة حتى الآن، فالرابطة لم تحدد طبيعة الادعاءات الواردة في الشكوى، أو اسم الطرف المقابل محل المراجعة، أو مصدر الذهب المعني، أو الدولة التي جاء منها، أو الفترة الزمنية التي تغطيها الوقائع. كما لم توضح أساهي هذه التفاصيل في بيانها، بما يعني أنه لا يمكن في المرحلة الحالية، نسبة الشكوى إلى أي مورد أو منجم أو واقعة سابقة بعينها دون دليل.
لكن ما أصبح معلومًا هو أن المسألة تجاوزت مجرد وجود تقرير إعلامي سلبي؛ فقد راجعت LBMA شكوى سرية وقررت أن ما ورد فيها يستحق الانتقال إلى عملية مراجعة الحوادث الرسمية.
والنتيجة المنتظرة لن تحدد فقط ما إذا كانت أساهي قد التزمت بقواعد التوريد المسؤول في الواقعة محل التحقيق، وإنما ستقدم اختبارًا آخر للسؤال الأوسع الذي يواجه منظومة الاعتماد في سوق الذهب:
هل يكفي أن تمتلك المصفاة أنظمة للعناية الواجبة والمراقبة والتدقيق، أم أن المعيار الحقيقي هو قدرة هذه الأنظمة على اكتشاف الخطر والتعامل معه فور ظهوره في سلسلة التوريد؟
ماذا تعني “Adverse Media” في معايير LBMA؟
لا يقصد بمصطلح Adverse Media – الأخبار أو المعلومات الإعلامية السلبية في منظومة التوريد المسؤول لرابطة سوق لندن للمعادن الثمينة مجرد خبر ينتقد شركة أو يضر بسمعتها، وإنما معلومات منشورة تثير مؤشر خطر محتمل يتعلق بالمصفاة أو أحد مورديها أو الأطراف المرتبطة بسلسلة توريد الذهب.
وتُلزم إرشادات الذهب المسؤول المصافي بإجراء العناية الواجبة قبل بدء العلاقة مع المورد واستمرارها طوال فترة التعامل، والاستعانة بالمعلومات المتاحة علنًا ومعلومات السوق الموثوقة للتحقق من المخاطر المرتبطة بمصدر الذهب، والموردين والملاك المستفيدين ومسار النقل وطبيعة المادة المتداولة.
وقد تصبح التقارير الإعلامية أو الحقوقية ذات أهمية عندما تثير، على سبيل المثال، شبهات تتعلق بغسل الأموال أو تمويل الإرهاب، والرشوة والفساد، والعقوبات، والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، والعمل القسري أو عمالة الأطفال، وتمويل جماعات مسلحة، أو التلاعب بمنشأ الذهب، إلى جانب مخاطر بيئية واجتماعية جوهرية مرتبطة بالتعدين، مثل استخدام الزئبق، أو الأضرار البيئية والصحية، أو حقوق العمال والمجتمعات المحلية.
ولا يعني ظهور مثل هذه المعلومات ثبوت المخالفة أو إدانة المورد، وإنما يمثل إشارة تستوجب الفحص والتحقق وتقييم مستوى الخطر. فإذا كشفت المتابعة عن تناقضات أو شبهات جوهرية، تفرض إرشادات LBMA التحقيق فيها وتوثيق النتائج وتصعيدها داخل المصفاة، وقد يصل الأمر بحسب طبيعة الخطر والأدلة إلى تعزيز إجراءات العناية الواجبة، أو تعليق التعامل مع المورد، أو إنهاء العلاقة في حالات المخاطر التي لا تقبلها المعايير.
ومن هنا، فإن أهمية الـAdverse Media في منظومة LBMA لا تكمن في الخبر المنشور في حد ذاته، وإنما في كيفية استجابة المصفاة له: هل رصدته؟ وهل تحققت منه؟ وهل أعادت تقييم مخاطر الطرف المعني؟ وهل اتخذت الإجراء الذي يتناسب مع مستوى الخطر؟
وبذلك تصبح مراقبة الأخبار والمعلومات السلبية جزءًا من نظام الإنذار المبكر لسلسلة التوريد، وليست حكمًا مسبقًا على الشركة أو المورد.
لقراءة المزيد:
بوركينا فاسو تعيش لحظة تاريخية بافتتاح أول مصفاة للذهب بتمويل وطني بعد 3 سنوات من حجر الأساس
LBMA أمام المحكمة 7 أكتوبر.. من يراقب حارس سوق الذهب العالمي؟
روث كرويل ترسم حدود مسؤولية LBMA في سوق الذهب العالمية
الجلسة الصناعية بمئوية CIBJO بفيتشنزا: 17صوتًا يرسمون خريطة صناعة المجوهرات للمئوية القادمة


