عاشت بوركينا فاسو اليوم أجواء احتفال وطنية عميقة، ليس فقط احتفالا بافتتاح مصفاة الذهب، ولكن احتفالا بالسيادة الكاملة للدولة على مواردها وثرواتها، وذلك بعد عقود طويلة كانت فيها الدولة تضطر لبيع الخام أو تصديره للخارج للتكرير.
وكان الرئيس إبراهيم تراوري (Ibrahim Traoré)، قد افتتح صباح اليوم الاثنين 28 سبتمبر 2026، مصفاة Raffinor BF في منطقة Ouaga 2000 بالعاصمة واجادوجو، بطاقة تبلغ 164 طنًا من الذهب سنويًا في مرحلتها الأولى، مع خطة لرفعها إلى 515 طنًا سنويًا في المرحلة الثانية، لتتجاوز بذلك عدة مرات حجم الإنتاج الوطني الحالي.

ما قبل التغيير: ذهب يُستخرج، خام يُصدر لاستكمال قيمته في الخارج
ولا يمكن إدراك أهمية Raffinor BF، إلا بالعودة إلى وضع قطاع الذهب في بوركينا فاسو قبل إطلاق المشروع، فعلى الرغم من صعود البلاد إلى مصاف المنتجين المهمين للذهب في أفريقيا، ظلت حلقات أساسية من معالجة المعدن وتكريره تتم خارج حدودها، بحيث يخرج الذهب بعد استخراجه في صورة تحتاج إلى استكمال عمليات المعالجة والتكرير في الخارج، بينما تظل مراحل لاحقة من القيمة المضافة خارج الاقتصاد البوركيني.
وعندما وضع تراوري حجر أساس المصفاة في نوفمبر 2023، كان واضحًا في تشخيص المشكلة: البلاد تنتج الذهب، لكنها لا تعرف بالقدر الكافي المحتوى الحقيقي للذهب الخام الذي يغادر أراضيها، بينما تذهب عمليات التكرير والقيمة المرتبطة بها إلى الخارج.
ومن هنا جاءت العبارة التي تحولت إلى عنوان للسياسة الجديدة: “سنحوّل في بوركينا فاسو ما ننتجه في بوركينا فاسو”.
فلم يكن التحدي مقتصرًا على المناجم الصناعية الكبرى. فقد كان التعدين الحرفي وشبه الميكانيكي يمثل جزءًا واسعًا من النشاط، مع تدفقات يصعب ضبطها بالكامل، وتجارة غير رسمية وتهريب وفجوة بين ما تنتجه البلاد وما تستطيع الدولة تتبعه ودمجه في القنوات الرسمية.
لذلك لم تبدأ السياسة الجديدة بالمصفاة، وإنما بإعادة تنظيم علاقة الدولة بالذهب نفسه.

ثلاث سنوات.. الإرادة وحدها كانت كافية لتحقيق الإنجاز
مع تولي إبراهيم تراوري القيادة في الدولة لم يعد الحديث عن الاحتفاظ بالقيمة المضافة للثروات المعدنية في بوركينا فاسو مجرد هدف معلن. فخلال نحو ثلاث سنوات، انتقلت الدولة من إعادة تنظيم السيطرة على إنتاج الذهب وتجارته، إلى بناء قدرة محلية لتحليله وصهره وتكريره، وصولًا إلى افتتاح أول مصفاة وطنية للذهب، في خطوة تعكس إرادة سياسية للانتقال من امتلاك الخام في باطن الأرض إلى امتلاك حلقات أكبر من قيمته بعد استخراجه.
وتعد المصفاة نفسها نتاج المسار الذي اتبعته البلاد، فقد بدأ المشروع بشراكة بين الدولة وشركة Marena Gold المالية، للاستفادة من خبرة أفريقية قائمة في معالجة وتكرير الذهب، وخرجت Marena لاحقًا من الملكية بعد إعادة تقييم التزاماتها في ظل تأخر الأعمال، وبذلك وصلت المصفاة إلى الافتتاح في إطار سيطرة وطنية أكبر على أصل صناعي تعتبره الحكومة جزءًا من مشروع أوسع لاستعادة السيطرة على سلسلة قيمة الذهب.
استثمار يتجاوز 11 مليار فرنك
أقيمت Raffinor BF على مساحة تقارب خمسة هكتارات في Ouaga 2000، باستثمارات تجاوزت 11 مليار فرنك أفريقي CFA- نحو 19.1 مليون دولار أمريكي- وفق الأرقام التي أعلنها مسؤولو المشروع خلال الافتتاح.
وبدأ المشروع في الأصل بهيكل شراكة بين الدولة وMarena Gold. وفي مارس 2024 أجازت الحكومة دخول SONASP في رأس مال شركة MARENA RAFFINOR-BF SA بحصة أغلبية بلغت 51%.
وكانت Marena Gold، ذات الأصل المالي، تمتلك خبرة سابقة في معالجة وتحليل وصهر وتكرير الذهب، وهو ما وفر للمشروع في مرحلته التأسيسية خبرة أفريقية فنية في هذا النشاط.
وقدمت الحكومة التعاون وقتها باعتباره نموذجًا لـ” الشراكة جنوب–جنوب”، بهدف الاستفادة من خبرة قائمة داخل غرب أفريقيا لبناء قدرة بوركينية محلية.
لكن تنفيذ المشروع شهد تأخرًا، ما دفع الحكومة إلى إعادة تقييم التزاماتها مع الشريك. وتظهر وثائق مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية EITI لاحقًا شراء الدولة الأسهم التي كان يمتلكها «الشريك السابق Marena Gold».
164 طنًا قابلة للوصول إلى 515 طنًا
وكشف افتتاح المصفاة عن حجم أكبر للمشروع مما كان معلنًا في مراحله الأولى، فقد أوضح المدير العام لـRaffinor BF، أداما ساوادوجو (Adama Sawadogo)، أن المصفاة صممت بصورة Modular تسمح بإضافة خطوط جديدة مع توسع النشاط.
وتبلغ طاقتها في المرحلة الأولى 164 طنًا سنويًا، على أن ترتفع في المرحلة الثانية إلى 515 طنًا سنويًا.
ويكتسب الرقم أهمية خاصة إذا قورن بإجمالي إنتاج البلاد المسجل في 2025 والبالغ نحو 100.7 طن؛ فالمرحلة الأولى من المصفاة تتجاوز الإنتاج الوطني الحالي، بينما تعادل الطاقة المستهدفة للمرحلة الثانية أكثر من خمسة أمثاله.
ولا يعني ذلك وجود عقود حالية لتكرير ذهب دول أخرى، لكن وثائق تأسيس الشركة سمحت منذ البداية بمعالجة الذهب المنتج من التعدين الصناعي وشبه الميكانيكي والحرفي داخل بوركينا فاسو، وكذلك الذهب من إنتاج أجنبي.
وبالتالي فإن البنية القانونية والتصميمية للمشروع لا تحصر نشاطه في الإنتاج المحلي وحده، وتمنحه قابلية مستقبلية للعمل بطاقة تتجاوز احتياجات السوق البوركينية الحالية.

من المعمل إلى المجوهرات
ولا تتكون Raffinor BF من خط لتكرير الذهب فقط، فالمجمع يضم مصفاة ومسبكًا ومعملًا لتحليل الذهب ومنشآت للتخزين المؤمَّن ووحدة مرتبطة بصناعة المجوهرات، إضافة إلى مقر SONASP، أما المعدات، فوصفها مسؤولو المشروع خلال الافتتاح بأنها حديثة ومغلقة وآلية وتستهدف المنشأة إنتاج ذهب بدرجة نقاء تصل إلى 99.99%.
التعدين الحرفي يدخل سلسلة القيمة
أحد أهم جوانب Raffinor BF هو أنها لم تُصمم لخدمة المناجم الصناعية فقط، حيث يشمل نطاق عمل الشركة عمليات شراء ومعالجة الذهب الناتج من التعدين الصناعي وشبه الميكانيكي والحرفي.
وهذا يعني أن المصفاة يمكن أن تصبح حلقة تربط عشرات الأطنان المنتجة خارج المناجم الصناعية الكبرى بالمنظومة الرسمية: شراء الذهب، تحليله، تحديد نقائه، صهره، تكريره ثم تسويقه.
ويخدم ذلك هدفًا آخر للحكومة هو الحد من الاحتيال والتهريب والتجارة غير الرسمية، عبر توفير قناة وطنية لاستيعاب الذهب بدل خروجه عبر مسارات يصعب تتبعها.
لكن نجاح هذا الجانب لن يتحدد بوجود المصفاة وحدها؛ بل بقدرة الدولة على تقديم أسعار وآليات شراء تجعل المسار الرسمي أكثر جاذبية للمنتجين والتجار من قنوات السوق غير الرسمية.
“استثمار في السيادة”
ووصف أداما ساوادوجو المشروع خلال الافتتاح بأنه: “استثمار في السيادة”.. قائلا: “إن العائد منه لا ينبغي قياسه فقط بما يمكن أن تحققه المصفاة من أرباح، وإنما كذلك بما ستسمح به من الاحتفاظ بالعملة الأجنبية داخل البلاد، وزيادة الإيرادات التعدينية، واستعادة جزء من القيمة التي كانت تتحقق خارج الاقتصاد الوطني.
أما وزير الطاقة والمناجم والمحاجر ياكوبا زابري جوبا (Yacouba Zabré Gouba)، فقال إن البلاد تدخل مع تشغيل المصفاة:
«مرحلة حاسمة في استعادة سيادتنا الاقتصادية.»
وحدد الهدف في أن يصبح الذهب البوركيني ليس فقط مستخرجًا داخل البلاد، وإنما “محوّلًا ومراقبًا ومثمّنًا ومعتمدًا في بوركينا فاسو”، ملخصاً السياسة الجديدة بقوله: “من الآن فصاعدًا، نحن نحوّل ما ننتجه”.

الدولة تدخل سوق الذهب
وسعت الحكومة دور الشركة الوطنية للمواد الثمينة (Société Nationale des Substances Précieuses – SONASP) لتصبح أداة مباشرة للدولة في شراء وتسويق وتحويل الذهب والمواد الثمينة، وتنظيم جانب أكبر من التدفقات التي كانت تتحرك خارج السيطرة الرسمية.
وبدأت SONASP شراء كميات من الذهب، خصوصًا من قنوات التعدين الحرفي وشبه الميكانيكي، في محاولة لتحويل المعدن من مسارات غير رسمية إلى منظومة يمكن للدولة تتبعها وتحصيل نصيبها من قيمتها.
وتكشف بيانات الإنتاج الأحدث حجم هذا الجزء من السوق؛ فقد سجلت بوركينا فاسو خلال 2025 نحو 100.692 طن من الذهب الخام، منها 57.773 طنًا من التعدين الصناعي ونحو 42.698 طنًا من التعدين الحرفي.
أي أن التعدين الحرفي وحده أصبح يمثل أكثر من 42% من إجمالي الذهب المسجل، وهو ما يفسر لماذا لا يمكن بناء سياسة وطنية للذهب بالاعتماد على شركات المناجم الصناعية وحدها.
ومع زيادة سيطرة الدولة على عمليات الشراء والتداول، أصبح الهدف التالي هو ألا ينتهي دورها عند جمع الذهب، وإنما الانتقال إلى تحليله وتحديد محتواه وصهره وتكريره داخل البلاد.

من تنظيم التدفقات إلى الاحتفاظ بالقيمة
بدأت نتائج إعادة التنظيم تظهر في قدرة الدولة على إدخال كميات أكبر من الذهب إلى القنوات الرسمية.
وبالتوازي، اتجهت بوركينا إلى تكوين احتياطي وطني من الذهب، وتعزيز دور SONASP، وإنشاء صندوق الاستثمار السيادي التعديني Siniyan-Sigui، في إطار سياسة تتعامل مع الذهب باعتباره أصلًا استراتيجيًا وليس مجرد سلعة تصديرية.
ومن هنا جاءت Raffinor BF باعتبارها الحلقة الصناعية التي كانت تنقص المنظومة.
فالسيطرة على الإنتاج أو شراء الذهب محليًا لا تحتفظ وحدها بالقيمة المضافة إذا كان المعدن سيغادر البلاد بعد ذلك لإجراء عمليات التحليل والتكرير في الخارج. ولذلك انتقلت السياسة من السيطرة على تدفقات الخام إلى توطين عملية تحويله.
ولخص تراوري هذا التحول خلال افتتاح المصفاة بقوله: “نريد تكرير جميع معادننا محليًا.. نريد أن تكون سلسلة القيمة كاملة لدينا”.
وأضاف، في توصيف أكثر مباشرة للنموذج السابق: “اليوم نكسر حلقة التبعية هذه”.
فالهدف، وفق رؤية الحكومة، هو ألا يستمر الذهب البوركيني في توليد الجزء الأكبر من قيمته المضافة خارج البلاد، بينما يقتصر نصيب الاقتصاد المحلي على مرحلة الاستخراج.



لقراءة المزيد:
بوركينا فاسو: 6 مليارات دولار عائدات الذهب رسميا خلال النصف الأول من 2026
1785$ تكلفة الأوقية: أسعار الذهب ترفع هوامش شركات التعدين إلى 3076 دولارًا.
زامبيا: إنشاء مصفاة حكومية مركزية لتكرير لذهب في منطقة مبموا لخدمة جميع المناجم.
شراكة إستراتيجية بين Alura القطرية ومصفاة Euro Gold الأوغندية.


