بث تجريبي

من يراقب المراقب على الذهب:

LBMA أمام المحكمة 7 أكتوبر.. من يراقب حارس سوق الذهب العالمي؟

روث كرويل, المدير التنفيذي لرابطة LMBA

كنوز.نيوز

هل تفرض الرابطة LBMA معايير “التوريد المسؤول” على المصافي دون أن تتحمل مسؤولية نتائج تطبيقها؟

في السابع من أكتوبر، لن تقف رابطة سوق السبائك في لندن LBMA– التي تقودها روث كرويل- Ruth Crowell- المدير التنفيذي للرابطة – أمام المحكمة العليا البريطانية لمناقشة مقتل اثنين من عمال التعدين الحرفي في تنزانيا فحسب، بل ستواجه سؤالًا قد يكون أكثر خطورة على منظومة الذهب العالمية نفسها:

ما حدود مسؤولية الجهة التي تضع معايير “الذهب المسؤول”، وتراجع التزام المصافي بها، وتمنحها اعتماد Good Delivery الذي يسمح لسبائكها بدخول أكبر سوق للذهب خارج البورصة في العالم؟

القضية تضع واحدة من أقدم منظومات الثقة في سوق الذهب أمام اختبار قانوني غير مسبوق تقريبًا. فجذور نظام Good Delivery تعود إلى عام 1750، بينما تدير LBMA اليوم قائمة المصافي المقبولة لإنتاج السبائك المستخدمة في تسوية معاملات Loco London، لكن الاختبار هذه المرة لا يتعلق بوزن السبيكة أو نقائها أو أبعادها، بل يتعلق بمعنى كلمة “مسؤول” نفسها.

 

معيار يتجاوز نقاء السبيكة

لم تعد شروط Good Delivery فنية فقط. فالمصفاة الراغبة في الاحتفاظ باعتماد LBMA مطالبة أيضًا بتطبيق Responsible Gold Guidance، المبني على إطار العناية الواجبة ذي الخطوات الخمس لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD.

وتوضح LBMA نفسها أن هذه القواعد تمثل حدًا أدنى مطلوبًا من المصافي لحماية حقوق الإنسان والعمال والمجتمعات والبيئة عبر سلسلة التوريد، كما تُلزم كل مصفاة مدرجة بالحصول سنويًا على تأكيد مستقل من طرف ثالث بشأن نظم وضوابط وإجراءات العناية الواجبة التي تستخدمها لتحديد مخاطر سلسلة التوريد وتقييمها وإدارتها. 

وعند ظهور مشكلة، تمتلك LBMA آلية أخرى هي Incident Review Process- عملية مراجعة الحوادث، ويمكن أن تنتهي المراجعة بفحص خاص للمصفاة، أو خطة إجراءات تصحيحية، أو في النهاية إزالة المصفاة من Good Delivery List. 

وهنا تبدأ المشكلة التي تنظرها المحكمة خلال أكتوبر.. فإذا كانت LBMA تضع القواعد، وتحدد من يلتزم بها، وتتلقى تقارير التدقيق، وتفتح التحقيقات، وتملك سلطة إبقاء المصفاة أو استبعادها.. فإلى أين تمتد مسؤوليتها عندما تفشل المنظومة في منع ذهب مرتبط بمصدر عالي المخاطر من الاحتفاظ بغطاء Good Delivery؟

200 كيلومتر تقريبًا بين المنجم والمصفاة.. وسلسلة مسؤولية عالمية

تبدأ وقائع القضية من منجم North Mara في تنزانيا، حيث تقول عائلتا اثنين من عمال التعدين الحرفي إنهما قُتلا في واقعتين منفصلتين في يوليو وديسمبر 2019 على أيدي الشرطة التنزانية أو أفراد أمن خاص أو كليهما. وذلك وفقا لتقرير نشرته “رويترز”  إلا أن التقرير لم يؤكد التحقق بصورة مستقلة من هذه الادعاءات، فيما لم يرد ممثلو الحكومة والشرطة التنزانية على طلباتها للتعليق. 

وكانت المصفاة التي تحصل على الذهب من North Mara هي MMTC-PAMP الهندية، المدرجة على Good Delivery List منذ عام 2014. 

ولا تتهم الدعوى رابطة LBMA بأنها أدارت المنجم أو أمرت باستخدام القوة تجاه العاملين، بل تقول – بحسب محامي المدعين- إن الرابطة أهملت عندما استمرت في اعتماد المصفاة التي كانت تعالج ذهب North Mara رغم المعلومات المتاحة بشأن الانتهاكات المزعومة في المنجم. 

وعلي الجانب الآخر.. كانت LBMA قد بدأت المراجعة بالفعل، لتصبح القضية أكثر حساسية ،،تعقيداً.

ففي 2 أبريل 2019 قدمت MMTC-PAMP إلى LBMA تقرير تأكيد مستقل أعدته Ernst & Young بشأن امتثالها لإرشادات الذهب المسؤول خلال 2018.

وتقول LBMA إن التقرير لم يتضمن إشارة إلى التقارير الإعلامية الخاصة بـNorth Mara.

لكن في يونيو 2019 ظهرت تقارير تتضمن اتهامات خطيرة تتعلق بحقوق الإنسان والبيئة في المنجم.

وفي 18 يونيو 2019 فعلت LBMA بنفسها Incident Review Process للتحقيق في القضية. 

ما يعني أن القضية ليست مبنية على سؤال: هل كانت LBMA تعلم بوجود مخاطر أم لا؟

فالرابطة نفسها تقر بأنها علمت بالاتهامات و بدأت المراجعة بالفعل.

لتتحول القضية إلى سؤال آخر أبعد من ذلك، مفاده: ماذا فعلت الرابطة بعد أن علمت؟ وهل كان ما فعلته كافيًا وفق المسؤولية التي تترتب على النظام الذي وضعته بنفسها؟

 

لماذا لم يُقطع الذهب عن الدخول للمنظومة؟

قدمت LBMA دفاعها مستنداً إلى أن منهج العناية الواجبة لا يقوم على التخلي الفوري عن المورد بمجرد ظهور المخاطر.

بل أوضحت في وثائقها الخاصة بقضية North Mara أن فك الارتباط – Disengagement عادة ما يكون الحل الأخير، خصوصًا عندما يكون من الممكن معالجة الآثار السلبية وتحسين الأوضاع.  وبناء على هذا المبدأ.. أبقت MMTC-PAMP على Good Delivery List.

كما تصف LBMA تعامل المصفاة مع واقعة منجم North Mara في دراساتها الحالية باعتبارها نموذجًا للتعامل المستمر مع منجم عالي المخاطر، مشيرة إلى الاستعانة بخبراء مستقلين لمراقبة المخاطر واقتراح وسائل للحد منها. 

وهنا توجد المفارقة:

الإجراءات التي تقدمها LBMA باعتبارها دليلًا على عمل منظومة العناية الواجبة، يستخدمها المدعون للسؤال عما إذا كانت هذه المنظومة كانت كافية أصلًا.

المصفاة نفسها توقفت عن شراء ذهب المنجم

وتضيف وثيقة امتثال MMTC-PAMP لعام 2024 تفصيلة مهمة لاحقة، فالمصفاة تقول إنها لم تتلق أي معدن ثمين من North Mara منذ ديسمبر 2023، ثم أنهت علاقتها بالمنجم في سبتمبر 2024 “لأسباب تشغيلية”، مؤكدة أنها استمرت حتى إنهاء العلاقة في مراقبة المخاطر وإجراء زيارة ميدانية للموقع. 

ورغم أن هذا التحرك لا يثبت صحة ادعاءات القضية أو مسؤولية LBMA، لكنه يضيف فصلًا مهمًا إلى تاريخ العلاقة بين المنجم والمصفاة.

فرابطة LBMA تؤكد أنها لا تقوم بمواقبة أو حتى اعتماد المناجم، حيث يقوم دفاع الرابطة على خط فاصل واضح:

LBMA تعتمد المصافي، ولا تعتمد المناجم.

وتقول إنها لم تشغّل منجم North Mara، ولا تملك موظفين في تنزانيا، ولا تسيطر على إدارة المنجم أو الشرطة التنزانية، ولا تستطيع مراقبة الأحداث التي تقع على الأرض.

كما تلفت إلى أن الدعوى لم تُرفع ضد الشرطة التنزانية أو مشغل المنجم أو المصفاة أو المدقق المستقل.. بل ضد LBMA وحدها. 

ولهذا تعتبرالرابطة أن تحميلها Duty of Care تجاه عمال التعدين في المناجم التي تقع في بداية سلاسل توريد المصافي المعتمدة يوسع مسؤوليتها إلى نطاق لم يُنشأ نظام Good Delivery من أجله.

ووصلت الرابطة إلى وصف احتمال إقرار المحكمة بمسؤولية بهذا الحجم بأنه يمثل، “دون مبالغة، قضية وجودية بالنسبة لـLBMA”. 

 

 ما الذي تعنيه “Responsible Gold” إذن؟

فلو كانت LBMA تقول إنها لا تستطيع تحمل مسؤولية ما يحدث في المنجم لأنها لا تعتمد المناجم، فإن السؤال المقابل يصبح:

إلى أين تصل إذن حدود العناية الواجبة التي تفرضها على المصفاة التي تتعامل مع الذهب المورد إليها، دون أن تنتجه المصفاة؟

لقد أُسست Responsible Gold Guidance تحديدًا لتقييم المخاطر في سلسلة التوريد، وليس داخل أسوار المصفاة فقط. والرابطة نفسها تقول إن الإطار يساعد في حماية حقوق الإنسان والمجتمعات عبر سلاسل التوريد. 

وهنا تظهر الفجوة التي تفحصها المحكمة في هذه القضية  بين وضع المعيار والمسؤولية القانونية عن نتائجه.
وهنا يأتي السؤال الأهم.. ما هي السيناريوهات المحتملة في حالة ثبوت مسئولية الرابطة بقدر ما عن الحادث كسيناريو أول، وما الذي يعنيه نفي مسئولية الرابطة عن الحادث؟

 

السيناريو الأول: المحكمة تقر بوجود Duty of Care

لو خلصت المحكمة إلى أن LBMA كانت مدينة بواجب عناية من النوع الذي يطالب به المدعون، فلن يعني ذلك تلقائيًا أن كل حادث في أي منجم يصبح مسؤولية LBMA.

لكن سيكون لذلك أثر كبير، فلأول مرة تقريبًا، قد يصبح الاعتماد الخاص بالتوريد المسؤول مرتبطًا بمسؤولية قانونية محتملة وليس فقط بمسؤولية معيارية أو سمعة تجارية.

وسيطرح ذلك عمليًا أسئلة على LBMA حول قوة التدقيق المستقل، ومتى يجب فتح Incident Review، ومتى يصبح استمرار التعامل مع مورد عالي المخاطر غير مقبول، ومتى يجب تعليق المصفاة أو استبعادها.

والأهم أن القضية لن تنتهي عند حدود عائلتي الضحيتين، فهناك بالفعل دعاوى أخرى مشابهة تنتظر نتيجة المحاكمة، وتقول Leigh Day إن 30 شخصًا إضافيًا من منطقة North Mara تقدموا بمطالبات تتعلق بوقائع مزعومة لاحقة، وقد أوقفت هذه القضايا مؤقتًا لحين معرفة نتيجة القضية الأصلية. 

وبالتالي قد يصبح الحكم سابقة يُختبر على أساسها نطاق مسؤولية جهات الاعتماد في سلاسل الذهب الأخرى.

لكن شكل ونطاق هذه السابقة سيتوقفان على الصياغة القانونية الدقيقة للحكم، وليس مجرد فوز أحد الطرفين.

 

LBMA أمام المحكمة 7 أكتوبر لاختبار مسئوليتها عن حوادث مقتل عمال مناجم في تنزانيا
LBMA أمام المحكمة 7 أكتوبر لاختبار مسئوليتها عن حوادث مقتل عمال مناجم في تنزانيا

السيناريو الثاني: المحكمة تنفي وجود المسؤولية

هذا السيناريو لا يعني بالضرورة انتصار منظومة Responsible Gold بلا أسئلة، فإذا اقتنعت المحكمة بحجة الرابطة بأن مسؤوليتها تنتهي عند وضع المعايير واعتماد المصافي ومراجعة نظمها، ولا تمتد إلى إنشاء واجب عناية قانوني تجاه الأفراد في مواقع التعدين، فإن الرابطة ستتجنب توسعًا هائلًا في المسؤولية القانونية.

لكن سيبقى سؤال المصداقية قائمًا أمام الصناعة، فإذا كانت الجهة التي تضع معيار “الذهب المسؤول” لا تتحمل قانونيًا مسؤولية مباشرة تجاه المتضررين في بداية سلسلة التوريد، فمن يتحمل مسؤولية التحقق النهائي من أن المعيار يحقق الغرض الذي يحمل اسمه؟

الإجابة قد تكون موزعة بين المنجم والمصفاة والمدقق المستقل والجهات التنظيمية وجهة الاعتماد، بدل تحميلها لطرف واحد.

وهنا قد تكشف القضية عن شيء آخر: أن منظومة التوريد المسؤول العالمية مصممة أساسًا باعتبارها سلسلة من المسؤوليات المتتابعة، بينما يبحث القضاء الآن عما إذا كان أحد أطراف هذه السلسلة يتحمل واجبًا قانونيًا مباشرًا تجاه الطرف الموجود في بدايتها.

من يراقب المراقب للذهب؟

لهذا قد تكون محاكمة أكتوبر أكبر من نزاع بين عائلتين ورابطة مهنية، فقد بنت LBMA جزءًا كبيرًا من نفوذها العالمي على الثقة: المصفاة المدرجة على Good Delivery تستطيع إنتاج السبائك المقبولة في سوق لندن، لكنها تحصل على هذه المكانة مقابل الالتزام بمعايير فنية ومسؤولة.

وعندما تصبح المعايير جزءًا من الثقة التي يمنحها السوق للذهب، يظهر السؤال الأصعب:

هل تستطيع الجهة التي تمنح هذه الثقة أن تقول إنها تضع المعيار وتراجع الالتزام به، لكنها لا تتحمل مسؤولية قانونية عندما يُزعم أن المعيار فشل في حماية من وُضع أصلًا لحمايتهم؟

وفي المقابل، هل من المنطقي تحميل هيئة اعتماد في لندن المسؤولية عن تصرفات شرطة أو أمن خاص في منجم أفريقي لا تديره ولا تعتمد عملياته؟

بين السؤالين ستبدأ المحكمة العليا في لندن في 7 أكتوبر اختبار الحدود الحقيقية لعبارات أصبحت جزءًا من قاموس صناعة الذهب العالمية: العناية الواجبة، التوريد المسؤول، والذهب المسؤول. 

والحكم، أيًا كان اتجاهه، لن يجيب فقط عن سؤال من يتحمل المسؤولية عن واقعتين في North Mara، بل قد يحدد للمرة الأولى بصورة أكثر وضوحًا أين تنتهي سلطة من يضع معيار الذهب المسؤول.. وأين تبدأ مسؤوليته عنه.

لقراءة المزيد:
بوركينا فاسو تعيش لحظة تاريخية بافتتاح أول مصفاة للذهب بتمويل وطني بعد 3 سنوات من حجر الأساس

كيف حولت تنزانيا التعدين الأهلي من عبء إلى رافعة للاقتصاد؟

بعد عام من تعثر مفاوضات البرامية: مصفاة الذهب السعودية تنافس على 5 مناطق للتنقيب في مصر

رقابةمصرفيون وصناع ونواب يبحثون آليات تمويل الذهب والتعدين وتحويل المدخرات الذهبية لأصول فاعلة في الاقتصاد

مقالات مختارة

احتياطي إيقات يقفز إلى 2.25 مليون أوقية، و 300 مليون دولار استثمارات حتى 2028
هدى منصور: أنجلو جولد تضخ 400 مليون دولار في السكري وتستهدف 570 ألف أوقية خلال عامين
بحضور الرئيس السيسي.. منتدى مصر للتعدين يضع الإصلاحات أمام اختبار الاستثمار
بوركينا فاسو تعيش لحظة تاريخية بافتتاح أول مصفاة للذهب بتمويل وطني بعد 3 سنوات من حجر الأساس
السيسي يبحث مع أنجلو جولد أشانتي توسيع استثماراتها لاستكشاف مناطق ذهب جديدة
اليوم: بوركينا فاسو تدشن مصفاة الذهب Raffinor BF بطاقة 150 طنًا سنويًا
الهند تطلق مبادرة UNNATI لبناء جيل جديد من النساء في صناعة المجوهرات
على هامش منتدى مصر للتعدين 2026.. إطلاق منتدى الهيئات التنظيمية للمعادن الأفريقية “AFMRA” من القاهرة
تنتج نحو 70% عالمياً: جنوب أفريقيا تعرض على واشنطن شراكة لتوسيع تصنيع معادن البلاتين محليًا
الكونغو تطرح سياسة جديدة للمعادن من 4 عناصر: التصنيع محليًا، التتبع، حماية العمال وتقاسم القيمة