لسنوات طويلة ظل جزء ضخم من الذهب الأفريقي خارج الأبواب الرئيسية للسوق العالمية؛ ينتج بواسطة ملايين المنقبين الحرفيين والصغار، لكنه يتعثر عند أول اختبارات المنشأ والتتبع والامتثال التي تفرضها المصافي والأسواق الدولية، الآن تحاول غانا وجنوب أفريقيا التعاون من أجل تغيير هذه المعادلة.
وذلك من خلال تحالف يجمع Rand Refinery الجنوب أفريقية، والمصنفة ضمن مصافي قائمة التسليم الجيد التابعة لجمعية سوق السبائك في لندن LBMA، وGold Coast Refinery في غانا، ومجلس الذهب الغاني GoldBod، يجري بناء مسار يسمح بتكرير ذهب التعدين الحرفي والصغير ASM داخل غانا وفق معايير دولية، مع هدف أبعد يتمثل في تأهيل المصفاة الغانية للتقدم إلى قائمة LBMA Good Delivery، وفتح طريق منظم أمام الذهب الحرفي إلى السوق العالمية.
ولا تكمن أهمية التجربة في كمية الذهب وحدها، وإنما في محاولتها الإجابة عن معضلة ظلت تواجه صناعة الذهب لسنوات: كيف يمكن إدخال التعدين الحرفي إلى المنظومة الرسمية بدل استبعاده منها بسبب صعوبة استيفائه منذ البداية للمعايير التي تطبق على شركات التعدين الكبرى؟

خُمس ذهب العالم.. وأقل من 1% داخل مصافي الاعتماد
تقدر LBMA أن التعدين الحرفي والصغير قد يمثل ما يصل إلى 20% من إنتاج الذهب العالمي، ويوفر مصدر رزق لنحو 20 مليون شخص. ومع ذلك، عندما أطلقت الجمعية مبادرتها الخاصة بالـASM عام 2022، كان الذهب الحرفي يمثل أقل من 1% من إنتاج مصافي Good Delivery. بينما تشير تقديرات أوردتها Wall Street Journal إلى أن التعدين الحرفي والصغير قد يمثل نحو نصف إنتاج الذهب في القارة.
وتشير تقارير سابقة صادرة عن SWISSAID إلى أنه عند استخدام الحد الأعلى لتقديراتها، يصبح إنتاج التعدين الحرفي أكبر من إنتاج التعدين الصناعي في أفريقيا كلها. وفي دول مثل السودان والنيجر ونيجيريا وزيمبابوي يتجاوز ASM الإنتاج الصناعي بالفعل.
وتؤكد أنه ما بين 32% إلى 41% من الذهب المنتج في أفريقيا لا يُعلن عند الإنتاج، فيما خرج 435 طنًا على الأقل من القارة دون إعلان في عام واحد2022، بقيمة قاربت 31 مليار دولار. ويأتي معظم الإنتاج غير المعلن من التعدين الحرفي والصغير، الذي لا يظهر رسميًا ما بين 72 و80% من إنتاجه.
بينما تشير تقارير صادرة عن- United Nations Conference on Trade and Development. UNCTAD – إلى حجم التدفقات المالية غير المشروعة المرتبطة بصادرات السلع الاستخراجية الأفريقية بقدرت بنحو 40 مليار دولار سنويًا، وكان الذهب وحده يمثل 77% منها. حسابيًا، هذا يعادل نحو 30.8 مليار دولار مرتبطة بسلسلة الذهب.
مصفاة Rand Refinery
تأسست Rand Refinery في جنوب أفريقيا عام 1920، وعالجت منذ ذلك الحين أكثر من 50 ألف طن من الذهب. وهي حاليًا المصفاة الأفريقية الوحيدة المدرجة على قائمة LBMA Good Delivery والمعتمدة كذلك لدى أسواق دولية من بينها COMEX وTOCOM وShanghai Gold Exchange، كما أنها واحدة من خمس مصافٍ تعمل كـReferee لدى LBMA في المسائل الفنية المتعلقة بالمعايرة والتكرير، لكن التحول نحو الذهب الحرفي يحمل أيضًا منطقًا اقتصاديًا واضحًا بالنسبة للمصفاة الجنوب أفريقية.
فمع التراجع التاريخي لإنتاج المناجم الصناعية في جنوب أفريقيا، أصبحت Rand تعمل بنحو نصف طاقتها، رغم توسيع مشترياتها من المناجم التجارية في دول أفريقية أخرى. وفي السنة المالية 2025 بلغ إجمالي الذهب الذي مر عبر عمليات التكرير لديها 217 طنًا، مقابل 234 طنًا في العام السابق، وجاء 40% فقط من ذهب المناجم الجنوب أفريقية.
وتشير البيانات الفنية المنشورة تاريخيًا عن المصفاة إلى قدرة تكرير تقارب 600 طن من الذهب سنويًا؛ وهو رقم يعبر عن الطاقة التصميمية وليس حجم التشغيل الفعلي الحالي. ولذلك تكشف المقارنة مع 217 طنًا التي عالجتها في 2025 عن مساحة تشغيلية كبيرة يمكن أن يستوعب جزء منها مصادر جديدة من الذهب، وفي مقدمتها ASM إذا أمكن إثبات منشئه والتزامه بمتطلبات التوريد المسؤول. ولهذا يلخص الرئيس التنفيذي لـRand، دين سوبرامانيان، النظرة الجديدة بقوله إن الذهب الحرفي أصبح «لاعبًا جديًا» في سوق الذهب الأفريقي.
غانا النموذج الأقرب للدخول بعد تقنين التعدين الحرفي
لكن Rand لا تستطيع ببساطة فتح أبوابها أمام ذهب مجهول المصدر يأتي من آلاف المنقبين والوسطاء، ومن هنا تظهر أهمية النموذج الغاني الذي أصبح تجربة يمكن إعادة نسخها في دول أخرى، بعد أن أصبح مجلس الذهب الغاني- Ghana Gold Board – GoldBod الجهة الوحيدة المخولة بشراء وبيع ووزن ومعايرة وتقييم وتصدير ذهب التعدين الصغير في غانا، ما يخلق نقطة رسمية يمكن عندها إدخال الذهب إلى سلسلة منظمة بدل انتقاله عبر عدد غير معلوم من الوسطاء.
الحلقة الثانية: Gold Coast Refinery في أكرا
تأسست المصفاة عام 2016، وتقول البيانات الرسمية للشراكة إن طاقتها السنوية تتجاوز 80 طنًا من الذهب مع إمكانية التوسع. كما أكد رئيس المصفاة سعيد دراز خلال زيارة وزير المالية الغاني أنها تستطيع حاليًا معالجة ما يصل إلى طنين أسبوعيًا.
أما الاتفاق الحالي مع GoldBod فيبدأ بتوريد طن واحد من ذهب ASM أسبوعيًا إلى Gold Coast للتكرير، أي نحو 52 طنًا سنويًا عند التشغيل بالمعدل نفسه طوال العام، بما يترك مساحة لزيادة الكميات مستقبلًا داخل الطاقة المتاحة للمصفاة.
Rand الحلقة الوسيطة نحو منظومة الاعتماد
دور Rand في التجربة يتجاوز شراء الذهب أو إعادة تكريره، فالاتفاق يمنح Gold Coast دعمًا وإشرافًا فنيًا وتشغيليًا وتجاريًا، مع بناء نظم التوريد المسؤول والتتبع والمعايرة والتكرير التي تسمح في النهاية للمصفاة الغانية بالتقدم المحتمل للحصول على اعتماد Good Delivery.
وتؤكد LBMA أن التعاون يمكن أن يصبح خطوة مهمة نحو إدخال ذهب ASM إلى سلاسل مصافي Good Delivery، وأنها تعمل في غانا مع GoldBod والبنك المركزي وRand Refinery وGold Coast Refinery لزيادة التدفقات الرسمية من الذهب الحرفي. كما بدأ GoldBod العمل على منصة رقمية لتحسين تتبع سلسلة التوريد.
وهكذا يصبح المسار المستهدف أكثر وضوحًا وشفافية:
المنقب الحرفي، GoldBod، التحقق والتتبع، Gold Coast Refinery، التكرير وفق المعايير الدولية- Rand Refinery، منظومة Good Delivery، السوق العالمية.
مما يعني أن الذهب الغاني الحرفي حاليًا أصبح في طريقه لبناء المسار المؤسسي والفني الذي قد يؤهله مستقبلًا للدخول إلى منظومة LBMA، حيث يحتاج الاعتماد لمتطلبات وإجراءات مستقلة.
يجري حاليًا بناء المسار المؤسسي والفني الذي
هل تسمح LBMA بالتدرج في تطبيق المعايير لجذب التعدين الأهلي للمسار العالمي؟
تعترف LBMA بأن التشدد في متطلبات التوريد المسؤول والخوف من المخاطر المتعلقة بالسمعة ساهما، دون قصد، في إبعاد جزء من التعدين الحرفي عن السوق الرسمية؛ وهو ما قد يدفع الذهب بدلًا من ذلك إلى قنوات غير رسمية وغير شفافة. لذلك انتقلت استراتيجيتها من مجرد تجنب المخاطر إلى محاولة إنشاء مسارات مسؤولة تسمح للذهب الحرفي بالدخول تدريجيًا إلى منظومة Good Delivery.
وهو السؤال الذي تم الاعتراف به مؤخرا خلال اجتماعات مؤتمر مئوية الاتحاد العالمي للمجوهرات “CIBJO” في فيتشنزا قبل اسبوعين، حيث طالبت أصوات بعض قادة قطاع المجوهرات بمنح التعدين الأهلي الاهتمام الكافي والوقت الكافي لتحسين المنظومة والتدريب على معايير الامتثال، والسماح بمساحة مناسبة للخطأ والتجربة لتحسين المسار، بدلا من مطالبتهم بالكمال فق قفزة واحدة.
الأمر الذي يعني أن نقاش CIBJO جاء مؤكدًا أو متقاطعًا مع الفلسفة التي يقوم عليها التحالف، لتقديم نموذج عملي لدمج التعدين الأهلي في سلسلة الإمداد العالمية المعترف بها، ربما تصبح التجربة ملهمة لتطبيقها في الدول والمجتمعات التي تعتمد في عملية الاستكشاف على التعدين الحرفي.
تعديل السياسة من “الامتثال الكامل” إلى “التحسين التدريجي المستمر”
التحول الأكثر أهمية ربما لا يحدث داخل المصافي، وإنما داخل فلسفة التعامل العالمي مع التعدين الحرفي نفسه. وهو ما بدا واضحاً خلال جلسة “إعادة تقييم دور التعدين الحرفي” في مؤتمر CIBJO المئوي في فيتشنزا خلال سبتمبر الجاري، حيث حذر المشاركون من قادة الصناعة العالمية من استمرار عزل ملايين المنقبين عن سلاسل التوريد الرسمية.
وقالت فريال زروقي، التي سبق أن قادت مشروع GemFair لدعم التعدين الحرفي، إن الصناعة “لا يمكنها أن تترك قطاع التعدين الحرفي خلفها”، مؤكدة أن التعدين الحرفي “ليس قصة ميؤوس منها”، وأن المطلوب الاتفاق على “رحلة من التحسن المستمر”.
وتحدثت إليزابيث أرنوت من Mwamba Mining عن المشكلة نفسها من زاوية السوق، مشيرة إلى أن التعدين الحرفي ظل يعمل دون طريق حقيقي يصل به إلى السوق الرسمية، وأن المطلوب هو بناء الروابط التي تصل المنقب بسلسلة القيمة، إلى جانب الاستثمار في حلول التتبع التي تمنح التوريد المسؤول مصداقيته.
في حين عرض نوربرت ماساي تجربة Moyo Gems في شرق أفريقيا، التي ربطت التدريب بفرص سوق حقيقية ووصلت برامجها إلى نحو 1,800 منقب في ست دول، في نموذج يشير إلى إمكانية نقل التجربة وتوسيعها عندما يصاحب رفع المعايير منفذ اقتصادي فعلي لمنتجات المنقبين.
وتتقاطع هذه الرؤية مع المنهج الذي تبنته LBMA نفسها في ASM Toolkit، إذ يضع متطلبات أساسية لا يمكن تجاوزها، لكنه يعتمد في الوقت نفسه نموذج التحسن التدريجي Progressive Improvement، كاعتراف بأن تغيير الواقع القائم يحتاج إلى وقت وأن التقدم يجب أن يكون قابلًا للقياس. والأداة لا تمنح شهادة اعتماد لذهب ASM، وإنما تساعد المصافي على تقييم المخاطر والعمل مع سلاسل التعدين الحرفي على تحسينها تدريجيًا.
وهنا يتغير السؤال من: هل المنقب الحرفي مطابق اليوم لكل المعايير؟.. إلى: هل توجد حدود دنيا لا يمكن تجاوزها، ومسار موثق يمكن من خلاله مساعدته على التحسن خطوة بعد أخرى؟
فالمطالبة بالكمال منذ البداية قد تنتهي باستبعاد المنقب من النظام الرسمي، بينما يترك له نموذج التحسن المستمر مساحة للتعلم والتجربة وتصحيح الأخطاء، دون التخلي عن المتطلبات الأساسية المتعلقة بحقوق الإنسان ومكافحة تمويل الصراعات وغسل الأموال والتوريد المسؤول.
التجربة الغانية ليست النهاية
ولا تنظر الصناعة إلى غانا باعتبارها حالة معزولة، فـLBMA تعمل أصلًا على بناء مسارات مختلفة لإدماج ASM في عدة دول، وتعرض تجارب من بيرو والفلبين وغانا ومنغوليا، بينما ترى أن التعاون بين الحكومات والمصافي والأسواق قادر على زيادة الكميات التي تدخل القنوات الرسمية.
والأهم أن Rand نفسها تتعامل مع الشراكة الغانية باعتبارها مدخلًا أوسع لتعزيز التوريد المسؤول في أفريقيا، في الوقت الذي تقول فيه LBMA إن نجاح التعاون يمثل نموذجًا يمكن أن يشجع على ظهور شراكات مماثلة في القارة.
ومن هنا يصبح نجاح تجربة غانا اختبارًا يتجاوز حدودها: هل يمكن إنشاء النموذج نفسه في مناطق أخرى يوجد فيها إنتاج حرفي كبير، بشرط وجود جهة محلية قادرة على تنظيم الشراء والتتبع، ومصفاة محلية يمكن تطويرها، وشريك معتمد ينقل الخبرة ويصلها بالسوق الدولية؟
إذا أثبت النموذج قدرته على تحقيق ذلك، فلن تكون النتيجة مجرد إضافة عشرات الأطنان إلى إنتاج مصفاة معتمدة، وإنما إنشاء طريق جديد لذهب ظل طويلًا خارج السوق المنظمة.
من استخراج الخام إلى بناء سلسلة قيمة أفريقية
وتضيف التجربة بعدًا آخر يتجاوز الامتثال، فبدل أن يخرج ذهب التعدين الحرفي من أفريقيا في صورة خام أو doré ليجري تكريره وإضافة القيمة إليه في مراكز خارج القارة، تحاول غانا الاحتفاظ بحلقات أكبر من السلسلة داخل اقتصادها: الشراء، والمعايرة، والتقييم، والتتبع، والتكرير، ثم التصدير.
وفي المقابل تحصل Rand على مصدر جديد للذهب في وقت تتراجع فيه الإمدادات التقليدية من المناجم الصناعية، بينما تحصل LBMA على نموذج عملي لاختبار إمكانية إدماج قطاع طالما مثّل واحدة من أعقد فجوات منظومة التوريد المسؤول.
أما المنقب الحرفي، وهو الحلقة الأصغر والأكثر هشاشة في السلسلة، فيحصل ـ إذا نجحت التجربة ـ على ما افتقده طويلًا: طريق قانوني ومباشر إلى السوق، وحافز اقتصادي يجعله جزءًا من منظومة الامتثال بدل أن يصبح استبعاده منها سببًا إضافيًا لاستمرار السوق غير الرسمية التي تعمل في الظلام ولا تستفيد منها الدول والمجتمعات استفادة حقيقية.
وبذلك قد تتحول الشراكة بين غانا وجنوب أفريقيا من اتفاق لتكرير الذهب إلى اختبار أفريقي لفكرة أكبر: أن حوكمة التعدين الحرفي لا تبدأ بإقصاء المنقب غير الكامل من السلسلة، وإنما بإدخاله إليها، ووضع حدود واضحة للمخاطر، ثم مساعدته على التطور حتى يصبح الالتزام نفسه طريقه إلى السوق.
لقراءة المزيد:
غانا تختبر قدرتها على الاحتفاظ بأكبر قيمة ممكنة للذهب قبل تصديره، حققت 20 مليار دولار خلال 2025.
إبراهيم ماهاما يبيع 110 كيلو من الذهب إلى جولدبود وبنك غانا لتعزيز الاحتياطي الوطني
زامبيا تستنسخ نموذج غانا لاستعادة 1.8 مليار دولار من تجارة الذهب غير الرسمية


