بث تجريبي

جيهان الشعراوي تقترح آلية لاستكشاف الذهب القديم:

مصر تبحث عن الذهب الجديد في 2026.. فمن يبحث عن ذهبها القديم؟

بقلم: جيهان الشعراوي

في الوقت الذي تتحرك فيه الدولة المصرية بخطوات متسارعة للبحث عن ذهب جديد في باطن الأرض، وتطرح مناطق الاستكشاف أمام الشركات العالمية والمحلية، وتطور التشريعات لجذب الاستثمارات إلى قطاع التعدين، لا يزال هناك نوع آخر من الذهب مختبئًا بعيدًا عن أعين الدولة:

الذهب القديم؛ حلي ومجوهرات وعملات وقطع أثرية ربما عُثر على بعضها مصادفة، بينما وصل بعضها الآخر إلى أيدي المنقبين غير الشرعيين عن الآثار، ثم اختفى إما بالصهر وإعادة التصنيع أو احتفى داخل البيوت والمخازن في انتظار مشترٍ يستطيع إخراجه إلى السوق.

بالوزن وليس بالقيمة

والمفارقة أن جزءًا من هذا الذهب لا يُتعامل معه في السوق غير المشروعة باعتباره تراثًا أو قطعة فنية نادرة، وإنما باعتباره في النهاية جرامات من المعدن يمكن تحويلها إلى نقود. بل يسعى مالكها للتخلص منها ولو بسعر أقل من سعر السوق قبل اكتشاف أمره وضبطه متلبسا بها، ولعل في واقعة الاسورة التاريخية التي تمت سرقتها من أحد المتاحف وبيعها بسعر بخس لتاجر فضة درسا نستفيد منه في إعادة النظر في ضرورة وجود منظومة واضحة لاسترداد هذه القطع مع مكافأة مالكها، ولو بعدم المساءلة القانونية، وأعتقد أن هذه الطريقة أتت بثمارها في نزع السلاح من قرى الصعيد على خلفية القظاء على الإرهاب في الصعيد المصري،

الخوف.. يفسد القيمة ويهدر التاريخ ويبخس الثمن.. فما الحل؟

 فالحائز الذي يخشى ضبط القطعة لا يمتلك سوقًا قانونية يستطيع بيعها فيها، وقد يقبل التخلص منها بسعر يقل حتى عن قيمة الذهب الحديث، بينما تظل القيمة التاريخية والحضارية للقطعة بلا وزن تقريبًا في هذه المعادلة. والأسوأ أن استمرار هذا الوضع يفتح الباب أمام فقدان القطعة بالكامل، سواء بخروجها من البلاد أو تفكيكها أو صهرها، فتسترد السوق الذهب كخام بينما تخسر مصر الأثر إلى الأبد.

خطة “كنوز نيوز” لاكتشاف الذهب القديم

ومن هنا ربما يكون الوقت قد حان لكي تنفذ الدولة خطة اكتشاف الذهب القديم، بالتوازي مع خطتها لاكتشاف الذهب الجديد؛ ليس بالحفر هذه المرة، وإنما بتشجيع الحائزين على فتح المخابئ المغلقة، وخلق مسار رسمي وآمن يسمح بإعادة المجوهرات والعملات والمقتنيات الذهبية الأثرية الموجودة لدى الأفراد إلى الدولة.

الحافز المادي مقابل التسليم

ولا يحتاج الحافز بالضرورة إلى الدخول في عمليات معقدة لتسعير القيمة التاريخية والفنية لكل قطعة؛ إذ يمكن دراسة نموذج أبسط وأكثر عملية، يقوم على ضمان حد مالي واضح ومعلن مقابل التسليم الطوعي، يرتبط على الأقل بوزن الذهب وقيمته المعدنية، مع مكافآت إضافية استثنائية إذا رأت الدولة ذلك للقطع ذات الأهمية الخاصة. فالهدف الأول هنا ليس شراء الأثر من صاحبه بسعر مزاد عالمي، وإنما جعل تسليمه للدولة أكثر جدوى وأمانًا من بيعه سرًا كجرامات ذهب أو اخفائه عن الأعين والخوف من ضبطه في حوزته.

وبذلك تستطيع الدولة تحويل معادلة اقتصادية تعمل حاليًا ضد حماية التراث إلى معادلة تعمل لصالحه: بدلًا من أن يحصل الحائز على جزء من قيمة المعدن ويختفي الأثر، يحصل على مقابل قانوني ومعلن، بينما تحصل مصر على الذهب والتاريخ معًا.

قلادة الملك بسوسنس الأول.. يقف أمامها الخبراء في ذهول من التصميم ودقة الصنع والحرفة والألوان.
قلادة الملك بسوسنس الأول.. يقف أمامها الخبراء في ذهول من التصميم ودقة الصنع والحرفة والألوان.

الحافز المعنوي والأمني

إن حماية التراث في مصر لا ينبغي أن تعتمد فقط على العقوبات وتجريم الحيازة والاتجار، وإنما تحتاج أيضًا إلى خلق حافز حقيقي يدفع من توجد بحوزته قطعة أثرية إلى إخراجها من الخفاء وإعادتها إلى المجال العام، خاصة المجوهرات والحلي والعملات والمقتنيات الذهبية التي قد تكون موجودة بالفعل لدى أفراد أو عائلات منذ سنوات طويلة أو منقبين غير شرعيين وغير معروفين للدولة، دون أن تكون مسجلة أو معروفة للجهات الأثرية.

لماذا لا نتحدث عن الآثار عموما؟

ببساطة لأن التماثيل والمخطوطات والأواني الفخارية، لا يمكن لمقتنيها تغيير حالتها أو إعادة تدويرها، وبهذا لا يصبح قادرا على التعامل معها إلا ببيعها لأحد التجار، وعادة ما يتم البيع بسعر بخس لعدم قدرة الحاز على الوصول للمشترين.
أما في حالة الذهب والمشغولات أو التماثيل الذهبية والفضية وحتى البرونزية، فالأمر يختلف تماما، حيث يمثل وزن الخام نفسه الآن قيمة قد تدفع الحائز إلي السعي من أجل الحصول عليها بدون مراعاة للقيمة التاريخية والفنية والعلمية التي قد تحملها القطعة، ليكون الاسلوب الأمثل هو بيعها بالجرام بثمن أقل من سعرها الحقيقي، لأنه بحكم السوق “يتخلص من جسم الجريمة”، أو يقوم بصهرها وإعادة تدوير الخام نفسه وبيعه كخام.

سوار "البطتين" للملك رمسيس.. من الذهب الخالص والأحجار.. من إبداع المصري القديم في صياغة الذهب
سوار “البطتين” للملك رمسيس.. من الذهب الخالص والأحجار.. من إبداع المصري القديم في صياغة الذهب

مقترح جمع المشغولات المصرية الأثرية

المرحلة الأولي: آلية وطنية للاسترداد الطوعي.. محددة المدة

ومن هنا تقترح «كنوز نيوز» دراسة إنشاء آلية وطنية مؤقتة للاسترداد الطوعي للمشغولات والحلي المصرية الأثرية محدد المدة، تحدد من خلالها الدولة جهة رسمية واحدة يستطيع أي مواطن التوجه إليها لتسليم ما بحوزته من قطع يشتبه في أثريتها، بحيث تخضع القطعة للفحص والتوثيق والتصوير والوزن والتحليل وتحديد العصر والقيمة التاريخية والفنية لها بواسطة لجنة متخصصة، مع منح الحائز ضمانًا قانونيًا بعدم مساءلته جنائيًا عن مجرد الحيازة السابقة أو التسليم الطوعي خلال فترة المبادرة، ما لم ترتبط القطعة بجريمة سرقة أو تهريب.

وفي حالة ثبوت القيمة الأثرية للقطعة، يمكن للدولة وضع نظام للمكافأة أو التعويض المالي العادل مقابل تسليمها، ويتم وضع آلية للتقييم وتعميمها، إما بدفع ثمن الذهب الخام ليكون التقييم على وزن الذهب وحده؛ أو زيادة القيمة بنسبة مرضية تقديرا لقيمة القطعة التاريخية، أو بالخصم من القيمة إذا كانت القطعة مجهولة المصدر مع رفض المقتني ذكر مصدرها، ففي كل الحالات ستكون الفئدة أكبر كثيرا من بيع هذه القطع في السوق السوداء من أجل صهرها وإعادة سبكها لإخفاء معالم جريمة اقتناء آثار بطريقة غير مشروعة.

المرحلة الثانية: جمع وتوثيق المشغولات الذهبية المصرية في متحف مصري للذهب

على أن تكون المرحلة الثانية من المبادرة هي إنشاء سجل وطني للمجوهرات والحلي والعملات الأثرية المستردة، يتيح توثيق مصدر كل قطعة ومواصفاتها وتقنيات صناعتها، ودراسة ما تكشفه مجتمعة عن تطور صناعة الذهب والمجوهرات المصرية عبر العصور، قبل توزيع القطع ذات الأهمية على المتاحف أو مجموعاتها الدراسية وفق رؤية أثرية متخصصة.

فقد أصبح من الضروري أن تمتلك مصر موقعا ومتحفا مخصصا للذهب والمجوهرات يستعرض تاريخها الطويل ومقتنياتها العظيمة والتقينات المتقدمة التي صنعت بها الحلي المصرية على مر العصور. فلم يعد متحف المجوهرات الملكية في الإسكندرية وحده يكفي ولا يتسع لعرض ما تملكه مصر من مقتنيات تاريخية شديدة الثراء الفني والمادي والروحي أيضا، ويتصل الدقة الحرفية لبعضها إلى مستوى متقدم لدرجة تصيب الزائرين في المتحف المصري بالذهول، فهذه المشغولات تم صنعها في عصور ما قبل الليزر والماكينات الحديثة والتقنيات الفائقة.

ولم يتوقف الإبداع المصري عند المعدن، بل امتد إلى تشكيل الأحجار الكريمة وصناعة الخرز وابتكار أساليب التلوين بالمينا وتشكيل القوالب وتقطيع وتشكيل الذهب لوحدات متساوية في الأبعاد والأوزان بطريقة مذهلة.

كل هذه القيم الفنية والجمالية والأثرية تقد تجدها في أصغر قطعة ذهبية، لذلك لا يمكن النظر لقيمتها من منطلق وزن المعدن فقط، فهناك تاريخ طويل قضاه المصريون القدماء في ثبر أغوار هذا المعدن واحترفوا هذه الصناعة وأبدعوا فيها، فأصبح من باب الوفاء بالجميل أن يتم الحفاظ بقدر الإمكان على هذا الإرث العظيم. فما نحن إلا مجرد أمناء عليه. فلنحفظه ولنتركه للأجيال القادمة يطالعونه ويرون عظمة المصريين التي لم تتوقف عند إنتهاء عصر الدول القديمة، ولكنه إرث مستمر يتم توارثه والتمسك به والبناء عليه.

إن مصر لا تحتاج متحفًا يعرض الذهب فقط، بل متحفًا يحكي علاقتها بالذهب، من المنجم إلى الصائغ ومنه إلى تيجان الملوك وقلاداتهم، ومن قطعة الحلي والحذاء الملكي إلى العملة، ومن مصر القديمة إلى صناعة المجوهرات المعاصرة التي تحاول التشبث البقاء رغم ما تعانيه من ضغوط وتهميش وتسطيح لدوها كصناعة مصرية لها تاريخ وتأثير أعمق بكثير مما يتخيل كثيرون.

لقراءة المزيد:
إطلاق المنتدى الدولي للمعادن والاحجار الثمينة ضمن توصيات ختام Ecominex- 2026

بعد عام من تعثر مفاوضات البرامية: مصفاة الذهب السعودية تنافس على 5 مناطق للتنقيب في مصر

من كنز بلجيكا بقيمة 9 مليون يورو.. إلى «انزل يا محمد عمك لقى آثار» ماذا يقول القانون؟

من عظام الديناصورات إلى الماس بـ100 ألف دولار: Milwaukee Show يجمع «كنوز الأرض» في معرض واحد

هل يصبح الذهب مفتاح الاستقرار المالي في مصر؟

 

مقالات مختارة

4.4 مليون أوقية: الذهب المرتفع يوقظ منجم Northumberland التاريخي في نيفادا
مالي: شركات التعدين الكبرى تسجل 23.5 طنًا من الذهب خلال 6 أشهر، والإنتاج يقفز 30%
Euro Gold Refinery تفوز بجائزة أفضل شركة للموارد الطبيعية والتكرير في أوغندا 2026
Chintan Shivir: الهند ترسم خريطة المجوهرات حتى 2040، و 100 مليار دولار صادرات في قلب الخطة
خبيرة مشتريات Ernest Jones: أهم 7 قواعد يجب مراعاتها عند شراء المشغولات الذهبيه كأصل استثماري  
8 عوامل تحدد قيمة المصنعية لجرام الذهب.. اعرفها قبل الفصال في الشراء..!
من عظام الديناصورات إلى الماس بـ100 ألف دولار: Milwaukee Show يجمع «كنوز الأرض» في معرض واحد
غانا تدخل قائمة أكبر 6 منتجين للذهب عالميًا والتعدين الحرفي والصغير يقود القفزة.
بعد عام من تعثر مفاوضات البرامية: مصفاة الذهب السعودية تنافس على 5 مناطق للتنقيب في مصر
18 نصيحة قبل بدء المشروع: هل فكرت في تشغيل الذهب بدلًا من تخزينه؟