“بلغ إجمالي مشتريات المصريين من الذهب خلال عام 2025 فقط نحو 45.1 طناً، توزعت بين 23.6 طناً من السبائك والعملات وقرابة 21.5 طناً من المشغولات، في دلالة واضحة على اتساع الطلب الاستثماري المباشر على الذهب وتنامي دوره كأداة رئيسية لحفظ القيمة”.
في عمق الثقافة الاقتصادية للمجتمع المصري، يحتل الذهب مكانة خاصة تتجاوز كونه مجرد معدن نفيس. فهو رمز للأمان، وملاذ تقليدي لحفظ القيمة، ووسيلة ادخار متوارثة عبر الأجيال. غير أن هذه الثروة، رغم ضخامتها، تبقى في معظم الأحيان خارج الدورة الاقتصادية الفعلية، حبيسة البيوت والخزائن الخاصة، تؤدي دور الحماية الفردية لكنها لا تسهم بالقدر الكافي في دعم السيولة الإنتاجية أو تعزيز الاستقرار النقدي للدولة. ومن هنا تبرز فكرة إنشاء منشأه ماليه متخصصه في السبائك الذهبية كأحد الحلول الاستراتيجية التي يمكن أن تعيد توظيف هذه الثروة في خدمة الاقتصاد الوطني.

تعتمد هذه الرؤية على مبدأ بسيط لكنه عميق الأثر: توحيد السبائك الذهبية وفق عيار قياسي مع توفير فئات متعددة تناسب مختلف شرائح المدخرين، من أصحاب المدخرات الصغيرة إلى كبار المستثمرين والشركات.
إن توحيد المواصفات يخلق معياراً واضحاً للتسعير والتداول، ويعزز مستويات الثقة والشفافية في سوق الذهب، بينما يتيح توفير خدمات البيع والشراء والتخزين المجاني تحويل البنك إلى منصة موثوقة تجعل من الذهب أداة مالية نشطة بدلاً من كونه مجرد مخزن جامد للقيمة.
من الناحية الاقتصادية، يحمل هذا النموذج مزايا متعددة يمكن أن تُحدث نقلة نوعية في هيكل الادخار والاستثمار:
أولى هذه المزايا تتمثل في تعميق الشمول المالي، إذ إن شريحة واسعة من المصريين تفضل الادخار في الذهب بدلاً من الودائع النقدية التقليدية. ومن خلال إنشاء منشأه ماليه متخصصه للسبائك، يمكن جذب هذه المدخرات إلى النظام المصرفي دون فرض تغيير جذري في سلوك الأفراد، بل عبر تقديم أدوات مالية تتوافق مع ثقافتهم الاستثمارية.
أما الميزة الثانية فتتجلى في تعزيز الاحتياطيات الاستراتيجية للدولة؛ حيث يمكن الاحتفاظ بجزء من السبائك داخل البنك كاحتياطي سيولة، على غرار الاحتياطي النقدي في البنوك، بينما يتم تحويل الجزء الأكبر إلى البنك المركزي ليُحتسب ضمن الاحتياطيات الذهبية المقومة بالعملات الأجنبية، بما يدعم الاستقرار النقدي ويعزز الثقة في العملة المحلية.
ولا يعني ذلك تسييل الذهب بأساليب تقليدية قائمة على الإقراض، بل يمكن تصميم هذا النموذج وفق صيغ متوافقة مع مبادئ الشريعة الإسلامية.
وبهذا يبقى الذهب أصلاً حقيقياً مملوكاً لأصحابه، في الوقت الذي يستفيد فيه الاقتصاد من دوره كضمانة سيادية تعزز متانة النظام المالي.
تجارب دولية
التجارب الدولية تقدم شواهد عملية على نجاح هذا التوجه. ففي بعض الأسواق الخليجية والآسيوية، نجحت البنوك في تطوير حسابات ادخارية واستثمارية مرتبطة بالذهب، ما ساعد على استقطاب مدخرات طويلة الأجل وتنويع مصادر التمويل بعيداً عن الاعتماد الكامل على السيولة النقدية.
ومن واقع تجربة عملية في المساهمة بتأسيس منتجات حسابات الذهب في أحد البنوك الخليجية، كان من الواضح كيف تحولت هذه المبادرات إلى أدوات جذب قوية للمدخرين، وأسهمت في بناء جسور ثقة جديدة بين العملاء والمؤسسات المالية.
مؤشرات السوق المصرية
أما في مصر تشير المؤشرات السوقية إلى أن الذهب الذي يمتلكه الأفراد – سواء في صورة مشغولات أو سبائك – يشكّل كتلة ادخارية كبيرة لا تزال خارج دائرة التوظيف الاقتصادي المنظم. ويعكس الإقبال المتزايد على اقتناء السبائك والعملات الذهبية توجهاً متنامياً نحو الاستثمار المباشر في المعدن النفيس، الأمر الذي يعزز أهمية التفكير في إنشاء مؤسسة مصرفية متخصصة تستطيع تنظيم هذا النشاط وتحويله إلى قوة داعمة للتنمية الاقتصادية.
وتشير تقديرات متداولة إلى أن هذه المدخرات قد تصل إلى مئات الأطنان، وهو ما يعكس عمق ثقافة الادخار في الذهب داخل المجتمع.
كما نقلت وسائل إعلام عن مجلس الذهب العالمي أن إجمالي مشتريات المصريين من الذهب خلال فقط عام 2025 بلغ نحو 45.1 طناً، توزعت بين 23.6 طناً من السبائك والعملات وقرابة 21.5 طناً من المشغولات، في دلالة واضحة على اتساع الطلب الاستثماري المباشر على الذهب وتنامي دوره كأداة رئيسية لحفظ القيمة.
أهمية وجود بنك للسبائك
تبدو هذه الفكرة منطقية بشكل خاص في المرحلة الحالية، حيث يبحث الاقتصاد عن أدوات مبتكرة لتعزيز الاستقرار وجذب الاستثمارات. فوجود بنك للسبائك يمكن أن يسهم في دعم سوق الصرف عبر تقوية الاحتياطيات، كما يمنح المستثمرين الأجانب إشارة إيجابية حول توافر بيئة مالية مدعومة بأصول حقيقية. إضافة إلى ذلك، قد يفتح المشروع المجال لإطلاق منتجات مالية جديدة، مثل شهادات ادخار مرتبطة بأسعار الذهب أو صكوك مدعومة بالمعدن النفيس، ما يعزز تنوع الأدوات الاستثمارية في السوق.
تعزيز الثقة المؤسسية لدعم النمو
الأهم من كل ذلك هو تعزيز الثقة المؤسسية؛ إذ يشعر المواطن بأن مدخراته محفوظة في إطار منظم وشفاف، بينما تستفيد الدولة من تحويل هذه المدخرات إلى قوة اقتصادية داعمة للاستقرار والنمو. إنها معادلة متوازنة تجمع بين الحكمة التقليدية في حفظ الثروة والرؤية الحديثة في توظيفها لخدمة التنمية.
في النهاية، قد يمثل إنشاء مؤسسه ماليه للسبائك الذهبية خطوة استراتيجية تعكس فهماً عميقاً لطبيعة المجتمع المصري وسلوكه الادخاري. فبدلاً من محاولة تغيير هذا السلوك، يمكن البناء عليه وتحويله إلى عنصر قوة حقيقي. وعندما ينتقل الذهب من كونه “كنزاً مخبأً” إلى “احتياطياً منتجاً”، يصبح الاقتصاد أكثر قدرة على مواجهة التقلبات العالمية بثقة واستقلالية، وأكثر استعداداً لصناعة مستقبل مالي أكثر استقراراً وازدهاراً.

دكتور محمد غندور : خبير في البنوك المتوافقة مع الشريعة والتكنولوجيا المالية- لديه خبرة تتخطى ٢٥ عاما في مجال الحوكمة واستيراتيجيات التحول في دول مجلس التعاون الخليجي.حاصل على شهادة الدكتورة في البنوك الإسلامية والتمويل “هارفارد بيزنس”.
إقرأ أيضا:
تقنيات تتبع الماس والمجوهرات.. هل تدعم الصناعة أم تزيد أعبائها؟
ازمة “كردان في دراما رمضان ٢٠٢٦
١٣٥- ١٤٠ مليون حصيلة بيع المشغولات والسبائك بمزاد مصلحة دمغ المصوغات والموازين


