لم يكن «كوبي»، الطالب البلجيكي البالغ من العمر 18 عامًا، يتوقع أن تتحول وظيفته الصيفية في أحد مواقع البناء إلى واحدة من أشهر قصص العثور على كنز من الكنوز في العالم خلال عام 2026.
كان الشاب يعمل ضمن فريق في أعمال تجديد في مبنى قديم بمدينة دندرموند البلجيكية، عندما بدأت أعمال الحفر لإنشاء خط للصرف الصحي أسفل فيلا شُيدت في نهاية القرن التاسع عشر لمالك مصنع جعة قديم. وسط الركام لمح كوبي ما اعتقد في البداية أنها عملات عادية، قبل أن يظهر أول لوح من الذهب ويتحول المشهد بالكامل. ليتم اكتشاف كنز تقدر قيمته بنحو 9 ملايين يورو، يضم 49 سبيكة ومئات العملات وقطعًا من الذهب. وفقا للرواية التي ذكرتها صحيفة ذا جارديان.

كان بإمكان العمال أن يتوقفوا لحظات أمام إغراء قد يغير حياة ثمانية أشخاص إلى الأبد، لكنهم أبلغوا صاحب العمل والشرطة، فنقلت السلطات الذهب إلى خزينة شديدة التأمين وبدأ التحقيق في مصدره: هل يعود إلى عائلة Van Assche التي امتلكت مصنع الجعة والفيلا؟ هل يستطيع أحد الورثة إثبات ملكيته؟ وهل يرتبط الذهب بأية جريمة؟
وحتى تنتهي التحقيقات، لا يستطيع العامل الذي وجده ولا مالك العقار الحالي اعتباره ملكًا له. ووفق القواعد البلجيكية التي تناولتها التقارير الخاصة بالواقعة، يظل باب إثبات الملكية مفتوحًا لخمس سنوات.
هذه الواقعة فتحت بابا لطرح سؤال أكبر بكثير من مصير ذهب بلجيكا:
ماذا تفعل إذا وجدت أنت كنزًا تحت منزلك؟
الإجابة بالمطلق..ليست واحدة، فالأمر يختلف من دولة إلى أخرى وفقا لقانون مل دولة، فقد يجعلك القانون صاحب الكنز، أو يمنحك مكافأة، أو يلزمك بتسليمه للدولة، وقد تتحول محاولة الاحتفاظ به في بعض الحالات من «ضربة حظ» إلى جريمة.
بريطانيا.. مهلة 14 يومًا فقط للإبلاغ
في إنجلترا وويلز، يوجد نظام واضح وقانون للتعامل مع ما يصنف قانونًا باعتباره كنز- Treasure. على من يجد الكنز الإبلاغ خلال 14 يومًا من العثور عليه أو من اللحظة التي أدرك فيها أن المكتشف قد يكون كنزًا. وعدم الإبلاغ قد يؤدي إلى غرامة غير محدودة أو الحبس لمدة تصل إلى ثلاثة أشهر.
وبموجب Treasure Act، تؤول ملكية الأشياء التي ينطبق عليها تعريف «الكنز» إلى التاج/ الملكي، مع الحفاظ على بعض الحقوق السابقة، ومنها حقوق المالك الأصلي أو ورثته. وإذا أراد متحف الحصول على المكتشف، يتم تقييمه بواسطة لجنة متخصصة، ويمكن أن يحصل الواجد حسن النية ومالك الأرض أو شاغلها على حصة من المكافأة. أما إخفاء المكتشف أو سوء النية فقد يخفض المكافأة أو يلغيها تمامًا.
فرنسا.. امتلاك الأرض لا يعني امتلاك ما تخفيه من آثار
في فرنسا ينص القانون على تراجع حق مالك الأرض عندما ندخل نطاق التراث الأثري. فبالنسبة إلى الممتلكات الأثرية العقارية المكتشفة نتيجة أعمال أثرية أو اكتشاف عَرَضي في الأراضي التي ينطبق عليها النظام القانوني الحديث، تصبح ملكًا للدولة بمجرد اكتشافها، مع حق مالك الأرض في تعويض الضرر الناتج عن وصول السلطات إلى المكتشف. والفكرة هنا شديدة الأهمية: هناك فرق بين ملكية الأرض وملكية التراث الموجود تحتها.
اليونان.. تاريخ تحت كل حجر تقريبًا
ولعل اليونان من أكثر النماذج أهمية والأقرب للمقارنة مع مصر بسبب كثافة التراث الأثري وانتشاره،ويقوم قانون حماية الآثار اليوناني رقم 3028 لسنة 2002 بتنظيم المكتشفات الأثرية ويتيح مكافأة مالية لمن يُبلغ عن أثر، وتُحدد قيمتها وفق أهمية المكتشف ومساهمة الشخص في العثور عليه وإنقاذه.
وإذا وجد شخص الأثر داخل عقار خاص ليس ملكًا له، يمكن تقسيم المكافأة بالتساوي بين الواجد وصاحب العقار أو مستأجره. وفي المقابل، توجد حالات يسقط فيها الحق في المكافأة، مثل بعض المكتشفات داخل المواقع الأثرية المعروفة أو أثناء أعمال تتطلب أصلًا وجود ممثل للجهة الأثرية. أي أن اليونان هي الأخرى تحاول تحويل المواطن الذي يعثر على أثر من خصم محتمل للدولة إلى شريك في حمايته.

الصين.. ما يخرج من باطن الأرض للدولة
ويعد النموذج الصيني أكثر حسمًا في حماية الآثار. حيث ينص قانون حماية الآثار الثقافية الصيني ينص على أن الآثار الموجودة تحت الأرض داخل الصين مملوكة للدولة، كما تعد المكتشفات الأثرية المنقولة المستخرجة من باطن الأرض ملكًا للدولة، مع استثناءات يقررها القانون.
والأوضح أن التعديل الحديث للقانون يحدد ماذا يفعل المواطن نفسه: إذا عثر شخص أثناء البناء أو النشاط الزراعي على أثر أو شيء يشتبه في كونه أثرًا، فعليه حماية الموقع أولا ثم إبلاغ الإدارة المحلية المختصة فورًا، والتي يتعين عليها الوصول إلى الموقع خلال 24 ساعة واتخاذ قرار بشأن التعامل معه خلال سبعة أيام. ولا يجوز للأفراد اقتسام المكتشفات أو إخفاؤها. لذلك فامتلاك الأرض في الصين لا يجعل التمثال أو العملات الأثرية المدفونة تحتها ملكًا لمالك الأرض.
روسيا.. الدولة تأخذ الأثر لكنها قد تدفع نصف قيمته
بينما تقدم روسيا نموذجًا مختلفًا ومثيرًا للاهتمام فيما يخص العثورعلى الآثار بصفة عامة، حيث تفرق المادة 233 من القانون المدني الروسي بين الكنز العادي والكنز الذي يحتوي على ممتلكات ذات قيمة ثقافية.
فإذا احتوى الكنز على أشياء مصنفة ضمن القيم الثقافية وتعذر تحديد مالكها، تنتقل إلى ملكية الدولة، لكن صاحب الأرض والشخص الذي عثر عليها يستحقان معًا مكافأة تساوي 50% من قيمة الكنز، توزع بينهما بالتساوي ما لم يتفقا على غير ذلك.
أما إذا قام الشخص بالحفر أو البحث عن الكنز دون موافقة مالك العقار، فلا يحصل على نصيبه من المكافأة.
وهنا تظهر فلسفة مختلفة مفادها أن الأثر من حق الدولة، لكن من ساهم في اكتشافه وحمايته له مكافأة اقتصادية مباشرة في الإبلاغ عنه.
أفغانستان.. حتى صاحب الأرض لا يملك الأثر الموجود تحتها
تعد أفغانستان من الدول المهمة في المقارنة، ليس فقط بسبب تاريخها الأثري، وإنما لأنهاتضع حدا حاسماً للأمر يكاد لا يحتمل التأويل.
حيث ينص قانون حماية الممتلكات التاريخية والثقافية على أن الممتلكات التاريخية والثقافية المكتشفة أو المخفية في باطن الأرض ملك للدولة، وأن انتقالها دون تصريح يعد سرقة.

بل تنص المادة التاسعة صراحة على أن مالك الأرض لا يستطيع الاستحواذ على الممتلكات التاريخية والثقافية المدفونة فيها لمجرد أنه يملك الأرض، ولا يحق له التنقيب عنها استنادًا إلى ملكيته للأرض. بل ويلزم من يعثر على ممتلكات تاريخية عقارية، أو مالك الأرض التي اكتشفت فيها، بإبلاغ السلطات؛ وحدد للإبلاغ أسبوعًا في المناطق الحضرية وأسبوعين في المناطق الريفية، كما يسمح بتقديم تعويض معقول لمن يساعد الدولة في اكتشاف الممتلكات التاريخية والثقافية.
مصر: «انزل يا محمد.. عمك لقى آثار»
ربما لا توجد جملة تلخص العلاقة الشعبية المصرية مع فكرة «الكنز المدفون» أكثر من الرسالة الشهيرة التي انتشرت لسنوات بصيغ مختلفة:
“انزل يا محمد.. عمك لقى آثار وعاوزين نصرفها”.
كان انتشار هذه الجملة ليس فقط من باب السخرية، فحتى هذه السخرية لم تأت من فراغ، ولكنها دليل على حجم ما يُستخرج من باطن الأراضي المصرية من آثار، حتى أصبح الأمر معروفا ومنتشرا على نطاق واسع، وليس الأمر من باب المبالغة، فما يتم الكشف عنه أو ضبطه ربما لا يمثل إلا جزء بسيط مما يحدث بالفعل. وهنا يظهر سؤال أهم.
ماذا يحتوي الكنز الذي وجده “محمد” في باطن الأرض؟؟
عادة ما يتم اكتشاف خبيئة أو مقبرة تحتوي على الثماثيل وأواني فخارية وغيرها من الأمتعة، لكن ربما لا نذيع سرا حين نقول أن معظم المواقع التي تم العثور عليها لا تخلو من الذهب، سواء كان في شكل حلي أو تماثيل أو أواني. حتى أصبحت عملية الحفر بحثا عن الآثار تحت المنازل في مناطق معينة ظاهرة تكاد تتكرر يوميا، وتتكرر عمليات طرح بعض القطع الأثرية للبيع أو ضبط عمليات تهريب للآثار.
وهنا يأتي السؤال.. ماذا يقول القانون المصري في كل حالة من هذه الحالات.. أو بمني آخر.. ما التصرف السليم الذي يجب على محمد فعله إذا تلقى رسالة من أهله في البلد ؟
إذا وجدت صندوقًا من الذهب
إذا كان الموجود سبائك أو جنيهات أو مجوهرات غير أثرية مخبأة، فنحن لسنا بالضرورة أمام أثر أو منجم ذهب. وفي القانون المصري تنص المادة 872 من القانون المدني المصري على أن الكنز المدفون أو المخبوء الذي لا يستطيع أحد إثبات ملكيته له يكون لمالك العقار الذي وجد فيه. ولكن إذا ظهر المالك السابق أو ورثته واستطاعوا إثبات أن الذهب ملكهم، تغير الوضع تمامًا.
وإذا كان ما وجدته أثرًا؟
هنا يتغير الوضع لنصبح أمام قانون حماية الآثار المصري يلزم من يعثر مصادفة على أثر منقول أو جزء من أثر ثابت بإبلاغ أقرب سلطة إدارية خلال 48 ساعة والمحافظة عليه إلى أن تتسلمه الجهة المختصة. ولدلك لا يصبح الأثر ملكًا لصاحب الأرض لمجرد ظهوره داخل ملكيته الخاصة.

والفارق الجوهري هنا بين شخص عثر على أثر أثناء الحفر العادي، وبين شخص حفر بحثًا عن الآثار؛ فالأول أمام اكتشاف عَرَضي يجب الإبلاغ عنه، أما الثاني فيدخل في نطاق التنقيب غير المرخص وما يرتبط به من عقوبات. “وهنا تصبح «انزل يا محمد»محاولة توريط له في حريمة يعاقب عليها القانون”.
ماذا لو كان الذهب داخل الصخر- في الجبل- في الأرض؟
إذا كانت الأرض ملك للشخص بعقود مسجلة
في مايو 2026 صدر قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 1440 لسنة 2026 بتعديل اللائحة التنفيذية لقانون الثروة المعدنية. كما أن قانون الثروة المعدنية يعطي لمالك الأرض بعقد مسجل حق طلب ترخيص للبحث أو الاستغلال عن الخامات الموجودة في أرضه متى استوفى الشروط الفنية والمالية، مع إعفائه من الإيجار وأدائه الإتاوة المقررة. لكن هذا لا يعني أن صاحب الأرض يستطيع أن يبدأ البحث عن الذهب في اليوم التالي. فملكية الأرض تمنحه الحق في طلب الترخيص، لا الحق في التعدين دون ترخيص. كما أن هذا النظام يتعلق بالثروة المعدنية الطبيعية: خام الذهب الموجود في الصخور والتكوينات الجيولوجية، وليس بصندوق سبائك دفنه شخص منذ خمسين عامًا، ولا بتمثال ذهبي يعود إلى عصور مصر القديمة.
وهكذا يميز القانون المصري بين ثلاثة أنواع مختلفة تمامًا من «الذهب تحت البيت»:
صندوق ذهب مخبوء غير أثري : قد يكون لمالك العقار إذا لم يستطع أحد إثبات ملكيته. وهنا يتم التمييز بين اللقطة والركاز
ذهب خام داخل الصخور : ثروة معدنية يمكن لمالك الأرض طلب ترخيص للبحث عنها واستغلالها وفق القانون.
ذهب أو حلي أو عملات ثبتت أثريتها : تدخل في نطاق قانون حماية الآثار ولا تتحول إلى ملكية خاصة لمجرد العثور عليها داخل الأرض.
موقف الشريعة
في فتوى لدار الإفتاء المصرية عن التنقيب عن الذهب في الصخور، تم التفريق عمليًا بين الذهب الموجود كخامة طبيعية وبين المال المدفون. وكانت الفتوى القديمة تقول إن استخراج الذهب من الصخور دون حق أو ترخيص مخالف للقانون، وتعتبر المعادن الموجودة في باطن الأرض من الموارد التي ينظم ولي الأمر استغلالها.
والقرار الجديد لا يهدم المبدأ؛ هو فقط فتح طريقًا قانونيًا جديدًا لمالك الأرض للحصول على الترخيص.
أما الآثار، فدار الإفتاء أكثر وضوحًا: حتى وجودها في أرض يملكها الشخص لا يعطيه حق بيعها أو التصرف فيها؛ لأنها تخضع لتنظيم الدولة والمصلحة العامة.
| ماذا وجدت تحت أرضك؟ | التوصيف | ماذا تفعل؟ |
|---|---|---|
| سبائك/نقود ذهبية حديثة مخبأة | كنز أو مال مخبوء | نبحث عن المالك؛ وإذا تعذر إثبات ملكية أحد له تدخل المادة 872 |
| ذهب داخل الصخور والتكوين الجيولوجي | ثروة معدنية | لا تستخرجه بنفسك؛ تستطيع كمالك أرض مسجلة طلب ترخيص، وإذا كانت الأرض مشاعا فاستخراجه بدون علم الدولة غير جائز. |
| تمثال/حلي/عملات أثرية | أثر | الإبلاغ؛ ولا تصبح ملكًا لك لمجرد ملكيتك للأرض |
| محفظة/ذهب ضائع لشخص | لقطة | البحث عن صاحبها والإبلاغ وفق القواعد المنظمة. |
هنا تحتاج جملة «عمك لقى دهب» إلى رد مناسب من محمد بسؤال:
«ما هو شكل الذهب؟ سبائك؟ ولا عِرق دهب في الصخر؟ ولا آثار؟»
لأن إجابة السؤال وحدها قد تحدد هل عم محمد صاحب كنز، أم صاحب طلب ترخيص تعدين، أم واجب عليه إبلاغ الآثار.
لقراءة المزيد:
بعد عام من تعثر مفاوضات البرامية: مصفاة الذهب السعودية تنافس على 5 مناطق للتنقيب في مصر
خبراء يطالبون بالاهتمام بثروة مصر المنسية من الأحجار الكريمة
8 عوامل تحدد قيمة المصنعية لجرام الذهب.. اعرفها قبل الفصال في الشراء..!
إطلاق المنتدى الدولي للمعادن والاحجار الثمينة ضمن توصيات ختام Ecominex- 2026
استكشافات جديدة تؤكد وجود 380 موقعا لتعدين الذهب منهاً 120 موقعا تاريخياً


