خلال الجلسة الافتتاحية للمنتدى الدولي للمعادن والأحجار الثمينة دار حوار مباشر بين ممثلي قطاع الذهب والمجوهرات والجهات الضريبية والتنظيمية، في محاولة للبحث عن حلول عملية للتحديات التي تواجه القطاع، وفي مقدمتها الشمول المالي، والفاتورة الإلكترونية، والضرائب، وطبيعة التعامل مع الذهب باعتباره مخزنًا للقيمة وليس مجرد سلعة تجارية. في وجود ممثلي القطاع ومستشار رئيس مصلحة الضرائب المصرية الدكتور رجب محروس.
وشهدت المناقشات طرح عدد من القضايا التي وصفها المشاركون بأنها تمثل عوائق أمام نمو القطاع وتحقيق رؤية الدولة لتحويل مصر إلى مركز إقليمي لتجارة وصناعة الذهب.
تحديات التعاملات اليومية في سوق الذهب
أكد المهندس هاني ميلاد، رئيس شعبة الذهب والمجوهرات بالاتحاد العام للغرف التجارية، أن قطاع الذهب يختلف بطبيعته عن معظم الأنشطة الاقتصادية الأخرى، موضحًا أن التعاملات داخل السوق تعتمد على الوزن وليس على القيمة النقدية المتغيرة للذهب.
وقال إن الذهب يمثل وعاءً ادخاريًا ومخزنًا للقيمة، بينما تتركز أرباح التجار والمصنعين في المصنعية والتشغيل فقط، وهو ما يجعل تطبيق بعض المفاهيم الضريبية التقليدية على القطاع يمثل عبئًا كبيرًا على رأس المال العامل.
وأشار إلى أن الرسوم المفروضة على عمليات السداد الإلكتروني تمثل تحديًا إضافيًا أمام جهود تعزيز الشمول المالي، حيث تتجاوز أحيانًا هامش الربح الحقيقي للتاجر، مما يدفع بعض المتعاملين إلى تفضيل النقد على وسائل الدفع الإلكترونية.

وأضاف أن شركات الذهب تواجه أيضًا تحديات مرتبطة بحدود السحب والإيداع البنكي، موضحًا أن التاجر قد يبيع كيلو ذهب وتدخل قيمة الصفقة إلى حسابه البنكي، لكنه لا يستطيع سحب المبلغ أو إعادة تدويره بالسرعة المطلوبة لشراء خام جديد وتعويض الوزن المباع في نفس اليوم كما هو متبع، وهو ما يؤثر على السيولة داخل السوق.
وفي ملف الضرائب، أوضح هاني ميلاد أن أحد أبرز الإشكاليات يتمثل في النظر إلى الذهب كسلعة تقليدية، في حين أن الواقع العملي يفرض التعامل معه كمخزن للقيمة، حيث يتم التداول بين التجار وفق الوزن وليس وفق السعر المتغير للجرام.
وأشار إلى أن بعض الرسوم والضرائب، ومنها الضريبة التكافلية المقدرة بنسبة 2.5 في الألف، يتم احتسابها على إجمالي قيمة المعاملات “إجمالي قيمة رأس المال”، رغم أن هامش الربح الحقيقي لا يمثل سوى جزء محدود من هذه القيمة، وهو ما يؤدي إلى تآكل جزء من رأس المال نفسه وليس الأرباح فقط.

الذهب عملة نقدية وليس سلعة عادية
وهو ما أكده الدكتور سامح الترجمان رئيس شركة إيفولف للاستثمار، ورئيس أحد صناديق الاستثمار في الذهب، حيث أشار إلى أن الذهب لا يعتبر سلعة عادية، بل هو مخزن للقيمة يُعامل على مستوى العالم بنفس معاملة “العملات النقدية” وتتعرض أسعاره عالميا لتغيرات حادة تحتاج إلى مرونة كبيرة.
مؤكدا أن قيمة الضريبة التكافلية التي تفرض على رأس مال الشركات تؤدي إلى تآكل رأس المال واستمرارها يعني تحقيق خسائر في الأصول وليس في الأرباح فقط، فتجارة الذهب سواء كمشغولات أو تداول لا يمكن أن تحقق نسب ربح مرتفعة كما يحدث مع سلع أو منتجات أخرى قد تبلغ نسب ربحيتها ٢٠٪، ٤٠٪، بينما الذهب محكوم بسعر شاشة عالمية، وأي زيادة على السعر المعلن عن الشاشة غير مقبولة من ناحية المتداولين، وبالتالي فأرباح الذهب تكون في المصنعية بالنسبة للمشغولات ورسوم الخدمة في صناديق الاستثمار.
مضيفا أن الدولة يجب أن تكون لديها هدف واضح وإرادة فعلية لتعديل الأوضاع والتشريعات إذا كانت جادة في تحويل مصر لمركز عالمي في هذا القطاع، حيث يتطلب ذلك وجود بنية تحتية وتشريعية تسمح بتداول عشرات ومئات المليارات بصفة يومية. مشيرا إلى أن السوق بحجمه وآليات عمله الحالية لا يتحمل تداول مليار دولار يوميا.

تحديات التصدير: استقطاع الضريبة يؤدي لتجميد رأس المال
ومن جانبه، استعرض المهندس أسامة الجلا، سكرتير عام شعبة الذهب والمجوهرات وأحد المصنعين، تحديات التصدير، مشيرًا إلى أن تحصيل ضريبة القيمة المضافة مقدمًا على الشحنات المصدرة للخارج أثناء عملية الدمغ بمعرفة مصلحة دمغ المصوغات والموازين، مما يؤدي إلى تجميد جزء من السيولة لفترات طويلة لحين استردادها.
واقترح الجلا دراسة آلية تسمح بإتمام الفحص والإجراءات الرقابية داخل مصلحة الدمغ المصوغات والموازين ثم انتقال الشحنات مباشرة إلى الجمارك بأختام مخصصة للتصدير لضمان عدم دخولها للسوق المصري، دون الحاجة إلى تحصيل الضريبة واستردادها لاحقًا، بما يساهم في تسريع دورة رأس المال وتحفيز الصادرات.

مستشار رئيس مصلحة الضرائب:
المصلحة حريصة على دعم القطاع والتعاون للوصول لحلول متوازنة
في المقابل، أكد الدكتور رجب محروس، مستشار رئيس مصلحة الضرائب المصرية، أن المصلحة حريصة على دعم القطاع والعمل بالتعاون مع ممثليه للوصول إلى حلول تحقق التوازن بين حق الدولة وحق المستثمر والتاجر.
وأوضح أن الحوار بين مصلحة الضرائب وشعبة الذهب مستمر منذ سنوات، وأن العديد من القضايا شهدت بالفعل تقدماً ملحوظاً، خاصة فيما يتعلق بآليات احتساب ضريبة القيمة المضافة على المصنعية بدلاً من كامل قيمة الخام.
وأشار إلى أن تطبيق منظومة الفاتورة الإلكترونية يمثل جزءًا من رؤية الدولة للتحول الرقمي، لكنه أقر بوجود خصوصية لقطاع الذهب تستوجب تطوير آليات التطبيق بما يتناسب مع طبيعة النشاط.
وأوضح أن الفاتورة في قطاع الذهب لا تمثل مجرد مستند بيع، بل أصبحت وثيقة ملكية أساسية يعتمد عليها المستهلك والتاجر في إعادة بيع المشغولات الذهبية، وهو ما يمنحها أهمية خاصة داخل المنظومة.
وأضاف أن المصلحة نجحت بالتعاون مع ممثلي القطاع في التوصل إلى تفاهمات بشأن تحويل البيانات المالية إلى بيانات مرتبطة بالأوزان والكميات المتداولة، بما يساعد على تحقيق قدر أكبر من العدالة في المحاسبة الضريبية.
كما تطرق إلى ملف الضريبة التكافلية، موضحًا أن مصلحة الضرائب ليست الجهة التي وضعت هذه الضريبة، وإنما تقوم بتحصيلها وفقًا للقانون باعتباره جزءًا من منظومة تمويل التأمين الصحي الشامل.

وأكد دكتور رجب محروس أن وزارة المالية تدرك التحديات المرتبطة بهذا الملف، وأن هناك مناقشات مستمرة ومقترحات تشريعية تهدف إلى معالجة الآثار السلبية التي قد تنتج عن تطبيقه على بعض القطاعات ذات الطبيعة الخاصة، ومن بينها قطاع الذهب. خاصة بعد إعداد دراسة من قبل المصلحة أكدت أن هذه الضريبة ستؤدي لتآكل أصل رأس المال العامل للشركات، والالتزام بسدادها سيمثل خسارة كبيرة للشركات، وعدم سدادها سيؤدي أيضا لمشاكل كبيرة للممولين، لذلك تعمل المصلحة على تعديل هذا الأمر تشريعياً.
وشدد محروس على أن نجاح أي إصلاح ضريبي أو تنظيمي يتطلب استمرار الحوار بين الدولة ومجتمع الأعمال، مع ضرورة الالتزام بالفاتورة الإلكترونية باعتبارها أداة أساسية لتحقيق الشفافية والشمول المالي.
واتفق المشاركون في نهاية المناقشات على أن مستقبل القطاع يتطلب إعادة النظر في عدد من المفاهيم التقليدية، وفي مقدمتها طريقة توصيف الذهب داخل المنظومة الاقتصادية، بما يضمن وضع تشريعات أكثر ملاءمة لطبيعة النشاط، ويساعد على تحقيق مستهدفات الدولة في زيادة الاستثمارات والصادرات وجذب رؤوس الأموال إلى قطاع يعد من أكثر القطاعات قدرة على تحقيق قيمة مضافة سريعة للاقتصاد المصري.
وفي نهاية الجلسة أوصى الحضور بضرورة عقد جلسة تجمع بين ممثلي الجهات المعنية بهذه القضايا مثل ممثلي القطاع المصرفي وفي مقدمتهم البنك المركزي، وممثلي الرقابة المالية ومصلحة الضرائب والجهات التشريعية والاستثمار والتموين، للاستماع للتحديات التي طرحت والتوافق حول خطة مناسبة لوضع حلول جذرية لها ضمن رؤية أوسع لتطوير القطاع.
إقرأ أيضا:
شعبة الذهب تطالب بدعم صادرات المشغولات المصرية
إطلاق المنتدى الدولي للمعادن والاحجار الثمينة ضمن توصيات ختام Ecominex- 2026
خبراء يطالبون بالاهتمام بثروة مصر المنسية من الأحجار الكريمة



