تشهد سوق المجوهرات الراقية تحولًا لافتًا في سلوك المستهلكين، مع صعود جيل Z كقوة مؤثرة في قرارات الشراء، بالتزامن مع تنامي الإقبال على مجوهرات الأحجار الكريمة الملونة، التي أصبحت تمنح المصممين وتجار التجزئة مساحة أوسع لمخاطبة جيل يبحث عن الاختلاف والتعبير عن الذات، بدلًا من الالتزام بالقواعد التقليدية للمجوهرات الفاخرة.
ووفقًا لما نشرته مجلة National Jeweler، ارتفعت مبيعات مجوهرات الأحجار الكريمة الملونة بنسبة 18% مقارنة بعام 2025، بحسب بيانات The Edge Retail Academy، وهو ما يعكس فرصة متنامية أمام تجار المجوهرات، خصوصًا مع دخول المستهلكين الأصغر سنًا بقوة إلى سوق المجوهرات الفاخرة.
لكن الوصول إلى جيل Z لا يتطلب مجرد زيادة عدد الأحجار الملونة داخل واجهات العرض؛ إذ يرى خبراء القطاع أن طريقة تقديم الحجر وشرح قصته والتواصل مع العميل أصبحت عوامل لا تقل أهمية عن قيمة الحجر نفسه.
وهنا نستعرض مجموعة من الرؤى التي قدمها ثلاثة متخصصين في التعامل مع جيل Z، حول كيفية عرض الأحجار الملونة وشرحها وبيعها لهذه الفئة التي تتميز بأنها رقمية أولًا، لكنها في الوقت نفسه تبحث عن تجربة شراء شخصية وموثوقة.

التفرد.. كلمة السر لدى جيل Z
تقول أودري ويليس (Audrey Willis)، الشريكة التشغيلية في Willis Fine Jewelry بولاية تكساس الأمريكية، إن عملاء جيل Z يريدون قطعة تكون «خاصة بهم» وترتبط بشخصياتهم، مشيرة إلى أنهم لا يتعاملون مع المجوهرات الماسية بالطريقة نفسها التي تعاملت بها الأجيال السابقة.
وتمنح الأحجار الملونة العميل مساحة أكبر للتفرد، لأن الطبيعة لا تنتج حجرين متطابقين تمامًا، حتى إذا كانا من النوع نفسه؛ فهناك اختلافات في اللون ودرجة التشبع والشكل والقطع والخصائص الطبيعية.
وتتفق جوليا شافي (Julia Chafé)، مصممة المجوهرات وصانعة المحتوى، مع هذا الاتجاه، موضحة أن جيل Z يريد أن يكون مختلفًا عن الآخرين، وأن هناك شريحة من الشباب تبتعد عن الأحجار البيضاء، ومنها الماس، رغبة في تجنب أن تبدو قطعهم متشابهة أو أن يتم الخلط بينها وبين المجوهرات المرصعة بالألماس المصنع في المختبر.
ولهذا، فإن تقديم الحجر لهذا الجيل يجب ألا يبدأ بالضرورة من الحديث عن النقاء والقيراط، وإنما من خصائص أكثر ارتباطًا بالهوية الشخصية؛ مثل: ما اللون الذي يجذب العميل؟ وما درجة تشبعه؟ وما شكل الحجر؟ وما الذي يجعله مختلفًا؟
وتصبح مهمة البائع هنا مساعدة العميل على اكتشاف هوية الحجر بدلًا من الاكتفاء بعرض مواصفاته الفنية.

من «قيمة الحجر» إلى «قيمة المعنى»
لا يتوقف الأمر عند الشكل واللون؛ فجِيل Z معروف أيضًا باهتمامه بأن تتوافق مشترياته مع قيمه الشخصية. حيث ترى ويليس أن الهدف من عملية البيع هو خلق ارتباط بين الحجر والعميل، لأن المجوهرات الشخصية بالنسبة إلى هذا الجيل تعكس الطاقة والذوق والشخصية والأسلوب.
وهنا يمكن لتاجر المجوهرات الاستفادة من التاريخ والحكايات المرتبطة بالأحجار الكريمة، إذ تزخر الثقافات المختلفة بقصص ومعتقدات قديمة حول خصائص بعض الأحجار ومعانيها.
فعند عرض قطعة مرصعة بالأكوامارين، على سبيل المثال، يمكن تقديم خلفية عن المعاني التي ارتبطت به تاريخيًا، وكذلك يمكن الحديث عن المكانة الرمزية التي حظي بها الجمشت عبر فترات مختلفة. لكن الجانب الأهم بالنسبة إلى هذا الجيل يتمثل في الشفافية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمصدر الحجر.
ويقول برادي كولينز (Brady Collins)، مدير العمليات في Kimberly Collins Gems، إن التاجر إذا لم يكن قادرًا على تتبع الحجر حتى منجم محدد، فعليه أن يكون صريحًا بشأن ذلك، وأن يقدم بدلًا منه المعلومات التي يعرفها بالفعل، مثل المنطقة التي جاء منها الحجر، ومن قام بقطعه، وما الذي يفسر مظهره.
فالادعاء الذي لا يمكن إثباته قد يكون أخطر من الاعتراف بعدم معرفة المعلومة، لأن العميل الشاب يستطيع التحقق من المعلومات بنفسه.

لا تحصر العرض في الياقوت والزمرد والياقوت الأزرق
رغم استمرار المكانة القوية للأحجار الكريمة التقليدية، مثل الياقوت والزمرد والياقوت الأزرق، يرى الخبراء أن جيل Z أكثر استعدادًا لتجربة أحجار جديدة وغير مألوفة.
وتقول شافي إن هذا الجيل «متحمس للتعرف على أحجار جديدة»، ولا يشعر بأنه ملزم بالاختيار من مجموعة محدودة من الأحجار التقليدية.
ويؤكد كولينز ضرورة ألا يركز التجار فقط على ما يعرف باسم «الثلاثة الكبار»، بل عليهم التفكير في تقديم أحجار مثل الإسبنيل والجارنت والتورمالين، لأنها تسمح بتقديم ألوان قوية وجذابة عند مستويات سعرية يمكن أن تكون أكثر واقعية بالنسبة إلى المشترين الأصغر سنًا.
فالقطعة التي يستطيع العميل شراءها قد تكون أكثر قيمة تجاريًا من قطعة شديدة الندرة لا يستطيع سوى الإعجاب بها.
وفي الوقت نفسه، ينصح كولينز بعرض الأحجار غير المعتادة والنادرة، مثل البارايبا والبادبارادشا والألكسندريت والياقوت متعدد الألوان (Parti Sapphire)، لأنها تمنح المشتري قصة مميزة يرويها للآخرين.
ويقول إن الحجر الذي يمنح صاحبه شيئًا يشرحه لصديقه قد لا يحتاج إلى عملية بيع تقليدية طويلة، لأن قصته وتميزه يصبحان جزءًا من عملية البيع نفسها.
واجهات العرض تحتاج إلى إعادة التفكير
ومن أبرز الأفكار التي يطرحها الخبراء إعادة النظر في طريقة تنظيم المجوهرات داخل المتاجر.
فالتصنيف التقليدي يضع الأحجار حسب نوعها: الياقوت مع الياقوت، والزمرد مع الزمرد، والتورمالين مع التورمالين.
لكن كولينز يقترح التفكير في العرض من وجهة نظر العميل، وليس من وجهة نظر التاجر، عبر إنشاء «قصص لونية» تجمع قطعًا مختلفة تشترك في لون أو إحساس بصري معين.
فالواجهة المنظمة حسب نوع الحجر قد تكون مفهومة بالنسبة إلى موظف المجوهرات، بينما الواجهة المنظمة حسب اللون قد تكون أكثر قدرة على جذب العميل الشاب الذي يمر أمام المتجر.
وبذلك يصبح اللون نقطة الدخول إلى تجربة المجوهرات، ثم تأتي المعلومات الخاصة بنوع الحجر ومصدره وخصائصه بعد ذلك.

التصميم المختلف يجذب جيل Z … تصميمات لا تشبه الجميع
بما أن جيل Z يبحث عن التفرد، فإن التصميم نفسه يلعب دورًا أساسيًا في جذب اهتمامه.
وتشير شافي إلى أن هذه الفئة تحب مزج الأشكال والألوان وكل ما يبدو مختلفًا، وهو ما يمنح المصممين مساحة كبيرة لتقديم تصاميم تتجاوز الأقراط التقليدية أو القلادات البسيطة.
كما يزداد تقبل التصاميم التي تجمع بين ألوان لم تكن تجتمع عادة في المجوهرات الكلاسيكية، أو التي تعتمد على أقراط غير متطابقة، وتكديس الخواتم، ودمج أشكال مختلفة داخل الإطلالة الواحدة.
ويرى كولينز أن اللون بالنسبة إلى هذا الجيل ليس مجرد صيحة مؤقتة، بل أصبح جزءًا أساسيًا من طريقة تعبيره عن نفسه. فالمستهلك الشاب لا يبحث بالضرورة عن طقم متكامل ومتطابق، بل قد يفضل بناء مجموعة تبدو وكأنها تمثل شخصيته، حتى لو جمعت قطعًا مختلفة في اللون والشكل
المجوهرات المصممة خصيصًا.. تحويل العلاقة إلى قطعة فريدة
وتوفر المجوهرات المصممة حسب الطلب فرصة إضافية للوصول إلى هذه الفئة، لأنها تسمح للعميل بالمشاركة في تكوين القطعة وربطها بقصة شخصية.
وتستشهد ويليس بتجربة تعاملت خلالها مع زوجين من جيل Z، أحدهما مؤلف موسيقي والآخر موسيقي، حيث ساعدت دار المجوهرات في تصميم خاتم خاص لطلب الزواج.
وجاء الخاتم بحجر مركزي من ياقوت مونتانا، مع أحجار جانبية من الماس البني الطبيعي، ليصبح التصميم انعكاسًا لطبيعة العلاقة بين صاحبيه، وليس مجرد قطعة تقليدية للزواج.
وهذه النوعية من التصميمات تتوافق مع رغبة الجيل الجديد في امتلاك مجوهرات تحمل معنى شخصيًا يصعب تكراره.

العميل الشاب يدخل المتجر وهو يعرف ماذا يريد
أدى الانتشار الهائل للمعلومات الرقمية إلى تغيير العلاقة بين العميل وبائع المجوهرات.
وتقول شافي إن هؤلاء المتسوقين يحبون المحتوى التعليمي ويريدون معرفة ما يشترونه، ولذلك يجب ألا يتوقف التواصل عند المتجر، بل يبدأ قبل زيارة المتجر من خلال الموقع الإلكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي والمحتوى التعليمي.
ويشير كولينز إلى أن العميل قد يصل إلى المتجر بعد ساعات من البحث عبر الإنترنت، أو بعد مشاهدة صور على Pinterest، أو بعد طرح مجموعة من الأسئلة على أدوات الذكاء الاصطناعي.
وقد لا يأتي العميل ليسأل عن «حجر ملون» بشكل عام، بل قد يدخل وهو يبحث تحديدًا عن بارايبا برازيلي أو جارنت ماندرين، وقد يسأل أيضًا عن بلد المنشأ، مثل سريلانكا أو مدغشقر أو فيتنام.
ولهذا، فإن موظف المبيعات الذي لا يمتلك المعرفة الكافية بالأحجار قد يخسر العميل قبل الوصول إلى مرحلة التفاوض على السعر.
فالمستهلك الجديد لا يريد من البائع أن يكون مجرد شخص يعرض القطعة، وإنما يريد خبيرًا يستطيع الإجابة عن أسئلته وبناء الثقة معه.
التعليم يتحول إلى أداة بيع
لم يعد المحتوى التعليمي مجرد وسيلة لبناء المتابعين على مواقع التواصل الاجتماعي، بل أصبح جزءًا من استراتيجية البيع نفسها.
ويمكن لتجار المجوهرات استخدام مواقعهم الإلكترونية وحساباتهم الرقمية لشرح الفروق بين الأحجار، وطرق القطع، ومصادرها، ودرجات الألوان، وأسباب اختلاف الأسعار.
كما يمكن استثمار الفيديوهات القصيرة والمحتوى المرئي في إظهار الحجر من زوايا متعددة وشرح خصائصه بطريقة مبسطة.
وبالنسبة إلى جيل نشأ وسط وفرة هائلة من المعلومات، فإن تقديم معلومة دقيقة وقابلة للتحقق يمكن أن يكون عاملًا حاسمًا في بناء الثقة وإتمام عملية الشراء.
«اجعل تجربة شراء المجوهرات ممتعة ».. الفخامة تصبح أكثر مرحًا
لا يبحث جيل Z عن المعلومات فقط، بل يستمتع أيضًا بعملية الاكتشاف نفسها.
ولهذا يمكن أن تتحول تجربة شراء الأحجار الملونة إلى رحلة تفاعلية، يكتشف خلالها العميل درجات مختلفة من الألوان والأشكال والأحجار، ويجرب القطع، ويتعرف على خصائصها وقصصها.
وترى ويليس أن المجوهرات الملونة تجمع بين الشخصية والتفرد والارتباط العاطفي، وأن التعامل معها يمكن أن يكون أكثر مرحًا وأقل رسمية من الصورة التقليدية للمجوهرات الفاخرة.
كما ينصح كولينز بإبراز الأحجار ذات الألوان القوية والحيوية، مشيرًا إلى أن بعض عملاء جيل Z قد يفضلون حجرًا صغيرًا يتمتع بلون قوي وواضح على حجر أكبر لكنه أقل إثارة
وهذا يعكس تحولًا مهمًا في معايير الجاذبية: الحجم ليس دائمًا هو العامل الحاسم، فاللون والحيوية والشخصية قد تتفوق عليه.

فى النهاية.. جيل جديد يعيد تعريف «المجوهرات الفاخرة»
تكشف هذه التحولات أن المنافسة على جيل Z لا تتعلق فقط بنوع الحجر أو قيمة القطعة، وإنما بالقدرة على تقديم تجربة كاملة تبدأ من الصورة والمحتوى الرقمي، وتمر بالتعليم والشفافية داخل المتجر، وتنتهي بقطعة يشعر العميل بأنها تعبر عنه.
وبالنسبة إلى تجار التجزئة، فإن الرسالة الأهم هي ضرورة توسيع خيارات الأحجار الملونة، وعدم الاقتصار على الياقوت والزمرد والياقوت الأزرق، إلى جانب تقديم تصميمات أكثر جرأة وخيارات مخصصة، وتنظيم واجهات العرض بطريقة تعتمد على اللون والتجربة البصرية.
أما في عملية البيع نفسها، فيوصي الخبراء بالابتعاد عن التركيز المفرط على «قيمة الاستثمار» عند مخاطبة هذه الفئة، والتركيز بدلًا من ذلك على المتعة، والمعنى، والتفرد، وخصائص الحجر وقصته. وبذلك، لا يصبح الحجر الكريم مجرد قطعة ذات قيمة مالية، بل وسيلة للتعبير عن الهوية.
وفي النهاية، تلخص ويليس رؤيتها بأن الحديث مع هذا الجيل يجب أن ينتقل من جدية المجوهرات التقليدية إلى الفرح والمعنى والخصائص الفريدة للحجر، بينما ترى شافي أن سرد قصة المجوهرات لا يحتاج إلى أن يكون رسميًا أو معقدًا حتى ينجح في بيع القطع الفاخرة.
أما كولينز، فيلخص التحول بجملة أكثر حدة: ليس مطلوبًا من تاجر المجوهرات أن يفهم بالضرورة لماذا يريد شاب في الخامسة والعشرين حجر ياقوت ثنائي اللون، وإنما المطلوب ببساطة أن يكون لديه هذا الحجر عندما يأتي العميل ويطلبه.
وتكشف هذه الرؤية في مجملها أن سوق المجوهرات أمام جيل جديد لا يريد بالضرورة امتلاك ما يمتلكه الجميع، وإنما يريد قطعة لها لونها الخاص، وشخصيتها، وقصتها، وهو ما قد يجعل الأحجار الملونة واحدة من أبرز ساحات المنافسة على المستهلك الشاب خلال السنوات المقبلة.
لقراءة المزيد:
مقر جديد ل GIA بكناري وارف لندن لتعليم فنون الاحجار الكريمة
18 شركة ماس في أنتويرب ترد الجميل لبوتسوانا بحملة لشراء الأدوية الأساسية
ممر جديد لتجارة الماس بين دبي وبوتسوانا لنقل الإنتاج الأفريقي إلى الأسواق العالمية
GIA يستحوذ على 30% من منصة Tracr- De Beers لتعزيز شفافية تتبع الماس عالميًا



