وقع في جنوب أفريقيا حادث قرب روستنبرج في إقليم نورث ويست، حيث انهارت مخلفات/منطقة منجم مهجور كان يعمل فيها عمال -Zama Zama-يعملون بالتعدين الحرفي غير المنظم وبصورة غير قانونية بحثًا عن معادن مجموعة البلاتين. ونتج عن الحادث وفاة 14 شخصًا وإصابة 8 آخرين، فيما استمرت عمليات البحث لاحتمال وجود عالقين آخرين، على أرض مملوكة لشركة خاصة، وذلك ليلة 10 أغسطس.
ويكشف هذا الحادث عن العديد من التحديات التي تواجه الدول فيما يخص التعدين الحرفي، حيث لا تقتصر المشكلة على استكشاف المعادن الثمينة في الصحراء، بل تمتد إلى البحث عن بقايا المعادن الثمينة في المناجم التي تم إغلاقها بعد توقف العمل بها نتيجة استنفاذ المخزون.
فما تعتبره شركات التعدين الكبرى استنفاذًا للمخزون، وتراجع كميات الإنتاج التجاري، يعد بالنسبة لآخرين مصدرًا هائلًا من مصادر الربح الذي يستحق المغامرة من أجل الحصول عليه، فيتوجه عمال التعدين الحرفي إلى مواقع المناجم القديمة بحثًا عن بعض الكميات المهملة من الخام.
ويكشف الحادث الأخير أيضًا عن توجه جديد، حيث لم يعد الذهب وحده هو المقصد لجماعات التعدين الحرفي، بل امتد الأمر إلى مناجم البلاتين المغلقة، حيث كشفت تقارير صحفية عن وقوع الحادث في منجم لاستخراج مجموعة معادن البلاتين حيث تعد روستنبرج من أهم مناطق تعدين البلاتين في جنوب أفريقيا، وليس الذهب كما ذكرت بعض التقارير، مما يشير إلى أن هناك توسعًا في نمو ظاهرة التعدين الحرفي وتغيرًا في توجهاتها بحثًا عن بقايا المعادن الثمينة في المناجم المهجورة.
ويأتي هذا الحادث بعد أقل من عامين على وقوع حادث ستيلفونتين (2024-2025)، ويعد أشهر حادث في جنوب أفريقيا. حيث وقع في منجم Buffelsfontein Gold Mine، والذي كان قد توقف عن الإنتاج عام 2013، وبعد الإغلاق بحوالي 11 عامًا، تحول إلى مركز ضخم لعمال Zama Zama، وفي أزمة 2024-2025 حاصرت الشرطة الموقع ضمن Operation Vala Umgodi، وانتهت الأزمة بانتشال عشرات الجثث وإنقاذ مئات العمال.
زاما زاما.. الوجه الآخر لثروة جنوب أفريقيا المعدنية
يعبر مصطلح زاما زاما – Zama Zama في جنوب أفريقيا عن التعدين الحرفي خارج المسار الرسمي، وزاما يقصد بها المغامرون الذين يعرضون أنفسهم للخطر مقابل استكشاف بعض المعادن، وتنقسم هذه الفئة إلى مجموعتين:
الأولى. هي الحرفيين البسطاء الذين يتحركون بشكل فردي أو في جماعات صغيرة بحثًا عن الخام سواء في الصحراء أو في المناجم المهجورة في جنوب أفريقيا. ويعملون بمعدات بدائية.
أما المجموعة الثانية وهي أكثر تنظيمًا وتعقيدًا في نفس الوقت وارتبطت بعصابات وشبكات إجرامية منظمة تقوم بنشر أفرادها في مواقع التعدين للحصول على الخام ثم بيعه عبر شبكة من الوسطاء، وعرفت هذه العصابات باسم عصابات زاما زاما المسلحة والتي تعد عناصر إجرامية تطاردها القوات الأمنية في جنوب أفريقيا.
جنوب أفريقيا منجم عظيم.. وثروة تتراجع
جنوب أفريقيا ليست دولة تعدين عادية؛ فالتعدين كان أحد أعمدة اقتصادها لعقود، واشتهرت عالميًا خصوصًا بالذهب والبلاتين ومعادن مجموعة البلاتين، إلى جانب الفحم والماس والكروم والمنجنيز وغيرها.
لكن صورة قطاع الذهب تغيرت كثيرًا خلال السنوات الأخيرة. فقد انخفض إنتاج الذهب في جنوب أفريقيا بنحو 80% بين 1993 و 2023، وتراجعت البلاد من موقعها التاريخي كأكبر منتج عالمي للذهب إلى ترتيب يقارب المركز التاسع أو العاشر عالميًا بحلول 2025، مع حصة لا تتجاوز نحو 2% إلى 3% من الإنتاج العالمي.
وفي المقابل، ما زالت جنوب أفريقيا قوة عالمية هائلة في معادن مجموعة البلاتين، وتظل صناعة التعدين بأكملها قطاعًا اقتصاديًا ضخمًا. ويشير مجلس المعادن في جنوب أفريقيا إلى أن أعضاءه يمثلون نحو 90% من إنتاج المعادن في البلاد، في صناعة بلغت قيمتها قرابة تريليون راند في 2024.
وهنا تظهر المفارقة: تراجع التعدين الرسمي لا يعني اختفاء المعدن من الأرض أو من المناجم.
ففي المناجم القديمة، ومخلفات عمليات الاستخراج، والأنفاق التي أغلقتها الشركات، تظل هناك مواد ذات قيمة اقتصادية يمكن استخراجها، وهو ما فتح الباب أمام اقتصاد غير رسمي واسع.

تحديات في مواجهة الحلول
تمتلك جنوب أفريقيا ثروات تعدينية هائلة، وكانت من أوائل الدول الأفريقية التي بدأ فيها نشاط التعدين الصناعي بشكل متوسع من قوات الاحتلال الإنجليزي منذ القرن التاسع عشر، فبدأ بها تعدين الذهب والبلاتين والماس وغيرها من المعادن مبكرًا، ومع استنزاف الثروات خلفت عمليات التعدين ما يقرب من 6000 منجم مهجور وبلا مالك، وتؤكد الباحثون أن جنوب أفريقيا لم تفقد ثروتها المعدنية، لكنها تواجه تحديًا جديدًا: كيف تدير الثروة التي تبقت في المناجم القديمة ومخلفاتها بعد تراجع اقتصاديات التعدين الرسمي؟
ومن هنا تظهر صعوبة التعامل مع هذا الملف بسبب ارتباطه بعدة تحديات متداخلة هي:
أولًا: المناجم المهجورة.
بعد إغلاق بعض المناجم، تبقى مواقع وأنفاق ومخلفات تحتوي على قيمة معدنية، لكنها لا تكون دائمًا مؤمنة أو مراقبة بالقدر الكافي لمنع الدخول إليها.
ثانيًا: الفقر والبطالة.
التعدين غير الرسمي يوفر مصدر دخل لأشخاص لا يجدون فرصًا في الاقتصاد الرسمي، وهو ما يجعل التعامل الأمني وحده غير كافٍ لإنهاء الظاهرة.
ثالثًا: الجريمة المنظمة.
عندما يصبح استخراج الخام جزءًا من شبكة أكبر تضم التمويل والحماية والنقل والمعالجة والتسويق، يتحول الأمر من تعدين غير مرخص إلى اقتصاد إجرامي متكامل.
ولهذا، فإن عمال «زاما زاما» ليسوا جميعًا بالضرورة جزءًا من عصابات منظمة، لكن النشاط نفسه أصبح في مناطق عديدة مرتبطًا بشبكات إجرامية تستغل العمال وتسيطر على الوصول إلى الخام.
وتقدر الحكومة الجنوب أفريقية تكلفة التعدين غير القانوني في الذهب وحده بأكثر من 70 مليار راند سنويًا، وفق تقديرات منشورة على موقعها الرسمي.
محاولة الدولة للسيطرة
جنوب أفريقيا بدأت خلال السنوات الأخيرة في التعامل مع المشكلة باعتبارها قضية تعدين وأمن واقتصاد في الوقت نفسه.
وفي مارس 2026، أجاز الرئيس سيريل رامافوزا نشر 2,200 من أفراد قوات الدفاع الوطني للعمل مع الشرطة في إطار عملية Operation Prosper لمكافحة الجريمة، مع استهداف التعدين غير القانوني في أقاليم بينها Gauteng وFree State وNorth West وWestern Cape وEastern Cape. ويستمر التفويض من مارس 2026 حتى مارس 2027.
وفي يونيو، أسفرت عمليات مكثفة ضمن العملية عن توقيف 1,149 مشتبهًا بهم، ومصادرة معدات مرتبطة بالتعدين غير القانوني، بينها مولدات ومعدات معالجة ومواد حاملة للذهب.
لكن الدولة تدرك في الوقت نفسه أن الحل لا يمكن أن يكون أمنيًا فقط.
فجنوب أفريقيا لديها منذ 2022 سياسة خاصة بالتعدين الحرفي والصغير الحجم تستهدف إضفاء الطابع الرسمي على النشاط الحرفي والصغير، بينما طُرحت في 2026 مبادرات جديدة تربط مكافحة التعدين غير القانوني بإضفاء الطابع الرسمي على التعدين الصغير ومعالجة مشكلات الفقر والمناجم المهجورة.
وهنا تكمن العقدة الحقيقية وتتمحور حول كيف تحول الدولة نشاطًا غير قانوني إلى نشاط تعدين حرفي مرخص، من دون أن تسمح للشبكات الإجرامية بالاستفادة من عملية التقنين؟
سياسة الدولة في غلق المناجم وفقًا للقانون
في جنوب أفريقيا، لا يحق للشركة المالكة للمنجم أن تغلق المنجم وتغادر بهذه البساطة. حيث ينص قانون Mineral and Petroleum Resources Development Act (MPRDA)، على ضرورة التزام الشركة بعدة معايير قبل الإغلاق أهمها:
- إعداد خطة إغلاق (Mine Closure Plan).
- تنفيذ أعمال إعادة التأهيل البيئي (Rehabilitation).
- تأمين فتحات الآبار والأنفاق وإزالة المخاطر.
- مراقبة المياه الجوفية والتلوث بعد الإغلاق.
- تقديم ضمانات مالية لتغطية تكاليف إعادة التأهيل.
لكن المشكلة أن آلاف المناجم القديمة أُغلقت قبل تطبيق هذه الاشتراطات الحديثة، أو أن الشركات المالكة اختفت أو أفلست، فأصبحت الدولة مسؤولة عن ما يسمى: Derelict and Ownerless Mines (D&O Mines).
ويُقدَّر عددها بأكثر من 6000 منجم مهجور أو بلا مالك، وهو أحد أكبر ملفات التعدين في جنوب أفريقيا.
لماذا تستقطب هذه المناجم عمال Zama Zama؟
لأن الإغلاق لا يعني أن الخام انتهى بشكل كامل، ولكنه انتهى بالنسبة للشركات الكبرى ولم تعد الكميات الموجودة تجارية بما يغطي عمليات التشغيل المكلفة، وهذا لا ينفي وجود خام منخفض التركيز بالإضافة إلى مخلفات تعدين (Tailings)، وأعمدة وأنفاق تحتوي على كميات متبقية تمثل هدفًا قيمًا لعمال التعدين غير القانوني.
الذين دخلوا في البداية مناجم الذهب، ثم بدأوا في اقتفاء آثار مناجم معادن البلاتين، وهو ما كشفه الحادث الأخير، حيث كان الضحايا ينقبون في مكب/مخلفات منجم بلاتين مهجور وليس منجم ذهب.
في حين لا تزال مجموعات زاما زاما بعيدة إلى حد ما عن مواقع مناجم الماس المهجورة نظرًا لاختلاف طبيعة الخام وسهولة تأمين مناجم الألماس إلى حد ما، كما أن معظم الإنتاج يأتي من مناجم عاملة كبيرة أو تعدين بحري.
لكن يوجد تعدين غير قانوني للألماس في بعض المناطق، إلا أنه ليس هو النموذج المسيطر لظاهرة Zama Zama.
الخاتمة
تمتلك جنوب أفريقيا واحدة من أغنى الثروات المعدنية في العالم، وصناعة تعدين رسمية ضخمة، لكنها في الوقت نفسه تواجه اقتصادًا موازيًا يستخرج جزءًا من هذه الثروة خارج النظام الرسمي.
بما يجعلها في مواجهة مشكلة إدارة الثروة المعدنية: كيف تنتقل الدولة من السيطرة على المناجم الكبرى إلى السيطرة على كامل سلسلة استخراج الخام وتداوله، بما فيها المساحات التي تركها التعدين الرسمي وراءه؟
جنوب أفريقيا لا تعاني من مشكلة “مناجم انتهى عمرها” فقط. ولا تعاني من أزمة تعدين غير رسمي، لكنها تواجه مشكلة أعمق من كل ذلك، وهي كيفية التعامل مع آلاف المناجم المغلقة منذ سنوات والتي تعد بؤر جذب لعمال الزاما زما رغم ما بها من مخاطر تهدد الحياة.
لقراءة المزيد:
خريطة لأهم الاحجار الكريمة المستخرجة من مناجم روسيا
أسرار صفقة استحواذ انجلو جولد أشانتي على منجم السكري بقيمة 2,5 مليار دولار.
West Wits Mining تفتتح أول منجم ذهب تحت الأرض بجنوب أفريقيا.
9.75 مليار دولار أمريكي حجم سوق المجوهرات في الشرق الأوسط وأفريقيا عام 2025
الهند تستقطب شركات الماس الخام بإعفاء كامل من ضريبة الدخل لمدة 15 عاماً.


