بث تجريبي

بعد يومين من حوار «العقد الاجتماعي للذهب»:

19 ألف عامل مناجم يضعون غانا أمام اختبار الثقة

كنوز.نيوز

ما إن بدأت غانا حوارًا جديدًا لإعادة صياغة العلاقة بين الذهب والدولة والمجتمعات والعاملين في التعدين، عاد ملف قديم ليضع هذه الرؤية أمام اختبار عملي مبكر، حيث تقدم أكثر من 19 ألفًا من عمال المناجم والمتقاعدين وذويهم التماسا للحكومة من أجل استرداد أكثر من 380 مليون سيدي غاني، نحو 34.5 مليون دولار، من مدخراتهم وأموالهم العالقة منذ سنوات.

ففي 20 أغسطس 2026، قدم اتحاد عمال المناجم الغاني Ghana Mineworkers’ Union – GMWU التماسًا رسميًا طالب فيه بتسوية الأموال المحتجزة لدى مؤسسات مالية متعثرة تأثرت بعملية إصلاح القطاع المالي، محذرًا من أن استمرار التأخير قد يهدد الاستقرار الصناعي داخل أحد أهم القطاعات الاقتصادية في البلاد.

ويكتسب التحرك دلالة خاصة في توقيته؛ إذ جاء بعد يومين فقط من انعقاد National Mining Dialogue 2026 في أكرا يوم 18 أغسطس تحت عنوان Rethinking the Social Licence to Operate – إعادة التفكير في الرخصة الاجتماعية للتعدين، والذي ناقش إعادة تعريف نصيب الغانيين والمجتمعات المضيفة من الثروة المعدنية وبناء علاقة جديدة تقوم على الثقة والمشاركة والقيمة المحلية. وذلك وفقا لتقرير عن وكالة غانا الإخبارية.

ولا توجد حتى الآن دلالة على أن قضية الأموال المحتجزة لعمال المناجم كانت ضمن توصيات الحوار أو أن الالتماس جاء نتيجة مباشرة له، لكن التزامن بين الحدثين يطرح سؤالًا أكبر: إذا كانت غانا تبدأ صياغة عقد اجتماعي جديد حول الذهب، فهل تكون البداية بتسوية القضايا القديمة ورد الحقوق إلى أصحابها متى ثبت استحقاقهم لها؟

380 مليون سيدي عالقة منذ سنوات

لا تتعلق مطالبة العمال بأجور متأخرة لدى شركات التعدين، وإنما بأموال شخصية واستحقاقات ومدخرات تشمل مساهمات صناديق الادخار Provident Funds، وصناديق الرعاية Welfare Funds، ومدخرات الإجازات، واستثمارات شخصية وتعويضات نهاية الخدمة Severance Packages.

وتأثرت الأموال بتعثر مؤسسات مالية خلال عملية تنظيف وإصلاح القطاع المالي التي نفذها بنك غانا، ومن بينها The Seed Funds Savings & Loans Limited وJislah Financial Services Limited.

ويمتد أثر الأزمة إلى أكثر من العمال الموجودين حاليًا في المناجم؛ إذ تشمل قائمة المتضررين متقاعدين وعمالًا فقدوا وظائفهم وأرامل ومُعالين، فيما يقول الاتحاد إن استمرار احتجاز الأموال أثر في قدرة بعضهم على تحمل تكاليف العلاج والتعليم والسكن ومتطلبات الحياة الأساسية.

والقضية ليست وليدة الأسابيع الأخيرة. فالعمال يقولون إنهم يتواصلون مع بنك غانا بشأنها منذ عام 2021 على الأقل، وإن اجتماعين عقدا مع مسؤول الرقابة المصرفية بالبنك في أبريل ويونيو من ذلك العام، تلقوا خلالهما تأكيدات بأن البنك على علم بالمشكلة ويعمل على حلها، قبل أن تستمر القضية دون تسوية نهائية.

جلسة الحوار الوطني لصياغة عقد جديد للذهب في غانا
جلسة الحوار الوطني لصياغة عقد جديد للذهب في غانا

العمال: صبرنا سنوات

ويقول الاتحاد إنه سعى طوال السنوات الماضية إلى تجنب تحويل الأزمة إلى مواجهة صناعية، لكنه حذر في الالتماس الجديد من أن قدرته على احتواء غضب المتضررين أصبحت أكثر صعوبة.

وطالب باسترداد كامل الأموال المحتجزة وعقد اجتماع عاجل مع وزير المالية، محذرًا من احتمال اللجوء إلى المظاهرات والإضرابات، بما قد يمتد أثره إلى الإنتاج المعدني وإيرادات الحكومة وثقة المستثمرين والاقتصاد الأوسع.

ومن ثم يمكن أن يصبح رد الدولة علِى الالتماس مؤشرًا مبكرًا على قدرتها على تحويل خطاب الثقة الجديد من مفهوم نظري إلى ممارسة؛ مع بقاء تحديد استحقاق الأموال وآلية سدادها مسألة مالية وقانونية تخضع للمراجعة.

 

قبل الالتماس بيومين.. غانا تعيد التفكير في «الرخصة الاجتماعية»

جاء التصعيد بعد انعقاد National Mining Dialogue 2026 في أكرا في 18 أغسطس، بمشاركة ممثلين عن الحكومة والهيئات المنظمة وشركات التعدين والتعدين الحرفي والصغير والسلطات التقليدية والمجتمعات وأطراف الصناعة.

ودارت الفكرة المركزية للحوار حول امتلاك الشركة الرخصة القانونية للتعدين لم يعد كافيًا وحده؛ فهناك رخصة أخرى لا تصدرها وزارة أو هيئة تنظيمية، وإنما تمنحها المجتمعات والمواطنون بصورة مستمرة: Social Licence to Operate.

أي قبول المجتمع باستمرار النشاط التعديني لأنه يرى أن المنافع التي يحصل عليها من وجود المنجم تتناسب مع ما يتحمله من آثار اقتصادية واجتماعية وبيئية.

ووصف سامي جيامفي، الرئيس التنفيذي لـGhana Gold Board – GoldBod، القضية في كلمته الرسمية أمام الحوار بأنها ليست مجرد شعار مؤتمر، وإنما مطلب سياسي واقتصادي وأخلاقي، معتبرًا أن الرخصة الاجتماعية تُبنى على الثقة في أن الثروة المعدنية تخدم المصلحة الوطنية والمجتمعات التي تستضيفها.

 

عقد جديد: المجتمع ليس «مانحًا للأرض»

أحد أهم التحولات التي ظهرت في الحوار هو إعادة تعريف موقع المجتمع المضيف نفسه.

فبدل النظر إلى مناطق التعدين باعتبارها مجرد مواقع تحتوي على الخام أو مجتمعات تحصل على بعض مشروعات المسؤولية الاجتماعية، طرح الحوار تصورًا يعتبرها شريكًا اقتصاديًا وتنمويًا في الثروة الموجودة داخل أراضيها.

وقال جيامفي إن المجتمعات يجب ألا يُنظر لها باعتبارها land donors – مانحة للأرض، وإنما شركاء في التنمية وأصحاب مصلحة اقتصادية في الموارد التي تستضيفها.

ومن هذا المنطلق، طرح نموذجًا من ثلاث كلمات لإعادة بناء العلاقة مع التعدين:

Involve – Protect – Expand: المشاركة، الحماية، والتوسع.

وتعني المشاركة منح المجتمعات صوتًا أكبر في القرارات، وربط المناجم بالتزامات واضحة بشأن الوظائف والخدمات والمشروعات المحلية والبنية الأساسية، وزيادة استفادة المناطق المنتجة من العوائد.

أما الحماية فتشمل المياه والغابات والأراضي الزراعية والصحة العامة، مع إلزام الشركات باستصلاح الأراضي ومواجهة التعدين غير المسؤول.

بينما يستهدف التوسع زيادة الملكية الغانية داخل سلسلة التعدين، وتطوير التكرير المحلي وتصنيع المجوهرات والصناعات اللاحقة، ودعم التعدين الحرفي والصغير المسؤول.

19 ألف عامل مناجم يتقدمون بالتماس للحصول على حقوقهم المتأخرة
19 ألف عامل مناجم يتقدمون بالتماس للحصول على حقوقهم المتأخرة

الشباب والعمل في قلب العقد

ولم تقتصر المناقشات على ملكية المناجم أو نصيب المجتمعات من الإيرادات. حيث وضع جيامفي العمل اللائق والمهارات والملكية والفرص الاقتصادية للشباب في صميم قضية الرخصة الاجتماعية، معتبرًا أن رؤية الشباب للثروة وهي تغادر مناطقهم دون أن يجدوا مسارًا واضحًا للعمل أو المهارات أو الملكية تمثل تناقضًا لا يمكن استدامته.

وطُرحت رؤية تجعل المنجم نفسه نقطة انطلاق لسلسلة أوسع من الفرص: النقل والصيانة والأمن والخدمات البيئية والإسكان والتجارة المحلية، إلى جانب التعدين والتكرير والتصنيع والمجوهرات.

مما يعطى التماس العمال في هذا التوقيت دلالة قوية، فإذا كان العمال وفرص العمل وكرامة العمل جزءًا من العقد الجديد، فإن الثقة لا تتعلق فقط بالوظائف التي ستُخلق مستقبلًا، وإنما أيضًا بحل المشكلات الموروثة للمعدنين الحاليين والسابقين.

 

المنجم قد يغلق.. لكن المجتمع لا يجب أن يغلق معه

الحوار حمل كذلك رؤية تتجاوز عمر المنجم نفسه، فقد حذر الملك Ga Mantse King Tackie Teiko Tsuru II، أحد أبرز الزعماء التقليديين في غانا، من أن المجتمعات تبقى بعد رحيل شركات التعدين والمعدات والشاحنات، ولذلك يجب أن يترك النشاط وراءه اقتصادًا ومجتمعًا قادرين على الاستمرار.

وطالب بأن تتحول عوائد التعدين إلى منافع قابلة للقياس، تشمل الطرق والمدارس والمستشفيات والمياه النظيفة والمنح الدراسية والتدريب المهني وفرص العمل، مع استصلاح الأراضي التي تضررت نتيجة النشاط التعديني. وهكذا تتجاوز فكرة Social Licence المسؤولية الاجتماعية التقليدية للشركات إلى علاقة أطول أمدًا بين المورد والمجتمع والدولة.

 

من استخراج الذهب إلى الاحتفاظ بقيمته

ويأتي الحوار كمرحلة ضرورية في طريق تحول أوسع تنفذه غانا في اقتصاد الذهب. فوفق البيانات التي عرضها رئيس GoldBod، بلغت صادرات غانا في 2025 نحو 32 مليار دولار، منها حوالي 20.2 مليار دولار من الذهب، بما يعادل 63.1% من إجمالي عائدات الصادرات.

كما بلغ إنتاج الذهب نحو 5.94 مليون أوقية، ساهم التعدين الحرفي والصغير منها بنحو 3.11 مليون أوقية، أو 52.4%، متجاوزًا للمرة الأولى منذ أكثر من قرن إنتاج القطاع واسع النطاق وفق بيانات GoldBod.  ولذلك لا تريد الحكومة أن تبقى غانا مجرد مصدر للخام.

وتقوم الرؤية الجديدة على زيادة الملكية المحلية والتكرير والمعالجة والتصنيع والاحتفاظ بجزء أكبر من القيمة داخل البلاد، وهي الفلسفة التي اختصرها جيامفي في الدعوة إلى أن تمتلك غانا أكثر، وتكرر أكثر، وتعالج وتصنع أكثر، وتحتفظ بقيمة أكبر من ذهبها.

وبحسب GoldBod، جرى تكرير قرابة 9 أطنان من الذهب الذي جمعته الهيئة داخل غانا خلال 2026، بينما انتقلت الدولة اعتبارًا من يوليو إلى شراء 30% من إنتاج شركات التعدين الكبرى محليًا لتغذية المصافي المحلية ودعم الاحتياطي. كما تخطط لإنشاء Ghana Gold Village لدعم تصنيع المجوهرات والمنتجات الذهبية، وإطلاق برنامج لترميز الذهب Gold Tokenization في 2027.

 

العقد الاجتماعي لا يبدأ من الصفر

كل هذه السياسات ترسم مستقبلًا مختلفًا للذهب الغاني: ملكية محلية أكبر، قيمة مضافة، وظائف، مجتمعات تحصل على نصيب أكثر وضوحًا، وحماية بيئية أقوى. لكن أي عقد اجتماعي جديد لا يُكتب على صفحة خالية من الماضي. فهناك حقوق ونزاعات وآثار تركتها مراحل الإصلاح السابقة، ومن بينها الآن ملف آلاف المعدنين الذين يقولون إن مدخراتهم ظلت بعيدة عن أيديهم لسنوات.

ولا يعني ذلك أن الموافقة على الالتماس أصبحت واجبة لمجرد انعقاد الحوار؛ فتحديد المستحقات والمسؤولية القانونية وآلية التسوية يحتاج إلى فحص من الجهات المختصة. لكن إذا ثبتت حقوق العمال في هذه الأموال، فإن تسويتها ستكتسب معنى يتجاوز قيمتها المالية. فوقتها ستصبح هذه الخطوة واحدة من أولى الإشارات العملية إلى أن الحديث عن استعادة الثقة وبناء علاقة أكثر عدلًا بين الذهب ومن ينتجونه ليس مجرد شعار.

غانا تحاول اليوم إعادة تعريف السؤال من «كم أوقية ذهب ننتج؟» إلى «من يستفيد من كل أوقية تنتجها غانا؟».

لقراءة المزيد:

النص الكامل لكلمة رئيس GoldBod في National Mining Dialogue 2026

غانا تدخل قائمة أكبر 6 منتجين للذهب عالميًا والتعدين الحرفي والصغير يقود القفزة.

مصر تبحث عن الذهب الجديد في 2026.. فمن يبحث عن ذهبها القديم؟

بعد عام من تعثر مفاوضات البرامية: مصفاة الذهب السعودية تنافس على 5 مناطق للتنقيب في مصر

سامي جيامفي: نصدر ما منحته الطبيعة ونستورد ما صنعه الابتكار.. وحان وقت تغيير المعادلة

 

مقالات مختارة

تصدر ب 7 مليون دولار: باكستان تضع استراتيجية لتحويل ثروتها من الأحجار الكريمة إلى صناعة تصديرية
49 حالة وفاة.. أفريقيا الوسطى: انهيار “موسكو” يعيد فتح ملف التعدين غير المشروع للذهب
مصر تبحث عن الذهب الجديد في 2026.. فمن يبحث عن ذهبها القديم؟
من كنز بلجيكا بقيمة 9 مليون يورو.. إلى «انزل يا محمد عمك لقى آثار» ماذا يقول القانون؟
4.4 مليون أوقية: الذهب المرتفع يوقظ منجم Northumberland التاريخي في نيفادا
مالي: شركات التعدين الكبرى تسجل 23.5 طنًا من الذهب خلال 6 أشهر، والإنتاج يقفز 30%
Euro Gold Refinery تفوز بجائزة أفضل شركة للموارد الطبيعية والتكرير في أوغندا 2026
Chintan Shivir: الهند ترسم خريطة المجوهرات حتى 2040، و 100 مليار دولار صادرات في قلب الخطة
خبيرة مشتريات Ernest Jones: أهم 7 قواعد يجب مراعاتها عند شراء المشغولات الذهبيه كأصل استثماري  
8 عوامل تحدد قيمة المصنعية لجرام الذهب.. اعرفها قبل الفصال في الشراء..!