حصيلة صادرات تبلغ 2.292 مليار دولار خلال تسعة أشهر، وفجوة تاريخية بين الإنتاج والتصدير، وإجراءات مصرفية لاستعادة التدفقات الرسمية.. بينما تكشف العقوبات الأوروبية وتحولات التجارة مع مصر والإمارات عن تحديات جديدة لإثبات منشأ الذهب.
سجل قطاع الذهب السوداني ارتفاعًا في حصيلة الصادرات الرسمية خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026، رغم استمرار الحرب وتدهور الأوضاع الاقتصادية والأمنية، في وقت تتزايد فيه التساؤلات حول حجم الإنتاج الذي لا يصل إلى القنوات الرسمية، والجهات التي تستفيد من تجارة الذهب خارج رقابة الدولة.
وتكتسب هذه التساؤلات أهمية إضافية بعد دخول الحظر الأوروبي على الذهب السوداني حيز التنفيذ في يوليو 2026، ويشمل حتى الذهب الذي يصل إلى الأسواق الأوروبية عبر دول ثالثة، فضلًا عن استمرار التنافس على مناطق التعدين وطرق التهريب والهجوم على أسواق الذهب من الجماعات المسلحة.
إلا أن مفارقة هامة تستدعي الانتباه خلال الفترة الماضية، فبينما تعلن السلطات السودانية تحقيق نتائج قياسية في قطاع التعدين، لا تزال الفجوة بين كميات الذهب المنتجة والمصدرة رسميًا تمثل تحديًا كبيرًا، بالتزامن مع محاولات حكومية لتعديل سياسات شراء الذهب وتصديره وإعادة جذب الشركات والمتعاملين إلى المنظومة الرسمية.
صادرات بقيمة 2.292 مليار دولار.. وإنتاج يتجاوز المستهدف
أعلنت الشركة السودانية للموارد المعدنية، في السادس من أكتوبر 2026، أن حصيلة صادرات الذهب بلغت 2.292 مليار دولار خلال الفترة من يناير إلى سبتمبر، بينما وصلت الإيرادات المحلية لقطاع التعدين إلى 1.886 تريليون جنيه سوداني، متجاوزة المستهدف بنسبة 31%.
وأكدت الشركة أن إنتاج الذهب بلغ 105% من المستهدف السنوي بحلول نهاية سبتمبر، دون أن يتضمن الإعلان المنشور رقمًا إجماليًا واضحًا لوزن الذهب المنتج خلال الأشهر التسعة.
وكان وزير المعادن نور الدائم طه قد أعلن في أغسطس الماضي أن صادرات الذهب الرسمية خلال النصف الأول فقط من 2026 عادلت إجمالي الصادرات الرسمية المسجلة خلال عام 2025.
وتشير هذه البيانات إلى توسع النشاط الذي ترصده المؤسسات الحكومية، لكنها لا تسمح وحدها بتحديد إجمالي إنتاج السودان الفعلي أو نسبة الذهب الذي يخرج من البلاد خارج القنوات القانونية.

فجوة تتجاوز نصف الإنتاج، والمسجل 20% فقط
تظهر بيانات عام 2025 حجم التحدي الذي تواجهه السلطات السودانية، فوفقًا للأرقام التي نقلتها تقارير سودانية عن الجهات الرسمية، بلغ إنتاج الذهب نحو 70 طنًا خلال ذلك العام، بينما سجل بنك السودان المركزي صادرات رسمية تقارب 14 طنًا.
ويعني ذلك وجود فارق حسابي يبلغ نحو 56 طنًا بين الإنتاج المعلن والكميات المصدرة رسميًا، أي أن الصادرات المسجلة لم تمثل سوى نحو 20% من الإنتاج المقدر.
لكن هذا الفارق لا يعني بالضرورة تهريب جميع الكميات المتبقية، إذ يلزم احتساب الاستهلاك المحلي والتغير في المخزونات وأي فروق في توقيت التسجيل وطرق قياس الإنتاج والصادرات.
وفي السابع من أكتوبر 2026، نقلت صحيفة سودان تريبيون عن مصادر في القطاع تقديرات لفجوة تقارب 50 طنًا، مع استمرار الجدل حول سياسات شراء الذهب وسعر الصرف.
غير أن هذه التقديرات لا تمثل ميزانًا رسميًا مكتملًا لإنتاج وصادرات الأشهر التسعة الأولى من 2026، ولا يجوز مقارنتها مباشرة بحصيلة الصادرات الدولارية دون بيانات الكميات والأسعار وفترة القياس نفسها.
وبذلك، فإن السؤال الذي تطرحه الأرقام ليس فقط حجم الذهب المفقود من سجلات التصدير، وإنما قدرة الدولة على بناء منظومة إحصائية تربط الإنتاج الفعلي بالمبيعات المحلية والتكرير والمخزونات والصادرات.
الحكومة تتراجع عن قيود الشراء بعد اعتراض 23 شركة
شهد سبتمبر 2026 مواجهة بين شركات تعدين الذهب وبنك السودان المركزي، بعدما أعلنت 23 شركة اعتراضها على آليات شراء الذهب وتسعيره، ولوحت بالتوقف التدريجي عن الإنتاج.
واعتبرت الشركات أن السياسات المطبقة لا تعكس القيمة الاقتصادية الفعلية للذهب في ظل انخفاض العملة المحلية وارتفاع تكاليف التشغيل والنقل والتأمين.
وفي 21 سبتمبر، بدأ العمل بالمنشور المصرفي رقم 18 لسنة 2026، الذي عدّل الضوابط السابقة الخاصة بذهب شركات معالجة مخلفات التعدين، وسمح لها ببيع كامل إنتاجها إلى بنك السودان المركزي أو الجهات المفوضة أو المصدرين، وفقًا للضوابط المقررة.
ويعكس القرار محاولة لتخفيف القيود التي دفعت الشركات إلى الاعتراض، والحفاظ على استمرار الإنتاج، وتشجيع انتقال الذهب عبر قنوات البيع والتصدير الرسمية.
لكن نجاح الإجراءات لا يتوقف على إتاحة البيع للمصدرين وحدها، بل يرتبط كذلك بقدرة النظام المصرفي على توفير أسعار تنافسية، وإتاحة النقد الأجنبي، وتقليل الفجوة بين أسعار الصرف الرسمية والموازية.
الاتحاد الأوروبي يحظر الذهب السوداني.. حتى عبر دولة ثالثة
في 13 يوليو 2026، أقر مجلس الاتحاد الأوروبي حزمة عقوبات جديدة تستهدف اقتصاد الحرب في السودان، شملت حظر شراء الذهب ذي المنشأ السوداني أو استيراده أو نقله، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إذا كان قد صُدّر من السودان بعد 15 يوليو 2026.
وتكمن أهمية القرار في أنه لا يقتصر على الذهب المشحون مباشرة من السودان إلى أوروبا، بل يمتد إلى الذهب السوداني الذي يمر عبر دولة ثالثة قبل وصوله إلى الاتحاد الأوروبي.
كما حظر الاتحاد الأوروبي تقديم خدمات مالية أو فنية أو وساطة مرتبطة بالمعاملات المحظورة، وفرض قيودًا على توريد مواد مستخدمة في استخراج الذهب، من بينها الزئبق والسيانيد.
وأوضح المجلس الأوروبي أن الإجراءات تستهدف الحد من الموارد المالية التي تسهم في استمرار النزاع، معتبرًا أن تعدين الذهب وتجارته يمثلان مصدرًا للإيرادات لدى القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع.
ولا يشكل القرار حظرًا عالميًا على شراء الذهب السوداني، فهو ملزم في نطاق تطبيق قانون الاتحاد الأوروبي فقط، ورغم أن القرار لا يعني تلقائيًا منع جميع الدول الأخرى من استيراده، إلا أن آثاره قد تمتد إلى الشركات والمصافي والمؤسسات المالية التي ترتبط بمعاملات مع السوق الأوروبية، بسبب متطلبات الامتثال وإثبات المنشأ.
أين يذهب ذهب السودان؟ مصر والإمارات في خريطة التجارة
تظهر البيانات التجارية تحولًا مهمًا في المسارات الرسمية لصادرات الذهب السوداني خلال عامي 2024 و2025.
فبحسب دراسة نشرتها مبادرة Sudan Transparency and Policy Tracker، اعتمادًا على إحصاءات التجارة الخارجية لبنك السودان المركزي، تراجعت حصة الإمارات من صادرات الذهب السودانية الرسمية من نحو 99% عام 2024 إلى 56% عام 2025، بينما ارتفعت الواردات المصرية من الذهب السوداني بنحو عشرين ضعفًا.
وترى الدراسة أن هذا التحول لا يعني بالضرورة تغير الوجهة النهائية للذهب، إذ قد ينتقل المعدن عبر مصر قبل إعادة تصديره إلى مراكز تجارية أخرى، وفي مقدمتها الإمارات.
وتستند هذه القراءة إلى مقارنة بيانات التجارة ومسارات التدفقات، لكنها لا تثبت أن كل كمية ذهب سوداني تدخل مصر يعاد تصديرها، ولا تسمح وحدها بتحديد المنشأ الفعلي لكل شحنة تخرج منها.
وتزداد أهمية هذه المسألة بعد القرار الأوروبي، لأن بلد الشحن الأخير لا يحسم بالضرورة بلد المنشأ، كما أن عبور الذهب عبر دولة وسيطة لا يزيل تلقائيًا القيود المرتبطة بمنشأه السوداني.
وبالتالي، فإن تحديد الوجهة النهائية للذهب السوداني يتطلب تتبعًا يجمع بين بيانات الصادرات السودانية والواردات المصرية والإماراتية، وسجلات المصافي والوسطاء، مع مراعاة الفروق بين بلد المنشأ وبلد الشحن وإعادة التصدير.
الذهب غير الرسمي.. شبكات تتجاوز الحدود
لا تقتصر تجارة الذهب السوداني على القنوات الرسمية التي تسجلها السلطات الحكومية.
فقد وثّق تقرير لمعهد تشاتام هاوس، نُشر في مارس 2025، دور شبكات التجارة العابرة للحدود في نقل الذهب السوداني عبر دول مجاورة، من بينها تشاد ومصر وإريتريا وجنوب السودان، قبل وصول جزء منه إلى الإمارات.
ويشير التقرير إلى أن التعدين الحرفي والصغير يمثل النسبة الأكبر من إنتاج السودان، وأن ضعف الرقابة وتعدد الوسطاء وتغير السيطرة على مناطق التعدين ساعدت على استمرار التجارة غير الرسمية.
وفي تحقيق نشرته بلومبرج خلال أكتوبر 2026 حول شبكات تجارة الذهب الأفريقي، نُقلت تقديرات عن المدير العام للشركة السودانية للموارد المعدنية تشير إلى تهريب ذهب سوداني بقيمة تقارب خمسة مليارات دولار سنويًا إلى دول مجاورة.
وهو تقدير يستدعي التحقق من منهجيته والفترة التي يغطيها، ولا يمكن إضافته مباشرة إلى قيمة الصادرات الرسمية باعتباره رقمًا نهائيًا للإنتاج غير المسجل.
لكن هذه المعطيات توضح أن حركة الذهب السوداني أصبحت مرتبطة بشبكات إقليمية معقدة، لا يمكن فهمها من خلال بيانات الجمارك السودانية وحدها.
قوات الدعم السريع.. السيطرة على المناجم ومسارات التجارة
أدى اندلاع الحرب في أبريل 2023 إلى تعميق الانقسام في مناطق إنتاج الذهب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع وحلفائهما.
ووفقًا لتقرير تشاتام هاوس الصادر في مارس 2025، تركزت مناطق التعدين الواقعة تحت سيطرة القوات المسلحة آنذاك في ولايات البحر الأحمر والشمالية ونهر النيل وأجزاء من جنوب كردفان، بينما امتد نفوذ قوات الدعم السريع إلى مناطق تعدين في دارفور وغرب كردفان.
ويرتبط اسم قوات الدعم السريع تاريخيًا بشركة الجنيد، التي نشطت في تجارة الذهب ومعالجة مخلفات التعدين، وبمناطق مثل جبل عامر في شمال دارفور وسنقو في جنوب دارفور.
لكن أهمية هذه المواقع تغيرت خلال السنوات الأخيرة؛ إذ تراجع النشاط في جبل عامر بصورة كبيرة، بينما وصف تقرير تشاتام هاوس مناجم سنقو بأنها أصبحت من أهم مناطق إنتاج الذهب المرتبطة بقوات الدعم السريع. حيث أصبح الذهب مورداً أساسيا ولاعباً رئيسيا ومحركاً لهذه الحرب ومصدرا لتمويل قوات الدعم السريع، مما يجعلها خلال الفترات الأخيرة تقوم بحملات هجوم على أسواق ومواقع تعدين الذهب لجمع الحصيلة من المعدنين الحرفيين، وأدت بعض الهجمات إلى مقتل عشرات المواطنين في الأسواق ومواقع التعدين.
وحدد التقرير عدة صور لتدخل القوات في القطاع، تشمل حماية أنشطة تعدين وتجارة مرتبطة بها، وفرض قنوات للبيع على بعض المعدنين الحرفيين، ومشاركة وحدات في أنشطة التعدين حيث تسمح الظروف الأمنية.
ولا تعني السيطرة العسكرية على منطقة تعدين أن جميع كميات الذهب المنتجة فيها تمر بالضرورة عبر جهة واحدة، كما أن خطوط السيطرة الميدانية تتغير مع تطورات الحرب.
أما حجم الإنتاج الفعلي في المناطق الخاضعة لقوات الدعم السريع خلال 2026، فلا تتوافر له بيانات موثقة تسمح بتحديد كمياته أو عائداته بدقة.
هل يحد الحظر الأوروبي من تمويل الحرب؟
يستهدف الاتحاد الأوروبي الحد من الموارد المالية التي تصل إلى أطراف النزاع من تجارة الذهب، لكن فعالية الحظر ترتبط بقدرة الجهات الرقابية والمصافي والمشترين على التحقق من منشأ المعدن عبر سلاسل توريد قد تضم عدة دول ووسطاء.
فإذا استمر الذهب السوداني في الوصول إلى أسواق خارج الاتحاد الأوروبي، فلن يؤدي الحظر الأوروبي وحده إلى وقف إنتاجه أو تداوله عالميًا.
وقد تزيد القيود من أهمية الأسواق البديلة، كما قد ترفع تكاليف الامتثال على المصدرين الرسميين، خاصة في الحالات التي لا تتوافر فيها وثائق منشأ وسجلات معاملات مكتملة.
وفي المقابل، يمكن أن تدفع هذه المتطلبات المؤسسات التجارية والمالية إلى تعزيز إجراءات التتبع والتحقق من الموردين، بما يقلل فرص إدخال الذهب مجهول المنشأ إلى القنوات الدولية المنظمة.
وتبرز هنا مسؤولية الدول التي تستقبل الذهب السوداني، سواء للاستهلاك المحلي أو التكرير أو إعادة التصدير، في تطوير أنظمة قادرة على التمييز بين بلد المنشأ وبلد الشحن، والتحقق من المخاطر المرتبطة بالتعدين والوسطاء.
معركة السودان لاستعادة السيطرة على الذهب
تكشف التطورات الأخيرة أن أزمة الذهب السوداني لم تعد مجرد مسألة إنتاج أو صادرات، وإنما أصبحت مرتبطة بإدارة الموارد في اقتصاد الحرب.
فارتفاع الحصيلة الرسمية إلى 2.292 مليار دولار يمثل مؤشرًا مهمًا على قدرة القطاع على توليد النقد الأجنبي، لكنه لا يحسم حجم الإنتاج الذي تتحكم فيه الدولة، ولا يحدد نسبة الذهب الذي يخرج من البلاد خارج المنظومة الرسمية.
كما أن تعديل سياسات البنك المركزي قد يساعد على جذب مزيد من الشركات والمتعاملين إلى القنوات القانونية، لكنه يحتاج إلى استقرار نسبي في أسعار الصرف وتوافر الخدمات المصرفية والرقابة الفعالة.
وفي الوقت نفسه، يفرض الحظر الأوروبي تحديًا جديدًا على تجارة الذهب السوداني، خصوصًا مع تحول مسارات التصدير ووجود شبكات إقليمية تربط السودان بمراكز تجارة وتكرير خارج حدوده.
ويبقى التحدي الأوسع هو استعادة السيطرة المؤسسية على الإنتاج والتجارة، ودمج التعدين الحرفي في منظومة رسمية قابلة للتتبع، وتحسين سلامة العاملين والرقابة البيئية، مع الحد من استفادة الأطراف المسلحة وشبكات التهريب من الموارد المعدنية. وذلك حتى يمكن حصر كم طنًا تنتجه السودان، وكم طناً تستطيع الدولة توثيق مصدره، وإدخاله إلى القنوات الرسمية، والحصول على عائداته، ومنع تحوله إلى مورد لتمويل استمرار الحرب.
لقراءة المزيد:
السودان: نحو 100 قتيل في أسبوع.. انهياران يكشفان الوجه الخطر للتعدين الأهلي
إندونيسيا و5 دول أفريقية ضمن أول آلية لتحويل الثروة المعدنية إلى صناعة ووظائف
دراسة تحولات السوق من 2005- 2025: أزمة الماس الطبيعي بدأت قبل صعود «المعملي» بسنوات.
تنزانيا تشتري 35 طنًا من الذهب المحلي خلال عامين.. وخطة توسع للمصافي والتعدين الصغير
السودان: نحو 100 قتيل في أسبوع.. انهياران يكشفان الوجه الخطر للتعدين الأهلي


