خلف الألوان المتداخلة للعقيق الهندي، وحبات الأحجار المصقولة من الألماس والزمرد والياقوت التي تجد طريقها إلى المجوهرات وقطع الزينة في الأسواق العالمية، تدفع مجتمعات كاملة في ولاية جوجارات فاتورة أقل ظهورًا وشهرة من هذه الأحجار التي تُصدر للعالم، تتمثل في غبار دقيق يتطاير من ماكينات القطع والصقل.. لا يكاد يُرى، لكنه قادر مع سنوات العمل على إصابة الرئتين بمرض لا علاج له.
وهو ما دفع شركة Columbia Gem House الأمريكية في أكتوبر 2026 إلى فتح هذا الملف بإطلاق حملة Cutting Toward Change لجمع التبرعات لصالح منظمة Peoples Training & Research Centre – PTRC الهندية، التي تعمل على مكافحة السليكوزيس وتحسين الصحة والسلامة المهنية للعاملين في ولاية جوجارات. لكن الحملة الجديدة لا تكشف مشكلة جديدة، بل تعيد الضوء إلى أزمة تمتد جذورها لعقود في واحدة من أقدم مناطق تصنيع العقيق في العالم.

صناعة عمرها آلاف السنين.. والخطر تغير مع الكهرباء
تعود صناعة العقيق في منطقة خامبات Khambhat بولاية جوجارات إلى نحو 2500 عام، حيث تخصصت المنطقة تاريخيًا في تشكيل العقيق وغيره من الأحجار وتحويلها إلى خرز ومجوهرات وقطع زخرفية.
لكن التحول الأساسي في طبيعة الخطر جاء مع انتقال الصناعة من العمل اليدوي البطيء إلى استخدام عجلات القطع والتلميع الكهربائية منذ نحو أربعينيات القرن الماضي. فمع زيادة سرعة الدوران رفعت الإنتاج، لكنها أدت في الوقت نفسه إلى إطلاق كميات كبيرة من الجزيئات الدقيقة المحتوية على السيليكا القابلة للاستنشاق.
ولأن العقيق ينتمي إلى عائلة الكوارتز، فهو يحتوي على نسبة مرتفعة من السيليكا. وخلال عمليات الكسر والقطع والطحن والثقب والصقل تتحول أجزاء من الحجر إلى غبار شديد الدقة يمكن أن يصل إلى الأجزاء العميقة من الرئة.
ومع التعرض المتكرر لهذا الغبار، قد يؤدي ذلك إلى السليكوزيس Silicosis، وهو تليف رئوي مهني مزمن وغير قابل للشفاء، كما يزيد التعرض للسيليكا من خطر الإصابة بالسل.
المشكلة تتوطن المنازل
تكمن خصوصية أزمة خامبات في أن جزءًا كبيرًا من صناعة العقيق تطور باعتباره صناعة منزلية أو حرفية صغيرة يمارسها العمال من المنزل بدلًا من المداومة في مصانع صناعية كبيرة يمكن إخضاعها بسهولة للتفتيش والتهوية وأنظمة شفط الغبار، وتنتشر مراحل التصنيع داخل البيوت والورش الصغيرة في المناطق السكنية، مما يعني أن العامل ليس وحده المعرض للخطر.. بل الأسرة بالكامل.
فقد أشارت دراسة عن الصناعة إلى أن غبار السيليكا لا يصيب العمال فقط، بل يمكن أن يصل إلى أفراد أسرهم والجيران والأطفال وكبار السن المحيطين بوحدات الطحن المنزلية.
وفي دراسة أخرى نُشرت عام 2019، بلغت نسبة السليكوزيس المسجلة في بيانات سابقة 11% بين أفراد أسر العمال و 6.8% بين أفراد المجتمع المحيط، ما يعكس انتقال الخطر من نطاق الصحة المهنية إلى الصحة العامة للمجتمع المحلي.
إنذارات مبكرة في التسعينيات
لا تعد خطوة إثارة المشكلة مؤخراً أمرا مفاجئاً للباحثين والمهتمين، فالمشكلة لم تكن مجهولة من قبل بحيث يعد الحديث فيها الآن مفاجئاً، ففي بيانات منشورة في Indian Journal of Tuberculosis عام 1994، جرى فحص 470 عاملًا في صناعة العقيق، بينهم 353 عامل طحن، وظهرت علامات إشعاعية للسليكوزيس لدى 135 عاملًا، بنسبة 38.24% من عمال الطحن الذين خضعوا للفحص.
والأكثر إثارة للقلق أن أكثر من 60% من المصابين كانوا دون سن الثلاثين، وأن مدة عمل كثير منهم في الطحن كانت أقل من عشر سنوات. كما سجلت القياسات آنذاك تركيزات من الغبار والسيليكا أعلى كثيرًا من الحدود المرجعية المستخدمة للصحة المهنية.
وفي دراسة لاحقة لمعهد الصحة المهنية الهندي NIOH، أظهرت بيانات عام 2002 إصابة 29.2% من عمال طحن العقيق العاملين وقت الدراسة بالسليكوزيس، مقابل 38.1% بين عمال الطحن السابقين.
كما أكدت دراسة سريرية نشرت عام 2010 وشملت 123 شخصًا جرى تحويلهم للفحص بسبب الاشتباه في إصابتهم، وجود السليكوزيس لدى 85 حالة تم تشخيصها بالأشعة، أي 69.1% من المجموعة عالية الخطورة التي خضعت للفحص. وهذه النسبة لا تمثل جميع عمال القطاع، لأنها تخص حالات مشتبهًا فيها طبيًا، لكنها تكشف مدى انتشار المرض بين الفئات الأكثر تعرضًا.
الحل التقني موجود.. فلماذا استمرت الأزمة؟
المفارقة أن وسائل خفض الغبار ليست مستحيلة تقنيًا، حيث طوّر باحثون في الهند أنظمة لشفط الغبار والتحكم فيه، كما بحثت دراسات الجدوى الاقتصادية تركيب أجهزة تحكم على نحو 500 ماكينة طحن كانت موجودة في خامبات، وخلصت إلى أن خفض الإصابات بالسليكوزيس والسل يمكن أن يحقق فائدة صحية واقتصادية على المدى الطويل.
لكن وجود التكنولوجيا لم يكن كافيًا، فعندما درست PTRC استخدام أنظمة الشفط في الورش، وجدت أن بعض الأجهزة التي تم توفيرها لم يتم استخدامها أصلاً. ومن الأسباب التي سجلتها الدراسات: تكلفة الكهرباء، وعدم ملاءمة بعض الأنظمة لطبيعة العمل، وعدم الوعي الكافي بالخطر الذي يواجه العاملين، وعدم وجود إلزام فعال باستخدام وسائل التحكم في الغبار.
كما أظهرت دراسة أخرى أن 80% من العمال تقريبًا كانوا يعرفون وسائل بسيطة للوقاية من الغبار، لكن 22% فقط كانوا يستخدمونها فعليًا.
وفي مسح أوسع شمل العمال وأسرهم وسكان المناطق المحيطة، ظلت العوائق مرتبطة بالتكلفة، والاعتقاد بأن وسائل الحماية قد لا تكون فعالة، وانخفاض تقدير المخاطر، بينما لم يكن سوى جزء محدود مستعدًا أو قادرًا ماليًا على الاستثمار في أنظمة شفط الغبار.
السليكوزيس لا يأتي وحده.. السل يتبعه
تظهر إحدى أحدث الدراسات أن الأزمة لا تتوقف عند تليف الرئة، ففي دراسة أجراها باحثون من المجلس الهندي للبحوث الطبية ICMR والمعهد الوطني للصحة المهنية NIOH على 463 من عمال العقيق في خامبات، جاءت اختبارات العدوى الكامنة بالسل إيجابية لدى 58% من المشاركين.
ووصف الباحثون هذا العبء بأنه يقارب ضعف المستوى المقدر بين السكان عمومًا، مشيرين إلى أن التعرض للسيليكا يضعف قدرة الرئة والجهاز المناعي على مواجهة بكتيريا السل.
وهنا تظهر فاتورة أخرى للصناعة: العامل قد لا يصاب بالسليكوزيس فقط، وإنما يصبح أكثر عرضة لمزيج شديد الخطورة يعرف بـsilico-tuberculosis.

من الأزمة الصحية إلى المحاكم
مع مرور السنوات تحولت قضية السليكوزيس من ملف للصحة المهنية إلى قضية تتعلق أيضًا بحقوق العمال والتعويض والمسؤولية القانونية.
وتكمن إحدى المشكلات الأساسية في الطبيعة غير المنظمة للصناعة المنزلية. ففي كثير من الحالات يصعب إثبات علاقة العمل التقليدية بين العامل وصاحب العمل، ولا تتوافر عقود أو سجلات واضحة، وهو ما يعقّد المطالبة بالتعويض عند الإصابة أو الوفاة.
وقد وصلت القضية إلى المؤسسات الحقوقية والقضاء الهندي على مدار سنوات، وفي 2026، كانت PTRC طرفًا في دعوى أمام المحكمة العليا في جوجارات بشأن حصول المصابين بالسليكوزيس وأسر المتوفين على برامج الدعم والمساعدة.
وفي أبريل أمرت المحكمة حكومة الولاية بإصدار إخطار واضح يجمع برامج الدعم المتاحة للمصابين وأسرهم، بعد أن عينت الحكومة مسؤولي عمل محليين كنقاط اتصال لمساعدة المتضررين على تقديم الطلبات والوصول إلى المزايا الحكومية. كما طالبت المحكمة بنشر المعلومات على نطاق واسع حتى يعرف المصابون حقوقهم.
إلا أن هذا الحكم لم يغلق القضية. ففي 30 سبتمبر 2026، قبل إطلاق حملة Columbia Gem House بيوم واحد، نظمت PTRC في خامبات برنامجًا لمساعدة عمال العقيق والمصابين بالسليكوزيس وأسرهم على استكمال طلبات المساعدات الحكومية وإثبات الحالات طبيًا، بمشاركة أكثر من 30 مصابًا وأسرة متضررة وفق منشور للمنظمة حول الفعالية.
«Cutting Toward Change» تعيد الملف إلى صناعة المجوهرات
في هذا السياق جاءت حملة Cutting Toward Change، وتقوم خلالها الشركة بعرض ثماني قطع مجوهرات فريدة صنعها مصممون شاركوا في MJSA Responsibly Sourced Design Challenge، على أن تخصص 100% من حصيلة بيع تذاكر السحب لصالح PTRC، ويبلغ سعر التذكرة 25 دولارًا، ويخصص لكل قطعة 100 تذكرة، ويستمر السحب حتى 31 أكتوبر.
وتضم الأحجار التي وفرتها الشركة للمصممين العقيق الطحلبي الهندي Indian Moss Agate، والأندالوسيت البرازيلي، والتورمالين النيجيري، وياقوت Winza من تنزانيا.
لكن الأكثر إثارة في الأمر.. هو ما أعلنته شركة Columbia Gem House ، حيث قالت إن العقيق الهندي المستخدم في الحملة تم قطعه بالكامل بواسطة الشركة نفسها، ولم يمر عبر عمليات قطع تجارية في الهند بسبب مخاوف التعرض لغبار السيليكا.
وبذلك لم تعد الحملة مجرد جمع تبرعات لضحايا مرض مهني، وإنما تطرح سؤالًا داخل سلسلة الإمداد نفسها: من الذي قطع الحجر، وتحت أي ظروف؟
التوريد المسؤول.. هل يكفي أن نعرف من أين جاء الحجر؟
خلال السنوات الأخيرة اتسع مفهوم Responsible Sourcing في صناعة المجوهرات ليشمل أصل الخام، وحقوق الإنسان، والبيئة، وعمالة الأطفال، وتتبع سلسلة الإمداد.
لكن حالة خامبات تطرح بُعدًا آخر قد يكون أقل حضورًا في النقاش الدولي: الصحة المهنية في مراحل ما بعد التعدين.
فقد يكون الحجر مستخرجًا من مصدر معروف، وتجارته قانونية، ويمكن تتبع انتقاله عبر سلسلة الإمداد، لكن العامل الذي قام بقطعه أو طحنه أو صقله ربما أدى عمله في غرفة منزلية مملوءة بغبار السيليكا ومن دون نظام تهوية فعال، وربما يكون محروما من الرعاية الصحية الواجبة، أو عل ىأقل تقدير.. محروم منالتدريب والتوعية التي تؤهله للحفاظ على سلامته أثناء تأدية عمله.
وهنا تتحول قضية السليكوزيس إلى اختبار أوسع لمعنى “الحجر المسؤول”، حيث لا تتوقف المسؤولية بالضرورة عند مكان التعدين أو مشروعية استخراج الخام، وإنما قد تمتد إلى الظروف والمراحل التي يتحول فيها الخام إلى حجر جاهز للترصيع في قطعة مجوهرات.
وبعد أكثر من ثلاثة عقود من الدراسات والتحذيرات وبرامج التوعية والتدخل القضائي، تكشف خامبات أن المشكلة الأساسية لم تعد غياب المعرفة بالخطر، فالخطر معروف، والمرض معروف، ووسائل خفض التعرض معروفة أيضاً منذ سنوات.
لكن الفجوة ما زالت قائمة بين المعرفة وبين قدرة سلسلة إنتاج حرفية عشوائية على تحمل تكلفة الحماية وتطبيقها، وبين وصول القيمة التي تحققها الأحجار في الأسواق النهائية إلى العمال الموجودين في الطرف الخفي من السلسلة.
وهذه ربما تكون الفاتورة الخفية الحقيقية لصناعة الأحجار الحرفية: أن قيمة الحجر ترتفع كلما انتقل نحو المستهلك، بينما قد يبقى جزء من تكلفته الصحية في المكان الذي جرى فيه قطعه وصقله.
لقراءة المزيد:
18 شركة ماس في أنتويرب ترد الجميل لبوتسوانا بحملة لشراء الأدوية الأساسية
أبو مروات تستعرض خطة بدء استخلاص الذهب وفقا للمعايير العالمية باحتياطي 134.9 ألف أوقية.
انجلو جولد أشانتي تبحث دورها في المسئولية المجتمعية في منطقة مرسى علم
Kering LVMH تشددان حماية عارضي الأزياء والمجوهرات.. 18 عامًا حدًا أدنى ورقابة مفاجئة


