لم يبدأ اضطراب سوق الماس الطبيعي مع انتشار الماس المعملي في متاجر المجوهرات. فمنذ نحو عشرين عامًا، كانت الصناعة تواجه بالفعل سلسلة من التحولات: أزمات اقتصادية أضعفت الإنفاق، تغيرًا في مراكز التجارة والتصنيع، تراجعًا متوقعًا في إمدادات المناجم القديمة، وصعود الصين ثم تباطؤها، قبل أن يصل الماس المعملي إلى السوق بكميات تجارية كبيرة في منتصف العقد الماضي.
وتكشف مراجعة كنوز نيوز لبيانات التجارة والإنتاج والاستهلاك خلال الفترة من 2005 إلى 2025 أن الماس المعملي دخل صناعة كانت تتغير بالفعل، ولم يكن هو نقطة البداية في أزمتها. لكن الأرقام تكشف أيضًا أن المعملي، بعد أن أصبح أرخص وأسهل إنتاجًا، انتقل من مجرد بديل محتمل لإمدادات طبيعية يُتوقع تراجعها إلى منافس مباشر على المستهلك، خصوصًا في السوق الأمريكية وخواتم الخطوبة.
فمن أزمة 2008 إلى كورونا وحروب روسيا وغزة وإيران.. مراكز تاريخية تتراجع، ودبي والهند وأفريقيا تعيد توزيع الأدوار، بينما يتحول الماس المعملي من حل تقني محدود إلى منافس تجاري يعيد تشكيل الاستهلاك.
وبين العاملين، تظهر صناعة عالمية يعاد تشكيلها الآن من المنجم إلى الفاترينة.
2008.. أول جرس إنذار لم يكن له علاقة بالماس المعملي
كانت الأزمة المالية العالمية أول اختبار كبير لسوق الماس في فترة الدراسة. وبحسب دراسة Bain، كان أثر أزمة 2008–2009 على الماس أشد من أثرها على سوق المجوهرات والساعات عمومًا؛ فقد هبطت مبيعات مجوهرات الماس التي رصدتها الدراسة بنحو 18% بين 2007 و 2009، من 36.5 مليار دولار إلى 25.1 مليار دولار، مع انتقال بعض المستهلكين إلى أحجار أصغر أو أنواع أخرى من المجوهرات، وتأجيل آخرين الشراء بالكامل.
حيث حدث هذا الانكماش في وقت لم يكن فيه الماس المعملي له تواجد حقيقي يعتد به في سوق المجوهرات.
ووفقا GIA، لم تبدأ الأحجار المعملية عديمة اللون في الوصول إلى سوق المجوهرات بكميات تجارية ملموسة إلا في منتصف العقد الثاني من الألفية. أي بعد عام 2015.
وبالتالي فإن أول نتيجة تظهر من قراءة العشرين عامًا هو أن: حساسية الماس للدخل، والنمو الاقتصادي، والزواج، والإنفاق التقديري سبقت المنافسة مع الماس المعملي بسنوات.
مفارقة 2014: الصناعة كانت تخشى نقص الطبيعي أكثر مما تخشى المعملي
قبل عشر سنوات فقط، كانت نظرة الصناعة مختلفة تمامًا عن الوضع الحالي. في تقريرها لعام 2014، توقعت Bain أن يبدأ العرض العالمي من الماس الخام في الانخفاض بعد 2019 مع تقدم عمر المناجم القائمة ومحدودية الاكتشافات والمشروعات الجديدة، بينما كان من المتوقع استمرار نمو الطلب على مجوهرات الماس.
وقدر التقرير نمو إمدادات الخام بنحو 3.8% سنويًا حتى 2019، ثم تحولها إلى انخفاض سنوي بنحو 1.8% بين 2019 و 2024، متوقعًا اتساع الفجوة بين نمو الطلب والعرض.
وفي الوقت نفسه، أشار التقرير نفسه إلى الماس الصناعي باعتباره عامل اضطراب محتملًا، لكنه اعتبر مخاطر استبداله للماس الطبيعي في المجوهرات منخفضة نسبيًا على المدى القصير.
وهنا تظهر مفارقة مهمة.
ففي الوقت الذي كان فيه قطاع الطبيعي يناقش كيفية تأمين أحجار كافية لتغطية الطلب المستقبلي، كانت تقنيات HPHT ، CVD تتطور بسرعة.
وهذا التزامن يجعل من المنطقي طرح فرضية أن مخاوف نقص الإمدادات الطبيعية وفرت بيئة اقتصادية مناسبة للاستثمار في تطوير البديل المعملي.
لكن لا توجد، وفق ما راجعته كنوز، أدلة تسمح بالقول إن نقص الماس الطبيعي كان السبب المباشر الوحيد وراء التوسع في إنتاج الماس المعملي. بقدر ما كانت الرغبة في انتاج حجر ماس يجمل نفس مواصفات الماس الطبيعي لكن أقل تكلفة من الماس الطبيعي هي المحرك وراء التوسع في الماس المعملي، لذلك حدث التوسع نتيجة لانخفاض تكلفة التكنولوجيا، وتحسن اللون والنقاء والأحجام الممكن إنتاجها، وارتفاع الإنتاجية، وقبول المستهلك والتاجر للمنتج.
مما يؤكد أن: الخوف من فجوة محتملة في الطبيعي خلق فرصة، بينما التكنولوجيا والاقتصاد حولا الفرصة إلى صناعة.
من ملايين قليلة إلى صناعة قوية
في 2018 لم يكن الماس المعملي يمثل سوى نحو 3.4% من سوق مجوهرات الماس العالمي بالقيمة وفق تقديرات نقلتها GIA.
وبحلول 2020، قُدر إنتاج الماس المعملي بجودة الأحجار الكريمة عالميًا بنحو 6 إلى 7 ملايين قيراط:
| الدولة | إنتاج gem-quality LGD في 2020 | التقنية الأبرز |
|---|---|---|
| الصين | نحو 3 ملايين قيراط | HPHT |
| الهند | نحو 1.5 مليون قيراط | CVD |
| الولايات المتحدة | نحو 1 مليون قيراط | CVD |
| دول أخرى | 0.5–1.5 مليون تقريبًا | تقنيات متنوعة |
المصدر: GIA استنادًا إلى تقديرات Bain
لكن من الضروري الفصل بين الماس المعملي المستخدم في المجوهرات وبين الماس الصناعي.
فالصين مثلًا كانت تنتج في 2016 نحو 20 مليار قيراط من الماس الصناعي HPHT، بما يعادل آنذاك نحو 98% من الإنتاج العالمي، وهو إنتاج يستخدم أساسًا في القطع والطحن والتطبيقات الصناعية، ولا يجوز إضافته إلى أرقام سوق المجوهرات.
الطبيعي نفسه أصبح أكثر ندرة من حيث الإنتاج
وفي البداية نستطيع التأكيد على أن الإنتاج هنا لا يعد مقياسا نعتمد عليه لمعرفة المبيعات، لكنه يساعد على فهم البيئة التي تحركت داخلها الصناعة خلال فترة البحث.
فبعد أن وصل الإنتاج العالمي للطبيعي إلى قرابة 175 مليون قيراط في ذروة منتصف العقد الأول من الألفية، أصبح يتحرك خلال السنوات الأخيرة قرب مستويات تتجاوز قليلًا 100 مليون قيراط فقط. وتشير تقديرات حديثة إلى بقائه بين نحو 105 و 120 مليون قيراط خلال جزء كبير من النصف الثاني للعقد الحالي. وفي 2023 بلغ الإنتاج العالمي 111.5 مليون قيراط، منخفضًا 7.6% عن العام السابق.
مما يؤكد أن التوقع القديم بانخفاض الإمدادات لم يكن وهميًا، لكن المفاجأة كانت أن الطلب نفسه لم ينمُ بالسرعة التي افترضتها توقعات 2014.
وهنا تغيرت المشكلة من: من أين سنحصل على ماس طبيعي كافٍ؟
إلى: كيف نحافظ على رغبة المستهلك في شراء الطبيعي أصلًا؟
20 عامًا تغير خلالها طريق الماس
بيانات القراريط توضح أن التحول لا يتعلق فقط بالطلب؛ بل بمكان مرور الماس وتصنيعه وتجارته.

-
هونج كونج.. المركز الآسيوي الذي فقد نصف تدفقاته
في 2005 استوردت هونج كونج 23.372 مليون قيراط من الماس المصقول، وصدرت وأعادت تصدير 12.407 مليون قيراط. وتؤكد بيانات Diamond Federation of Hong Kong الرسمية تلك الأرقام. وبحلول 2015 انخفضت الواردات إلى 18.6 مليون قيراط، ثم إلى 11.13 مليون فقط في 2025.
| هونج كونج – واردات الماس المصقول | القيراط |
| 2005 | 23.37 مليون |
| 2015 | 18.60 مليون |
| 2025 | 11.13 مليون |
| التغير 2005–2025 | -52% تقريبًا |
وهذا التراجع لا يعني أن المستهلك الآسيوي خفض شراءه بنفس النسبة، لأن هونج كونج مركز إعادة تصدير أيضًا؛ لكنه يكشف بوضوح تقلص وزن أحد أهم مراكز الماس التقليدية في آسيا.
-
الهند.. المصنع العالمي يدخل مرحلة إعادة هيكلة
الهند هي المثال الأكثر فضولاً. ففي 2005 صدرت الهند 48.7 مليون قيراط من الماس الطبيعي المقطوع والمصقول، مقابل 44.3 مليون في 2004.
بينما صدرت في 2025 نحو 17.04 مليون قيراط فقط من الماس المصقول الطبيعي.
ومع ذلك، لا يمكم تفسير هذا الانخفاض بسبب الماس المعملي وحده؛ فالانخفاض بدأ قبل تحول المعملي إلى سوق جماهيرية مؤثرة، وتأثر بتغير أحجام الأحجار، والأسعار، والمخزون، ومراكز التوزيع والطلب.
لكن التطور الأحدث شديد الدلالة.
ففي مارس وأبريل 2026 تجاوزت صادرات الهند من الماس المعملي المصقول صادراتها من الماس الطبيعي من حيث عدد القراريط لأول مرة؛ إذ وصل المعملي إلى 1.3 مليون قيراط في مارس و1.4 مليون في أبريل، مقابل 1.2 و1.3 مليون للطبيعي على التوالي.
أي أن سورات لم تعد مصنع الطبيعي العالمي فقط؛ بل أصبحت مصنع النوعين معًا.
-
إسرائيل.. رامات جان تفقد التجار- تنقل نشاطها- إلى دبي
كانت إسرائيل من أهم مراكز الصقل والتداول العالمية، شهدت هبوط صادرات المصقول من 3.98 مليون قيراط في 2015 إلى 1.15 مليون في 2025. حيث تسارع تراجع إسرائيل كمركز عالمي للماس بصورة حادة خلال 2026.
فوفق بيانات إدارة الرقابة على الماس بوزارة الاقتصاد الإسرائيلية، هبط إجمالي صادرات قطاع الماس خلال النصف الأول من العام إلى نحو 2.4 مليار دولار، وهو أدنى مستوى مسجل في تاريخ الصناعة الحديثة في إسرائيل. وانخفضت صادرات الماس المصقول وحدها إلى 1.77 مليار دولار، بتراجع 22% على أساس سنوي، فيما هبطت صادرات الخام 34% إلى ما يزيد قليلًا على 200 مليون دولار.
وقالت مراقبة الماس الإسرائيلية ناتالي جوتمان إن حجم تجارة القطاع أصبح لا يتجاوز ثلث مستواه قبل عشر سنوات، مؤكدة أن الانخفاض مستمر منذ 2022.
ولم تعد الأزمة تقتصر على انخفاض الصادرات. ففي بورصة إسرائيل للماس في رامات جان ظهرت قبل ذلك علامة غير مسبوقة، عندما أصبح عدد الأعضاء المغادرين أكبر من المنضمين للمرة الأولى في تاريخها؛ بعدما كان المركز يستقبل نحو 200 عضو جديد سنويًا في سنوات الرواج، مقابل نحو 30 فقط في العام الذي سبقت فيه الأزمة الحالية، ما دفع البورصة إلى خفض رسوم العضوية 50% في محاولة لجذب جيل جديد من التجار.
وفي 2026 أصبحت هجرة النشاط نفسه أكثر وضوحًا. وقال رئيس البورصة نيسيم زوارتس إن شركات كانت تعمل من إسرائيل وتنقل إليها البضائع والموظفين انتقلت إلى دبي، محذرًا من أن استمرار الوضع يهدد مستقبل المركز الإسرائيلي. وكان زوارتس قد قدر قبل ذلك أن حجم أعمال إسرائيل، الذي بلغ تاريخيًا نحو 20 مليار دولار، تراجع إلى 7–8 مليارات، مقابل أكثر من 20 مليارًا في دبي، مشيرًا إلى انتقال إسرائيليين إليها للاستفادة من الضرائب الأخف والتنظيم الأكثر مرونة.
الحرب أيضاٍ عمّقت المشكلة. ففي مارس 2026 أفادت Rapaport بأن التداول في إسرائيل ودبي تجمد خلال الضربات الصاروخية الإيرانية، لتضاف المخاطر الأمنية واللوجستية إلى ضعف الطلب العالمي، وصعود الماس المعملي، وتراجع الصين، والرسوم الأمريكية على الصادرات الإسرائيلية.
المفارقة أن المستفيد الأكبر من تراجع رامات جان هو المركز الذي بدأت إسرائيل نفسها في بناء الجسور معه بعد اتفاقات 2020. فقد شجعت دبي منذ ذلك الوقت الشركات الإسرائيلية على تأسيس وجود محلي، واليوم سجلت تجارة الماس عبر دبي 41.7 مليار دولار و 359.5 مليون قيراط في 2025، بزيادة 16.2% بالقيمة و 42.5% بالحجم خلال عام واحد
وبذلك تبدو حالة إسرائيل واحدة من أوضح صور إعادة رسم خريطة الماس العالمية: رامات جان لا تخسر بسبب المعملي وحده، وإنما نتيجة تراكم طويل من تراجع تنافسيتها، وانتقال التجارة إلى دبي والهند، ثم جاءت الحرب والمخاطر الأمنية والرسوم التجارية لتسرّع انتقال الشركات ورؤوس الأموال والخبرات إلى مراكز أكثر اتصالًا بالأسواق.
مما يؤكد فرضية كنوز نيوز التي تقول: ليس كل تراجع في الماس الطبيعي تراجعًا في طلب المستهلك؛ أحيانًا تكون القراريط نفسها قد غيرت عنوانها فقط.
-
أنتويرب.. التاريخ والالتزام بالمعايير لا يحمي المركز التجاري
في أنتويرب، ظلت تجارة الماس ضخمة بالقيمة، لكن المركز واجه انتقالًا متزايدًا للنشاط نحو دبي والهند، ثم أضافت العقوبات على الماس الروسي تحديًا جديدًا لمنظومة التتبع والتجارة.
أنتويرب تتحول من مركز عالمي قائم على الحجم إلى مركز أصغر نسبيًا يحاول المنافسة بالثقة والتتبع والخبرة والأحجار الأعلى قيمة.
فأنتويرب لم تفقد مكانتها التاريخية في تجارة الماس بسبب عامل واحد. فقد اجتمعت عوامل مثل انتقال التصنيع إلى الهند، وصعود دبي كمركز تجاري، وتراجع إنتاج وأسعار الطبيعي، ثم العقوبات على روسيا، مع مجموعة من التحديات الداخلية في بلجيكا تتعلق بتكلفة العمالة، ونقص المهارات، والرقابة والامتثال والتمويل والإجراءات التنظيمية.
والنتيجة تظهر بوضوح في الأرقام. ففي 2025 تراجعت تجارة الماس في أنتويرب 22.4% مقارنة بعام 2024، بعد أن كانت قيمة التجارة قد انخفضت في 2024 نفسها بنحو 25% إلى 24.4 مليار دولار. بينما لم يمثل الماس الصناعي في عام 2025 سوى 0.37% من إجمالي قيمة تجارة الماس في أنتويرب، ما يعكس بقاء المركز شديد التركيز على الطبيعي.
لكن الأزمة الحالية كان لها جذور أقدم وأعمق تمثلت في:
التصنيع غادر أولًا.. ثم بدأت التجارة تتبعه
تاريخيًا كانت أنتويرب تجمع داخلها حلقات متعددة: التمويل، والتجارة، والفرز، والقطع والصقل، والتقييم والشحن.
لكن الصقل الكمي للماس أصبح غير اقتصادي في بلجيكا أمام تكلفة العمالة في الهند.
وهذه ليست مقارنة بسيطة في الأجور فقط. ففي 2024 بلغ متوسط تكلفة ساعة العمل في بلجيكا 48.2 يورو، وهي ثالث أعلى تكلفة في الاتحاد الأوروبي بعد لوكسمبورج والدنمارك، مقابل متوسط 33.5 يورو للاتحاد الأوروبي. وفي الصناعة الأوروبية بلغ المتوسط 33.9 يورو للساعة.
ولا تعني هذه الأرقام أن عامل صقل الماس تحديدًا يتقاضى 48.2 يورو في الساعة؛ فهذا متوسط تكلفة العمل للاقتصاد البلجيكي شاملًا الأجور والتكاليف غير المباشرة. لكنه يوضح البيئة التي تعمل فيها شركة بلجيكية مقارنة بمصانع سورات الهندية.
ومع كون الصقل نشاطًا كثيف العمالة، كانت النتيجة الاقتصادية منطقية: انتقل الجزء الأكبر من القطع والصقل إلى الهند، بينما احتفظت أنتويرب بدرجة أكبر بالأحجار الأعلى قيمة والتجارة والخدمات المتخصصة.
«تكشف بيئة التكلفة حجم الفجوة التي دفعت عمليات القطع والصقل تدريجيًا نحو الهند؛ ففي 2024 بلغ متوسط تكلفة ساعة العمل على صاحب العمل في بلجيكا 48.2 يورو، مقابل أجور تصنيع تدور قرب دولار واحد للساعة في الهند. حيث تقوم سورات بقطع وصقل الغالبية الساحقة من أحجار العالم، بينما أصبحت الهند تحاول الانتقال من مجرد مصنع إلى مركز لتجارة الخام أيضًا.
ورغم أن الرقمين لا يمثلان أجر صاقل الماس تحديدًا ولا يتطابقان منهجيًا، فإنهما يوضحان فارق التكلفة الهائل الذي يصعب معه على أنتويرب منافسة سورات في عمليات الصقل كثيفة العمالة
وهنا تكمن المشكلة الاستراتيجية لأنتويرب، فعندما ينتقل التصنيع إلى مكان آخر، يصبح لدى المصنع حافز تدريجي لشراء الخام وبيعه وتمويله بالقرب من مكان التصنيع نفسه” .
مفارقة العمالة: عدم الإتاحة رغم ارتفاع التكلفة
المشكلة الثانية أكثر إثارة، فرغم ارتفاع تكلفة العمل في أنتويرب، إلا أنها أصبحت تعاني نقصًا هيكليًا في صاقلي وفرّازي الماس المتخصصين.
وصلت المشكلة إلى درجة أن حكومة فلاندرز قررت في نوفمبر 2025 السماح باستقدام عمال أجانب للعمل في مهنتي diamond polisher وdiamond sorter عبر إجراءات أكثر سهولة، ودخل النظام حيز التنفيذ في يناير 2026. وقالت AWDC صراحة إن المهارتين أصبحتا نادرتين في سوق العمل المحلي وإن نقصهما يضر بالقدرة التنافسية لأنتويرب.
أي أن المركز يواجه مفارقة: عمالة غالية + نقص في العمالة المتخصصة + جيل مهني يتقلص.
فهذا الوضع المتأزم يفسر سبب صعوبة إعادة بناء قاعدة تصنيع كبيرة في أنتويرب حتى لو تحسنت تجارة الماس.
التنظيم والامتثال.. مميزات تتحول لنقاط ضعف
واحدة من أهم نقاط قوة أنتويرب هي أيضًا واحدة من نقاط ضعفها التجارية. فالمدينة أصبحت من أكثر مراكز الماس خضوعًا للرقابة في العالم.
فخلال كل عام يصبح Diamond Office مطالبا بتجهيز وإنهاء نحو 85 ألف إقرار استيراد وتصدير، وتخضع الشحنات لفحص مادي بواسطة خبراء محلفين وتحت إشراف الحكومة البلجيكية. وتصف AWDC القطاع بأنه من أكثر القطاعات خضوعًا للرقابة في العالم. وهذه الرقابة تمنح أنتويرب شيئًا بالغ القيمة:
الثقة والشفافية وقابلية التتبع.
لكنها تعنيفي المقابل إجراءات وتكلفة ووقتًا أكثر. فالتاجر البلجيكي يعمل داخل منظومة تشمل الجمارك، وقواعد مكافحة غسل الأموال، وKimberley Process، ومتطلبات الإفصاح والرقابة الأوروبية، وأصبح تقديم تقرير نشاط مكافحة غسل الأموال نفسه يتم إلكترونيًا عبر بوابة رقابية حكومية مخصصة.
المشكلة ليست أن هذه القواعد «سيئة»؛ بل أن تكلفة الامتثال ليست واحدة بين المراكز العالمية.
وبالتالي، عندما يستطيع التاجر تنفيذ الصفقة نفسها عبر مركز آخر بإجراءات أسرع أو تكلفة تشغيل أقل، تصبح الشفافية وحدها غير كافية للاحتفاظ بالحجم التجاري.
العقوبات الروسية كشفت المشكلة بصورة عنيفة
الحرب الروسية الأوكرانية لم تكن سببا مباشرا في تراجع أنتويرب، لكنها سرعت واحدة من أكبر عمليات نقل التدفقات في تاريخ المركز الحديث، فقبل فرض العقوبات، كان أكثر من 30% من واردات أنتويرب من الخام روسية المنشأ؛ وتضع بيانات AWDC النسبة التاريخية في بعض المقارنات عند نحو 35%.
ومع حظر الماس الروسي، اختفت هذه التدفقات من أنتويرب. لكن الماس الروسي نفسه لم يختفِ من السوق العالمية. بحسب AWDC، تحول الجزء الأكبر منه إلى: الهند ودبي.
مما يعني أن تراجع حجم أنتويرب لا يعني تراجع حجم الماس الطبيعي عالميًا. بل أن الماس غير مساره عبر مراكز أخرى.
قواعد التتبع تفرض تكلفة إضافية
مع تطبيق الحظر على الماس الروسي المعالج في دول ثالثة، أصبح إثبات منشأ الحجر أكثر تعقيدًا. وفي مارس 2024 اشتكت أكثر من 100 شركة الماس في أنتويرب من تأخير الشحنات لأكثر من أسبوع، بما في ذلك شحنات غير روسية، نتيجة الإجراءات الجديدة للتحقق من المنشأ. وحذرت الشركات من أن ذلك يضيف تكلفة ويهدد القدرة التنافسية للمركز. وهنا ظهرت المفارقة بوضوح:
أوروبا تريد أنتويرب بوابة رقابية تمنع دخول الماس الروسي إلى أسواق مجموعة السبع، لكن الدور الرقابي نفسه يمكن أن يجعل مرور الحجر عبر أنتويرب أكثر تكلفة وتعقيدًا.
التمويل.. ميزة تاريخية أصبحت أكثر تحفظًا
هناك عنصر آخر لا يقل أهمية عن الأجور: البنوك.، حيث تحتاج تجارة الماس إلى تمويل كبير، لأن التاجر قد يحتفظ بمخزون مرتفع القيمة لفترة قبل بيعه.
وأنتويرب بنت جزءًا كبيرًا من قوتها التاريخية حول شبكة من البنوك والممولين المتخصصين. لكن تشدد قواعد مكافحة غسل الأموال وارتفاع المخاطر التي ترى المؤسسات المالية أنها مرتبطة بتجارة الأحجار عالية القيمة جعلا البنوك أكثر تحفظًا في تمويل القطاع.
واللافت أن AWDC نفسها تشير إلى أن المؤسسات المالية تعطي وزنًا كبيرًا لعمليات الفحص والرقابة التي يقوم بها Diamond Office عند تقييم قطاع الماس. وهنا يصبح الامتثال ضروريًا للحصول على التمويل، لكنه في الوقت نفسه يرفع تكلفة تشغيل الشركة.
والأرقام تكشف حجم التحول
في 2025 انخفضت تجارة أنتويرب 22.4%. وفي المقابل تقول AWDC نفسها إن العقوبات أفقدتها تدفقات روسية كانت تمثل أكثر من 30% من واردات الخام قبل العقوبات.
والأهم أن بيانات 2026 لا تشير إلى اختفاء أنتويرب؛ صادرات المصقول خلال النصف الأول بلغت نحو 1.35 مليون قيراط بحساب البيانات الشهرية المنشورة من AWDC، مقابل نحو 1.48 مليون قيراط في الفترة نفسها من 2025، أي تراجع يقارب 9%.
-
دبي تصعد بينما المراكز القديمة تتراجع
المركز الأكثر وضوحًا في اتجاهه المعاكس هو دبي. ففي 2025 وصلت تجارة الماس عبر دبي إلى رقم قياسي بلغ: 41.7 مليار دولار و359.5 مليون قيراط عبر جميع الفئات.
واستحوذ الطبيعي على 95.8% من قيمة التجارة، بقيمة 39.9 مليار دولار، بينما بلغ تداول الخام الطبيعي وحده 205.2 مليون قيراط. كما وصلت تجارة الطبيعي المصقول إلى 18.7 مليار دولار.
وهنا يجب التأكيد على أنه لا يجوز مقارنة 359.5 مليون قيراط مباشرة بمبيعات المستهلك؛ لأن الماسة يمكن أن تدخل وتخرج من دبي وتظهر أكثر من مرة في إحصاءات التداول.
لكن الرقم يقول شيئًا مختلفًا ومهمًا: مركز الثقل التجاري نفسه يتحرك شرقًا وجنوبًا.
أنتويرب وإسرائيل لم تعودا وحدهما بوابتي الصناعة، بينما أصبحت دبي نقطة التقاء بين أفريقيا والهند وروسيا والأسواق الآسيوية.
لماذا تبدو دبي أكثر جاذبية؟
هنا لا يتعلق الأمر بالأجور وحدها. لأن دبي بنت نظاماً متكاملًا للتاجر يجمع بين الكثير من المميزات منها:
موقع وسط بين أفريقيا والهند وآسيا، بنية لوجستية وجوية قوية، بيئة مناطق حرة، مجتمع تجار دولي، قرب من سورات، وقرب من منتجي أفريقيا، وقدرة على التعامل مع تدفقات لم تعد تستطيع المرور عبر أنتويرب، وعلى رأسها جانب من الماس الروسي.
فتمكنت من بناء شبكة واحدة تجمع بين المناجم الأفريقية/روسيا → دبي → سورات → الأسواق العالمية.

الأسواق الاستهلاكية لا تتحرك في اتجاه واحد
من الأخطاء الشائعة تصور أن المستهلك العالمي كله انتقل من الطبيعي إلى المعملي بنفس السرعة. فالواقع أكثر تعقيدًا من هذه الفكرة. ففي وقت ما وتحديدا قبل عشر سنوات كانت الصين هي المحرك الأكبر لنمو الطلب واليوم، أصبحت إحدى نقاط الضعف الأساسية. وقد أشارت بيانات القطاع الهندي إلى أن الصين، التي تستورد جزءًا كبيرًا من مصقول الهند عبر هونج كونج، شهدت تباطؤًا حادًا بفعل ضعف الاقتصاد، والتحول نحو الذهب، وانخفاض أعداد الزيجات.
أما اليابان، فتحركت بصورة مختلفة تمامًا؛ فقد بلغت وارداتها من المصقول الطبيعي 1.48 مليون قيراط في 2015 ثم ارتفعت إلى 2.82 مليون في 2025.
أمريكا: صورة أوضح لسوق يتسع للمنافسة بين النوعين
في أمريكا.. أصبح الماس المعملي شديد الحضور، خصوصًا في خواتم الخطوبة والفئات العمرية الأصغر، لكن الطبيعي لم يختف. وتشير بيانات De Beers إلى ارتفاع متوسط سعر قطعة المجوهرات الطبيعية في الولايات المتحدة إلى 4,063 دولارات في 2025 مقابل 3,242 دولارًا في 2023، مع اتجاه إلى شراء أحجام أكبر.
بمعنى آخر، بدأ السوق الأمريكي ينقسم: المعملي يأخذ حصة أكبر من الحجم والسوق المتوسط، بينما يتحرك جزء من الطبيعي نحو الندرة والقيمة الأعلى والقطع الأكبر والأكثر تميزًا.
خمس أزمات في عشرين عامًا
الماس منتج ترفيهي، ولذلك يتأثر بالأزمات بطريقة أسرع من السلع الأساسية.
| الأزمة | أثرها الرئيسي على سوق الماس |
| الأزمة المالية 2008–2009 | هبوط حاد في الإنفاق وشراء أحجار أصغر |
| اضطرابات 2015–2019 | تراكم مخزون وضغط على المصقول وتباطؤ الصين |
| كورونا 2020 | توقف المتاجر والسفر والتصنيع، ثم طفرة مؤقتة في الطلب على السلع |
| حرب روسيا وأوكرانيا | عقوبات على أهم منتج عالمي بالحجم وإعادة رسم مسارات التجارة والتتبع |
| حرب غزة ثم صراع إيران 2026 | ضغط على إسرائيل والخليج، وتعطل لوجستيات الهند ودبي والأسواق الإقليمية |
Bain وصفت كورونا بأنها صدمة متزامنة للعرض والطلب؛ حيث أغلقت مصانع ومتاجر وتعطلت اللوجستيات، بينما تراجع دخل المستهلك، قبل أن يشهد السوق تعافيًا قويًا لاحقًا.
أما الصراع مع إيران في 2026 فأصبح أثره مباشرًا على السلسلة؛ إذ أفادت رويترز بتعطل صادرات المجوهرات الهندية وواردات الخام عبر الإمارات بسبب إلغاء الرحلات وإغلاق المجالات الجوية.
روسيا.. المنتج الذي لم يختفِ وإنما غيّر مساره
تحتل روسيا مكانًا مختلفًا في هذه الخريطة. فهي ليست مجرد سوق تجاري، بل أكبر منتجي الخام عالميًا بالحجم في عدد من السنوات، وكانت تمثل نحو 30% من الإنتاج العالمي وقت إعلان قيود مجموعة السبع على الماس الروسي.
ورغم أن العقوبات لم تجعل الماس الروسي يختفي من الأرض، إلا أنها جعلت الوصول به إلى الأسواق الغربية أصعب، ودفعت نحو تطوير آليات تتبع المنشأ وإعادة توجيه جانب أكبر من التدفقات عبر آسيا ومراكز أخرى. كما أدت متطلبات التتبع إلى اضطرابات في أنتويرب نفسها، مع شكاوى من التأخير وارتفاع التكلفة عند بدء تطبيق القيود.
لهذا لا يمكن تفسير أي هبوط في تدفقات روسيا بعد 2022 باعتباره ضعفًا في الطلب على الطبيعي؛ فجزء كبير منه سياسي ولوجستي.
صحوة أفريقيا.. من بيع الحجر إلى امتلاك السلسلة
أحد أهم التحولات الحالية لا يحدث في أمريكا أو الهند، وإنما في أفريقيا.
مع ثورة المعلومات والتطور التكنولوجي وسهولة الوصول إلي الأسواق العالمية، أصبحت الدول المنتجة أكثر وعيا بالفارق الهائل الذي تستفيد منه شركات التعدين من حاصل بيع الخام المستخرج من هذه الدول والذي لا يقارن بحجم الأرباح التي تحصل عليها الشركات الأجنبية، الأمر الذي دفعها للمطالبة بنصيب أكبر من القيمة التي كانت تُخلق تاريخيًا خارج أراضيها.
ولعل أبرز مثال على هذا التحول هو بوتسوانا. التي كانت أول من طالبت تعديل بنود الاتفاق مع De Beers، عن طريق رفع حصة شركة Okavango الحكومية من إنتاج Debswana المتاح للبيع من 30% في 2025–2030 إلى 40% في 2030–2035، ثم 50% في الفترة التالية إذا تم تمديد الاتفاق.
كما سعت بتسوانا إلى محاولات رفع القيمة المضافة للخام الذي تحصل عليه من حصتها في دي بيرز، سواء بدعم التدريب على عمليات التقطيع والتلميع، أو بتعديل هوية بوتسوانا لجعل الماس رمزا أصيلا لها كمنتج ومصدر، أو بالقيام بعمليات تسويق الخام عبر قنوات عالمية بعيدا عن سيطرة دي بيرز.
وهنا نستطيع القول بأن بوتسوانا سعت لإعادة تموضعها في سوق الماس العالمي كدولة منتجة ومصنعة بعد أن كانت مجرد منجم تستحوذ عليه شركات أجنبية تحصد وحدها السمعة العالمية للماس الطبيعي.
تحالف الدول المنتجة
لم يكن تحرك بوتسوانا منفردا، ولكن توافقا حدث تحت رعاية مجلس الماس الطبيعي -الهند- ودي بيرز نقسها لتوحيد الدول المنتجة للماس- التي طالبت بزيادة حصتها- للمساهمة في حملات تسويق الماس الطبيعي وإعادة إحياء الرغبة في شرائه بعد التراجع الناتج عن ارتباطه بالصراعات الدموية والجماعات المسلحة وعمليات غسيل الأموال، في محاولة للمشاركة في تكلفة الحملات الدعائية وتوزيعها على الدول المنتجة.
وتجسد هذا التوافق من خلال اتفاقية لواندا –Luanda Accord- التي تم توقيعها في يونيو 2025 بهدف تخصيص ما يعادل 1% من إيرادات مبيعات الخام لدعم التسويق الجماعي للماس الطبيعي. وضمتالاتفاقية العديد من الدول المنتجة للماس الطبيعي منها أنجولا وبوتسوانا وناميبيا والكونغو الديمقراطية وسيراليون، إلى جانب مؤسسات -مراكز تجارة وصناعة- وهي الهند ودبي وأنتويرب ودي بيرز. حول، الذي يستهدف ت
الأهم من التسويق نفسه أن هناك اتجاهًا أوسع:
أفريقيا لا تريد أن تبقى منجمًا فقط، بل تريد التقييم والفرز والتجارة والصقل والتسويق وربما الملكية في الشركات الكبرى.
ووصل التحول في 2026 إلى مرحلة أكثر حساسية؛ فبوتسوانا تدرس هيكل مشاركتها في ملكية De Beers نفسها مع تقدم عملية خروج Anglo American من الشركة، وسط اهتمام من أنجولا وناميبيا أيضًا.
الخريطة الجديدة للماس
يمكن تلخيص التحول الجاري هكذا:
| النشاط | المراكز التقليدية | المراكز الصاعدة/المتحولة |
| إنتاج الطبيعي | روسيا، بوتسوانا، جنوب أفريقيا | أنجولا + عودة نفوذ الدول الأفريقية |
| تصنيع الطبيعي | إسرائيل، بلجيكا | الهند |
| تصنيع المعملي | أمريكا صناعيًا وتقنيًا | الصين + الهند |
| تجارة الخام والمصقول | أنتويرب، تل أبيب، هونج كونج | دبي |
| الاستهلاك | أمريكا، أوروبا، اليابان | أمريكا مستمرة + الهند والخليج أكثر أهمية |
| نمو المعملي | محدود قبل 2015 | أمريكا كمستهلك، الصين والهند كموردين |
عملية التحول تؤكد أن ما يحدث ليس انتقالًا كاملاً من الغرب إلى الشرق، وإنما تفكيك للأدوار القديمة وإعادة توزيعها. لتصبح كالتالي:
أمريكا تظل السوق الاستهلاكية الأهم/ الهند أصبحت المصنع الأكبر وتتحول إلي مركز تجارة أكبر/ الصين أصبحت مصنعًا للمعملي وسوقًا طبيعيًا أقل قوة مما كان متوقعًا/ دبي تتحول إلى مركز تجارة عالمي لكنها تواجه تحديات في ظل الحرب على إيران/ أفريقيا تحاول السيطرة على جزء أكبر من القيمة/ وأنتويرب أمام معركة للحفاظ على المكانة التاريخية عبر التخصص والثقة والتتبع بدل الاعتماد على الحجم/ إسرائيل تواجه هجرة جماعية بدأت بسبب الضرائب ثم استمرت وتكثفت بسبب الحرب، وتواجه الشركات الإسرائيلية تحديا مزدوجا، فالشركات التي راهنت على دبي تعاني الآن نفس المعاناة التي تمر بها دبي، ويبدو أن الأمر سيصب في.
هل المعملي سبب أزمة الطبيعي أم نتيجة لها؟
بعد مراجعة العشرين عامًا، الإجابة الأدق هي:
لا هذا ولا ذاك بشكل كامل. فالأمر لا يبدو بهذه البساطة
فقد بدأت مشكلات سوق الطبيعي فعلياً قبل ظهور ونمو المعملي بكميات تجارية، حيث تعرض السوق لضربة كبيرة في 2008–2009، ثم لمشكلات مخزون وربحية وتغير جغرافي في العقد التالي.
وفي الوقت نفسه، كانت الصناعة تتوقع منذ سنوات انخفاض إنتاج المناجم الطبيعية مستقبلًا.
فزاد تطور المعملي داخل هذه البيئة، لكنه لم يبق مجرد «إمداد بديل». فعندما انخفضت تكلفة الإنتاج وتحسنت الجودة، تحول إلى منتج مختلف اقتصاديًا يمكن للمستهلك من خلاله شراء قيراطين أو ثلاثة بسعر كان يشتري به قيراطًا طبيعيًا أصغر. وهنا بدأ يأخذ بالفعل جزءًا من الطلب الطبيعي، خاصة في الشريحة السعرية المتوسطة والـbridal الأمريكي.
لكن المعملي أضاف أيضًا عمليات شراء لم تكن تحدث سابقًا، ومنها الشراء الذاتي والقطع الأكبر والمجوهرات الأكثر ارتباطًا بالموضة، وهي النقطة التي أشار إليها مؤخرًا رئيس ومن ثم فالفرضية التي تحتاج الدراسة التالية بالأحجام لا بالقيمة هي:
الماس المعملي قام بالعمليتين معًا: أخذ جزءًا من السوق الطبيعي، ووسع في الوقت نفسه إجمالي عدد قراريط الماس التي يستطيع المستهلك شراءها. وفي المقابل، دفع مستهلك الماس الطبيعي إلي الاتجاه إلى الأحجام الأكبر وذات الجودة العالية بعيدا عن الماس المللي والاحجام ما دون القيراط الواحد.

كيف ساهمت «الحرب على المعملي» في نموه؟
لم يكن انخفاض السعر وتطور تقنيات الإنتاج وحدهما وراء صعود الماس المعملي؛ فقد استفاد أيضًا من الطريقة التي تعامل بها قطاع الماس الطبيعي معه. ففي البداية حاول جزء من الصناعة تثبيت الفارق لغويًا وتسويقيًا، باستخدام تعبيرات مثل «synthetic» والتشديد على أن الحجر الطبيعي وحده يحمل الندرة والقيمة العاطفية. لكن هذه المواجهة دفعت المستهلك، للمرة الأولى تقريبًا، إلى طرح سؤال مباشر: ما الفرق بين الاثنين؟ وكانت الإجابة العلمية غير مريحة تسويقيًا للطبيعي؛ فالماس المعملي ليس تقليدًا زجاجيًا أو حجرًا شبيهًا بالماس، وإنما يمتلك الخصائص الكيميائية والفيزيائية والبصرية الأساسية للماس، مع اختلاف المنشأ. وهذا هو التمييز الذي تعتمده GIA أيضًا.
وجاء عام 2018 كنقطة تحول شديدة الأهمية. فقد عدلت لجنة التجارة الفيدرالية الأمريكية FTC أدلة صناعة المجوهرات، وحذفت كلمة «natural» من تعريف diamond، موضحة أن التطور التكنولوجي أتاح إنتاج أحجار لها نفس الخصائص البصرية والفيزيائية والكيميائية التي يتميز بها الماس المستخرج من المناجم، مع إلزام البائع بالإفصاح الواضح بأنها laboratory-grown أو laboratory-created وليست مستخرجة من الأرض. كما اعتبرت اللجنة أن استخدام كلمة «synthetic» بطريقة توحي بأن الماس المعملي ليس ماسًا حقيقيًا من حيث المادة يمكن أن يكون مضللًا.
والمفارقة الأكبر جاءت من De Beers نفسها. ففي مايو 2018، أطلقت المجموعة — التي ارتبط اسمها تاريخيًا بالدفاع عن قيمة الماس الطبيعي — علامة Lightbox لبيع مجوهرات الماس المعملي، محددة سعرًا معلنًا يبلغ 800 دولار للقيراط، ومقدمة المنتج باعتباره ماسًا مناسبًا لمجوهرات الموضة اليومية وبأسعار يسهل الوصول إليها.
وبغض النظر عن هدف De Beers الاستراتيجي آنذاك في الفصل بين الطبيعي باعتباره منتجًا نادرًا طويل القيمة والمعملي باعتباره منتجًا للموضة، فإن دخول أكبر اسم تاريخي في صناعة الطبيعي إلى السوق كان يحمل رسالة أخرى للمستهلك: الماس المعملي أصبح منتجًا تجاريًا مشروعًا يستحق علامة ومجموعة وتصميمًا ومتجرًا.
وهكذا تحولت المواجهة نفسها إلى حملة تعريف مجانية بالمنتج الجديد. فكل إعلان يشرح لماذا يختلف الطبيعي عن المعملي كان يعرّف مستهلكًا جديدًا بوجود البديل؛ وكل جدل حول المصطلح دفع وسائل الإعلام والمتاجر والمعامل إلى شرح خصائصه؛ وكل محاولة لإثبات تفوق الطبيعي رسخت المقارنة المباشرة بين المنتجين. ثم جاءت الأسعار لتفعل الباقي: مع توسع الصين والهند في الإنتاج وتحسن تقنيات HPHT وCVD، زادت الأحجام والجودة بصورة كبيرة؛ وترصد GIA أن أكثر من 90% من أحجار HPHT التي استقبلتها خلال 2021–2023 أصبحت عديمة اللون، كما أصبحت أحجار CVD الكبيرة عالية الجودة أكثر شيوعًا.
ومع هبوط تكلفة الإنتاج والأسعار، تغيرت المنافسة من سؤال «هل المعملي ماس؟» إلى سؤال أكثر صعوبة بالنسبة للطبيعي: «لماذا أدفع عدة أضعاف مقابل حجر طبيعي بالحجم نفسه؟» واليوم يشير الرئيس التنفيذي لـSwarovski أليكسيس ناصارد إلى أن سعر الجملة لبعض الماس المعملي أصبح يدور حول 100 دولار للقيراط، وأن انتشاره أتاح استخدام الماس في أنماط شراء جديدة، وعلى رأسها شراء النساء للمجوهرات لأنفسهن.
وبالتالي يمكن القول إن قطاع الطبيعي أخطأ عندما خاض المعركة الأولى حول «هوية الحجر» أكثر مما خاضها حول «قيمة المنشأ». فالعلم والتنظيم حَسَما أن المعملي ماس من حيث المادة مع وجوب الإفصاح عن منشئه؛ بينما تظل الميزة التي لا يستطيع المعملي نسخها هي أن الطبيعي تكوّن جيولوجيًا في الأرض، محدود الإمداد، وله منشأ وتاريخ وندرة.
ومن هنا ربما كان السؤال التسويقي الأفضل للطبيعي منذ البداية ليس: «هل المعملي ماس؟»، وإنما: «لماذا يستحق الماس الطبيعي علاوة سعرية؟».
وهو ما أدركه العاملون بالماس الطبيعي مؤخرا ومتأخرا، حيث بدأ الحديث يتحول من محاربة وجود المعملي إلى التركيز على الندرة والمنشأ والتتبع والقصة والقيمة طويلة الأجل؛ أي محاولة إعادة تعريف المنافسة بدل إنكار المنتج المنافس.
الخلاصة
بعد عشرين عامًا، لم تعد صناعة الماس سلسلة مستقيمة تبدأ بالمنجم وتنتهي بالمتجر.
الطبيعي أصبح أكثر ندرة في جانب العرض، لكنه يواجه مستهلكًا أكثر حساسية للسعر.
المعملي أصبح أكثر وفرة وأرخص، لكنه بدأ بدوره يواجه أزمة هبوط الأسعار وفقدان الندرة.
الدول الأفريقية تريد جزءًا أكبر من قيمة الطبيعي.
الصين والهند تسيطران على إنتاج المعملي.
دبي تستحوذ على مساحة أكبر من التجارة.
أمريكا ما زالت المكان الذي تُحسم فيه المعركة على المستهلك.
لذلك فإن السؤال لم يعد: من سينتصر، الطبيعي أم المعملي؟
السؤال الأكثر دقة هو: أي وظيفة سيحتلها كل منهما في سوق الماس الجديد، ومن هي الدول التي ستنجح في التقاط القيمة أثناء إعادة رسم الخريطة؟
تعليق كنوز نيوز:
تجدر الإشارة إلى أن حالة الصراع المختلقة ما بين الماس الطبيعي والماس الصناعي، واعتقاد البعض بأن الماس المعملي سببا مباشرا في تراجع الاقبال على الماس الطبيعي ليس حقيقيا، فقد بدأت تحديات الطبيعي منذ سنوات طويلة قبل ظهور المعملي، وارتبط معظمها بقضايا جنائية وأخلاقية ظهرت بوضوح في مصطلح “الماس الدموي” الذي تورط في تمويل الجماعات الإرهابية والصراعات المسلحة خاصة في المجتمعات المنتجة للماس نفسه.
وكذلك ارتبطت بغسيل الأموال، ومع ارتفاع أصوات المؤسسات الدولية التي تطالب بمراعاة حقوق الإنسان وحقوق العمال مع ارتفاع المطالبات بمعايير الاستدامة ومراعاة البيئة والمناخ والحد من استخدام الممارسات الضارة بالبيئة، بالإضافة لوعي الدول المنتجة -الأفريقية- لحقوقها في الحصول على سعر عادل من الخام الذي يستخرج من أراضيها وضرورة مشاركتها في السوق العالمي كعلامة تجارية ذات ثقل، وسهولة النفاذ للأسواق العالمية عبر التجارة الألكترونية..
كل هذه التحديات مثلت ضغوطا متعددة على الماس الطبيعي وأضعفت من حجم الأرباح التي كانت تحققها الشركات الكبرى المحتكرة وقلصت من حجم سيطرتها على مصادر الإنتاج والنفاذ إلى الأسواق، مما دفع أكبر هذه الشركات للتفكير في التخارج من سوق الماس برمته والتركيز في معادن أخرى أكثر ربحية وطلبا وتزايد في الاسعار. (انجلو أمريكان تطرح دي بيرز للبيع).
وهنا يجدر بنا أن نتساءل:
كيف تدخل مصر هذا القطاع؟ و هل تستطيع المنافسة؟
ربما تكون أهم نتيجة من كل هذه الخريطة أن مصر لا تحتاج إلى منجم ماس حتى تدخل صناعة الماس. كما إن محاولة منافسة الهند في الصقل الكمي، أو دبي في حجم التداول، ستكون نقطة بداية خاطئة.
فالأرقام الحالية تكشف مدى صغر قاعدة الماس المصرية؛ فقد بلغت واردات مصر المسجلة من الماس الطبيعي المصقول HS710239 نحو 302 ألف دولار فقط في 2024. وهو الرقم الرسمي، بينما يدرك المتابع أن السوق المصري يمكن أن يكون أكبر بكثير من هذا الرقم المسجل، حيث تتسبب ارتفاع نسبة الجمارك على الماس المستورد في زيادة عمليات التمرير بطرق غير رسمية، بحيث تدخل كميات تحت بند الاستخدام الشخصي مع أفراد، الأمر الذي يؤدي إلى ضياع مستحقات الدولة من الجمارك، إلا أن للأمر بُعدا أكثر أهمية.
فنسبة الجمارك المفروضة على المجوهرات الماسية منذ سنوات لا تتناسب تماما مع ما تطمح إليه مصر من التحول إلى سوق عالمي، حيث يحتاج الأمر في هذه الحالة إلى التفرقة بين الماس الخام والماس المصقول كمستلزمات إنتاج، والماس المركب على مجوهرات نهائية الصنع.
مما يعني أنه لا يجب الاعتماد على الرقم الرسمي المعلن مؤخرا. وهذا بالضرورة يعني ضرورة التحفظ عند وصف السوق المصري بالضعف من ناحية، كما لا ينفى أنه يحتاج لمزيد من الأسس الواضحة للبناء عليها وعمل منظومة متكاملة تسمح بالتداول الشفاف من ناحية أخرى.

وهنا يمكن لمصر أن تبدأ من عدة حلقات أكثر واقعية:
أولًا: بوابة أفريقيا وليس منافسًا لأفريقيا.
مصر يمكنها بناء علاقات مباشرة مع بوتسوانا وأنجولا وناميبيا والدول المنتجة للحصول على أحجار موثقة المنشأ، وتقديم خدمات تجارة ومعارض وتقييم وتسويق تربط أفريقيا بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
ثانيًا: مركز إقليمي للفحص والشهادات والتتبع.
في عالم أصبحت فيه العقوبات الروسية والماس المعملي وقواعد الإفصاح والمنشأ أكثر تعقيدًا، تصبح الثقة بنية تحتية اقتصادية وليست مجرد شهادة حجر.
ثالثًا: منطقة متخصصة لتجارة الأحجار.
ليس المطلوب إنشاء «دبي ثانية» من البداية، وإنما نظام جمركي واضح يسمح بالدخول المؤقت للأحجار بغرض الفحص أو التصنيع أو العرض وإعادة التصدير، دون أن تصبح تكلفة الإجراءات أكبر من هامش التاجر.
رابعًا: الصقل المتخصص وليس الصقل الرخيص.
منافسة سورات في ملايين القراريط غير منطقية. لكن مصر تستطيع بناء مهارات في الأحجار الخاصة، وإعادة القطع، والإصلاح، وترصيع المجوهرات عالية القيمة.
خامسًا: دمج الماس داخل صناعة المجوهرات المصرية.
الميزة المصرية الحقيقية ليست الحجر منفردًا، وإنما قدرتها على تحويله إلى منتج ذي تصميم وهوية وقصة.
وفي سوق عالمي بدأ يبحث أكثر عن provenance- المنشأ، والهوية، والندرة، والقصة، تمتلك مصر أصلًا ثقافيًا لا تستطيع أي دولة أخرى استنساخه.
سادسًا: التوسع في تعليم وتدريب الأيدي العاملة والحرفيين والمصممين.
فالطاقة البشرية التي تملكها مصر مع ارتفاع القابلية للتعلم والقدرة على الإبداع تؤهل مصر لغزو الأسواق العالمية من خلال توفير الخبرات والمهارات الحرفية في التصميم والتصنيع والتجارة والمبيعات، لتغطى النقص الواضح في بعض المراكز والأسواق مثل أنتويرب، كما يمكنها الاستفادة من تراجع بعض المدن بفعل التوترات الجيوسياسية.
سابعا: تأهيل البنية المصرفية الأساسية لاستيعاب حجم التداولات المناسب لسوق عالمي تقدر تحويلاته اليومية بعشرات المليارات، ووضع بنية تشريعية وررقابية محكمة لضمان سهولة التداول مع إحكام الرقابة، الأمر الذي يصب في ارتفاع حصيلة الدولة بسبب توقف عمليات التهريب في ظل تسهيل الإجراءات اللازمة لنمو التجارة.
هذه الإجراءات في حال تنظيمها كفيلة بإدخال الكثير من رؤوس الأموال والاستثمارات المتطلعة إلى بيئة أكثر استقرارا لبناء بنية تصنيعية قوية لممارسة الأنشطة الصناعية والتجارية، والأمر ليس مجرد تكهنات أو توقعات، بل نتيجة استطلاع ولقاءات ومناقشات تم إجراؤها مع العديد من العاملين بالقطاع في عدة أسواق ومعارض عالمية، ومقترحات قدمها عدد كبير من المصريين الذين نقلوا أنشطتهم بالفعل لخارج مصر منذ سنوات، ومُصنعين وتجار من أسواق اشتهرت بصناعة وتجارة المجوهرات الماسية مثل لبنان وبعض الأسواق الخليجية والأفريقية على حد سواء.
لذلك قد لا تكون فرصة مصر في أن تصبح أكبر تاجر ماس في المنطقة. لكنها تستطيع أن تصبح حلقة موثوقة بين الماس الأفريقي، والتصنيع والتصميم المصري، والمستهلك العربي والأفريقي والمتوسطي. وهذه مساحة أصغر من دبي والهند من حيث الحجم، لكنها ربما تكون أكثر واقعية وربحية لمصر في اللحظة الحالية. التي تمثل لحظة تاريحية حاسمة تستطيع مصر خلالها لعب دور هام
لقراءة المزيد:
كيف غير نظام الكاش باك المرهون بسلامة الغلاف.. اقتصاديات تجارة السبائك في مصر؟
أنتجت 2.09 مليون قيراط خلال 2025: ناميبيا تبحث توريد الماس الخام إلى الهند بشكل مباشر-
بوتسوانا تحتفل بـ 60 عامًا من الاستقلال والماس الطبيعي
خريطة لأهم الاحجار الكريمة المستخرجة من مناجم روسيا
تقنيات تتبع الماس والمجوهرات.. هل تدعم الصناعة أم تزيد أعبائها؟


