بث تجريبي

الخريطة قبل المنجم:

الكونغو ترصد 180 مليون دولار للمسح الجيولوجي وتحويل البيانات إلى أصل سيادي

الكونغو تجري مسحا جيولوجيا لحصر بيانات التعدين والمناجم

كنوز.نيوز

تتجه الكونغو الديمقراطية مؤخرا إلى تطوير منظومة التعدين وإعادة النظر في قوانين تراخيص التعدين للشركات والأفراد لجذب الاستثمارات الأجنبية، وقبل إقرار قواعد التراخيص لاستغلال المناجم، كان القرار الأهم بأن تعرف أولًا ماذا يوجد بالفعل داخل هذه المناجم قبل طرحها للاستكشاف. لتوفر مراحل عديدة من الاستكشاف توفيرا للوقت وتقديرا دقيقا للثروات.

بهذه المعادلة بدأت كينشاسا إعادة بناء خريطتها الجيولوجية، ضمن توجه لتحويل البيانات عن الثروات الموجودة تحت الأرض إلى أصل استراتيجي تملكه الدولة، بدل أن تبقى المعرفة التفصيلية بالموارد موزعة بين الشركات صاحبة الامتيازات والمستثمرين.

وتنفذ الكونغو برنامجًا قوميًا للمسح الجيولوجي ورقمنة البيانات القديمة، يتصدره عقد مدته ثلاث سنوات بقيمة 180 مليون دولار مع شركة Xcalibur الإسبانية، بدأ في يناير 2026 ويغطي أكثر من 700 ألف كيلومتر مربع باستخدام المسوح الجيوفيزيائية الجوية وتحليل البيانات لتحديد المناطق الواعدة بالاستكشاف.

وتكشف ضخامة المشروع عن مفارقة لافتة؛ فالدولة التي تعد واحدة من أغنى مناطق العالم بالمعادن لا يزال نحو 80% من أراضيها دون استكشاف جيولوجي منهجي، وفق تقديرات هيئة المسح الجيولوجي الكونغولية.

ولا تعتمد كينشاسا على مشروع واحد، إذ تنفذ برامج وشراكات مرتبطة بالمسح والبيانات مع جهات دولية بينها BRGM الفرنسية، ومجلس علوم الأرض الجنوب أفريقي، وKoBold Metals، وSolafune اليابانية وAfricaMuseum البلجيكي، على أن تصب البيانات الناتجة في بنك جيولوجي وطني يستهدف التشغيل الكامل بنهاية 2026.

 

الخريطة نفسها أصبحت لها قيمة

النموذج الجديد لا يقوم على نشر جميع البيانات مجانًا. تخطط الدولة لإتاحة المعلومات الجيولوجية الأساسية، بينما يصبح الوصول إلى البيانات الأعلى دقة وحساسية بمقابل مالي، مع فحص طلبات المستثمرين وحماية ما تعتبره الحكومة مصالح استراتيجية.

ويمكن إعادة توجيه جانب من عائد بيع البيانات لتمويل المزيد من عمليات المسح، بما يحول المعلومة الجيولوجية نفسها إلى أصل اقتصادي قادر على تمويل اكتشاف المزيد من الموارد.

ووصف مدير هيئة المسح الجيولوجي Raoul Wazenga Vitima البيانات الناتجة عن هذه البرامج بأنها «أصل استراتيجي للدولة الكونغولية».

والهدف يتجاوز تحصيل رسوم من المستثمرين. فامتلاك الدولة للبيانات يقلل فجوة المعلومات بينها وبين شركات التعدين؛ إذ تصبح قادرة قبل طرح الأراضي أو التفاوض على الامتيازات على معرفة درجة احتمالية وجود المعدن ونوعية الموارد، ومن ثم تقييم العروض والمنافسة على الرخص من موقع تفاوضي أقوى.

وقد أثبتت المعرفة الجيولوجية بالفعل قدرتها على تغيير قيمة ما تعرف الكونغو أنها تملكه؛ إذ ارتفعت تقديرات احتياطيات الكوبالت في البلاد بأكثر من 76% بين عامي 2000 و2025 إلى نحو 6 ملايين طن مع توسع الاستكشاف وتحسن البيانات.

 

الشركة الأسبانية تقوم بتدريب الطلبة في الكونغرو
الشركة الأسبانية تقوم بتدريب الطلبة في الكونغرو

ذهب وماس تحت خريطة لم تكتمل

تمتلك الكونغو ثروات ضخمة من النحاس والكوبالت والتنتالوم والقصدير والتنغستن والليثيوم والجرمانيوم، إلى جانب الذهب والماس.

وفي الذهب بلغ الإنتاج الرسمي نحو 27.9 طنًا في 2024، جاء الجزء الأكبر منه من منجم Kibali، بينما يظل الحجم الحقيقي لإنتاج التعدين الحرفي والصغير أصعب في القياس، خاصة في شرق البلاد، نتيجة خروج جانب من الذهب عن القنوات الرسمية.

أما الماس، فأنتج قطاع التعدين الحرفي والصغير وحده نحو 6.3 مليون قيراط في 2024، بما يقارب 70% من إنتاج البلاد. وتتركز غالبية الإنتاج في الماس الطبيعي منخفض الجودة المستخدم في التطبيقات الصناعية، إلى جانب حصة أصغر من الماس بجودة الأحجار الكريمة.

وهنا تصبح الخريطة الجديدة مهمة ليس فقط لجذب الشركات الكبرى، وإنما أيضًا لمعرفة حجم الثروة الموجودة في المناطق التي يعمل فيها التعدين الأهلي، وتطوير سياسات إدخال إنتاجها إلى الاقتصاد الرسمي.

من الخريطة إلى الرخصة.. الكونغو تعدّل قواعد التعدين

لا يأتي مشروع البيانات الجيولوجية منفردًا. فالحكومة تتحرك بالتوازي لإعادة النظر في القواعد التي تحكم منح الحقوق التعدينية واستغلال الموارد والشراكة مع المستثمرين.

وفي أغسطس 2026 أعاد Cadastre Minier فتح استقبال طلبات حقوق الاستكشاف الجديدة بعد عملية لتنقية وتنظيم السجل التعديني، في محاولة لمعالجة التراكم والحقوق غير النشطة وإعادة الأراضي غير المستغلة إلى دائرة الاستثمار.

وبموجب قانون التعدين النافذ حاليًا، تبلغ مدة تصريح البحث خمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة لخمس سنوات أخرى، بينما تصل رخصة الاستغلال إلى 25 عامًا ويمكن تجديدها لفترات لاحقة لا تتجاوز 15 عامًا في كل مرة.

لكن الحكومة طرحت خلال 2026 مراجعة جديدة لقانون التعدين الصادر في 2018، تشمل أكثر من 40 مادة، ضمن اتجاه لزيادة قدرة الدولة على إدارة المعادن الاستراتيجية والمخزونات والحقوق التعدينية وتشديد الرقابة والعقوبات.

وأثارت المقترحات اعتراضات من غرفة المناجم التي حذرت من أن تعديل القواعد بسرعة أو توسيع سلطات الدولة بصورة غير متوازنة قد يضر باستقرار الإطار القانوني وثقة المستثمرين.

 

من صاحب رخصة إلى شريك لعقود

بالتوازي مع تعديل القانون، يتطور مفهوم الشراكة نفسه، فبعض مشروعات المعادن الاستراتيجية الجديدة يجري التعامل معها على أفق اقتصادي طويل قد يمتد 20 إلى 40 عامًا، وقد يصل في بعض الحالات إلى نحو 50 عامًا وفق عمر المنجم وحجم الاستثمار وفترة استرداد رأس المال.

ولا يعني ذلك أن رخصة الاستكشاف أصبحت 50 عامًا؛ فالمدة القانونية الحالية للبحث ما زالت 5 سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة. وإنما يظهر أفق الخمسين عامًا في عمر بعض المشروعات وهياكل الشراكات والاستثمار طويلة الأجل.

وتحاول الكونغو في المقابل الحصول على أكثر من رسوم وضرائب استخراج الخام، عبر اشتراط أو تشجيع المعالجة والتصنيع المحلي ونقل التكنولوجيا وتطوير البنية الأساسية وسلاسل القيمة.

وفي الماس، أقرت الحكومة خلال 2026 مشروع ADEX RDC كشراكة مناصفة بين صندوق التعدين الحكومي FOMIN وشريك خاص، تستهدف تطوير القطع والصقل والتسويق داخل البلاد بدل تصدير الحجر الخام وحده، في قطاع ترى السلطات أن موارده الحرفية يمكن أن تدعم النشاط لعقود مقبلة.

ويظهر الاتجاه نفسه في المعادن الحرجة، حيث أصبحت الحكومة تدفع نحو شراكات تربط الحصول على الموارد باستثمارات طويلة الأجل في الطاقة والبنية الأساسية والتصنيع المحلي.

وبذلك تتشكل أمام الكونغو ثلاثة مستويات متكاملة لإعادة إدارة الثروة: أن تعرف الدولة أولًا ما تملكه، ثم تحدد بشروطها من يحصل على حق استكشافه واستغلاله، وأخيرًا تفاوض على ما يبقى داخل الاقتصاد من قيمة بعد استخراج المعدن.

فالتحول الحقيقي لا يبدأ عند فوهة المنجم، يبدأ قبلها بالخريطة، ثم الرخصة، ثم شكل الشراكة التي تحدد من يحصل في النهاية على القيمة التي تخفيها الأرض.

 

لقراءة المزيد:
تنزانيا.. ثروة معدنية هائلة وتجربة ناجحة في تعظيم القيمة المضافة

غينيا توسع رهاناتها بالنصف 2 من 2026: شراكة بين «Nimba» و«Resolute» لتطوير مشروعات جديدة للذهب

زامبيا تستنسخ نموذج غانا لاستعادة 1.8 مليار دولار من تجارة الذهب غير الرسمية

مصرفيون وصناع ونواب يبحثون آليات تمويل الذهب والتعدين وتحويل المدخرات الذهبية إلى أصول فاعلة في الاقتصاد

لماذا نتتبع الحجر من المنجم.. ونفقد أثر جوهرة تاريخية من المتحف خلال 4 دقائق؟

مقالات مختارة

تنتج نحو 70% عالمياً: جنوب أفريقيا تعرض على واشنطن شراكة لتوسيع تصنيع معادن البلاتين محليًا
الكونغو تطرح سياسة جديدة للمعادن من 4 عناصر: التصنيع محليًا، التتبع، حماية العمال وتقاسم القيمة
ألماس بوتسوانا في نيويورك: 60 عامًا من الاستقلال وصياغة الهوية الدولة الماسية
وزير البترول والثروة المعدنية: جذب الشركات العالمية والاستثمارات طويلة الأجل ركيزة لتطوير قطاع التعدين
تسوية ملف الفواخير بين مصر وFMC تمهيد لعودتها لتعدين الذهب باستثمارات 20 مليون جنيه
Kakoka: نموذج أوغندي جديد لإدخال الذهب المحلي إلى السوق الرسمي 2500
شعبة صناعة الذهب: زيادة الطلب المحلي واضطرابات الطيران وراء تراجع صادرات القطاع بنسبة 44%
490 فدانًا 2000 طاحونة.. “إيمكس إنترناشيونال” تطور منطقة العقب اللوجستية بقوص لتجميع أنشطة طحن واستخلاص الذهب
إندونيسيا و5 دول أفريقية ضمن أول آلية لتحويل الثروة المعدنية إلى صناعة ووظائف
الصين وغانا توسعان التعاون في التعدين والتصنيع.. والقيمة المضافة تدخل الشراكة