لم تكن إضافة الصين نحو 20.2 طن من الذهب إلى احتياطياتها الرسمية خلال أغسطس مجرد عملية شراء جديدة، فالكمية التي تعد الأكبر التي تضيفها بكين خلال شهر واحد على مدى حوالي ثلاث سنوات، تأتي وسط تحركات تمتد من المناجم والمصافي إلى الاستثمار المحلي وربط شنغهاي بهونج كونج، وصولًا إلى علاقة الذهب بالدولار.
أعلنت الصين أن بنك الشعب الصيني 650 ألف أوقية خلال أغسطس، مواصلًا زيادة احتياطياته للشهر الـ 22 على التوالي، بعدما اشترى نحو 20 طنًا في يوليو و 15 طنًا في يونيو، في حين لم يتك الكشف في بيانات رسمية عن مصدر السبائك، لذلك لا يمكن الجزم بأن الكمية جاءت من المناجم المحلية أو مشروعات الشركات الصينية بالخارج أو الواردات والأسواق الدولية.

شراء عند الانخفاض.. ولكن
استفادت الصين بالفعل من انخفاض السعر. وأشار مجلس الذهب العالمي إلى أن البنك المركزي سرّع مشترياته في يوليو بالتزامن مع تراجع المعدن. لكن استمرار الشراء بقوة في أغسطس رغم عودة الأسعار للارتفاع يعني أن اقتناص السعر المنخفض ليس تفسيرًا كافيًا.
الأقرب أن بكين تنفذ سياسة تراكم وتنويع احتياطيات طويلة الأجل، تستغل التصحيحات السعرية لزيادة الكميات دون أن تجعل السعر وحده محددًا للشراء.
ويتزامن ذلك مع تراجع طويل الأجل في حيازات الصين المعلنة من سندات الخزانة الأمريكية، والتي بلغت نحو 633.4 مليار دولار في يونيو، أدنى مستوى منذ 2008.
لكن الصين لا تهجر الدولار بالكامل، فاحتياطياتها من النقد الأجنبي ارتفعت في أغسطس إلى 3.438 تريليون دولار، كما عادت بنوك تجارية صينية إلى شراء سندات أمريكية للاستفادة من العائد والسيولة الدولارية. مما يجعل المعادلة لييست مجرد “بيع الدولار وشراء الملاذ الآمن”، وإنما “تنويع المخاطر وزيادة وزن أصل لا يمثل التزامًا ائتمانيًا على دولة أخرى”.
شنغهاي وهونج كونج.. جسر للذهب
بالتوازي، تبني الصين بنية أكبر لتجارة المعدن. ففي يوليو بدأت هونج كونج التشغيل التجريبي لنظام مركزي لمقاصة وتسوية الذهب، بالتزامن مع المرحلة الأولى من Delivery Connect مع بورصة شنغهاي للذهب، لربط حركة الذهب المادي بين السوق الصينية وهونج كونج.
وتخطط هونج كونج أيضًا لتوسيع قدرات التخزين والتكرير والتسوية والمنتجات الاستثمارية، فيما تكتسب الخطوة أهمية إضافية مع مساعي بكين لزيادة الاستخدام الدولي لليوان.
ولا يعني ذلك إعلان الصين خطة لإزاحة لندن أو الدولار، لكنه يبني قدرة أكبر على تداول الذهب وتخزينه وتسويته وتسعيره داخل منظومة صينية-آسيوية.
وفي مفارقة لافتة، يتزامن التوسع مع تشديد بنوك صينية القيود على بعض صور تداول المعادن الثمينة للأفراد، خصوصًا المنتجات عالية الرافعة والمضاربة، مع استمرار العقود الآجلة وصناديق الذهب ومنتجات الادخار المرتبطة بالمعدن.
وبلغت حيازات صناديق الذهب الصينية نحو 277 طنًا بنهاية يونيو، بينما سجل الطلب على السبائك والعملات مستوى قياسيًا للنصف الأول بلغ 314 طنًا.
أي أن الاتجاه لا يبدو حربًا على “الورقي”، بقدر ما هو تقليص للمضاربة الفردية عالية المخاطر مع تعزيز قنوات الاستثمار المنظمة والمرتبطة بالمعدن الأصفر.
المواطن أيضًا يجمع الذهب
لا يتراكم المعدن في خزائن الدولة وحدها. فقد بلغ الطلب الصيني على المشغولات نحو 136 طنًا خلال النصف الأول، منخفضًا 30%، لكن قيمة الإنفاق عليها ارتفعت 11% إلى نحو 21 مليار دولار.
وفي المقابل قفز الطلب على السبائك والعملات إلى 314 طنًا، ما يكشف انتقال جزء من الطلب من الزينة إلى الاستثمار وليس عزوفًا عن المعدن.
كما تمتلك الصين صناعة ضخمة للمجوهرات، تستورد مشغولات أجنبية وتصدر إنتاجًا للأسواق الخارجية، مما يضيف التصنيع والقيمة المضافة إلى المنظومة الصينية.
من أين تحصل الصين على المعدن؟
أنتجت المناجم داخل الصين نحو 153 طنًا من الخام المحلي خلال النصف الأول من 2026. وفي الوقت نفسه أنتجت المناجم الخارجية التابعة للمجموعات الصينية الكبرى نحو 48 طنًا، بزيادة 21.4%.
وبذلك يصل الإنتاج المنجمي داخل الصين وخارجها المنسوب للشركات الصينية إلى نحو 201 طن خلال ستة أشهر.
بينما أنتجت المصافي الصينية نحو 77 طنًا من خام مستورد. ولا تضاف هذه الكمية إلى الإنتاج المنجمي الصيني لأنها استخرجت من دول أخرى، لكنها تكشف عن حلقة إضافية تسيطر عليها الصين: المعالجة والتكرير.
وبجمع الخام المحلي مع الخام الأجنبي الذي عالجته المصافي، بلغ الإنتاج داخل المصانع الصينية نحو 230 طنًا خلال النصف الأول.
ورغم كون الصين أكبر منتج للذهب عالميًا، بلغ صافي وارداتها نحو 764 طنًا في النصف الأول، بزيادة 138%، ما يكشف حجم الطلب الذي لا يستطيع الإنتاج المحلي تلبيته.
وتبرز روسيا كمصدر متنامٍ؛ إذ وصلت شحناتها إلى هونج كونج إلى نحو 100 طن خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026. لكن لا يوجد دليل يثبت انتقال الذهب الروسي أو إنتاج الشركات الصينية بالخارج إلى احتياطي البنك المركزي تحديدًا.
إلى أين تتجه الصين؟
بالنظر ألى المعلومات الرسمية المتاحة. نجد أن الـ20 طنًا الجديدة مجرد جزئ صغير من صورة أكبر، فالصين تنتج الخام داخليًا، وتستخرجه شركاتها خارج الحدود، وتستورد الخام وتكرره، وتستورد السبائك، وتصنع المجوهرات وتصدرها، ويشتري مواطنوها المعدن بمنتجاته المختلفة، ويزيد البنك المركزي احتياطياته، بينما تربط شنغهاي بهونج كونج وتوسع قدرات التخزين والتسوية والتداول.
لا يثبت ذلك وجود خطة معلنة لإحلال المعدن الأصفر محل الدولار أو بناء نظام عالمي بديل، لكنه يكشف اتجاهًا يصعب تجاهله: الصين تعمل على امتلاك أكبر عدد ممكن من حلقات السلسلة، من المنجم إلى المصفاة، ومن الفاترينة إلى السوق، وصولًا إلى خزائن البنك المركزي.
فهل تجمع الصين المعدن فقط، أم تبني حوله منظومة مالية وصناعية وتجارية تمنحها أمن الإمداد، ودورًا أكبر لليوان، واعتمادًا أقل على البنية المالية الغربية؟
حتى الآن لا تقدم بكين إجابة واحدة معلنة تجمع كل هذه التحركات تحت عنوان واحد، إلا أن الأرقام بدأت اشير إلى بعض التوجهات بالنيابة عنها.
لقراءة المزيد:
الصين تسرّع وتيرة شراء الذهب وتضيف 20 طناً تقريباً لمخزونها خلال يوليو 2026.. ما دلالة ذلك؟
Harry Winston تعرض 165 من أندر مقتنياتها في 10 قاعات بشنغهاي
غانا تطلقGANRAP1 خطة تحويل الذهب لاحتياطي إستراتيجى بدلا من تصدير الخام
بترومنت وشلاتين توقعان عقد تطوير مجمع استخلاص الذهب وتشغيل 56 وحدة إنتاجية بأسوان
غانا تختبر قدرتها على الاحتفاظ بأكبر قيمة ممكنة للذهب قبل تصديره، حققت 20 مليار دولار خلال 2025.


