تبدأ غانا يوم الثلاثاء المقبل 18 أغسطس 2026، حوارًا وطنيًا واسعًا حول مستقبل قطاع التعدين، في خطوة تتجاوز مناقشة زيادة الإنتاج والاستثمارات إلى سؤال أكثر عمقًا: كيف تتحول الثروة المعدنية إلى قيمة مستدامة للدولة والمجتمعات التي تحتضن عمليات التعدين؟
وتستضيف العاصمة أكرا National Mining Dialogue 2026 في مركز أكرا الدولي للمؤتمرات Accra International Conference Centre، اعتبارًا من الساعة 8:30 صباحًا بتوقيت غانا، تحت عنوان «إعادة التفكير في الترخيص الاجتماعي للعمل – Rethinking the Social License to Operate»، بحسب الإعلان الخاص بالحدث.
ويبرز بين المتحدثين سامي جيامفي Sammy Gyamfi، الرئيس التنفيذي لمجلس الذهب الغانيGhana Gold Board – GoldBod، المؤسسة التي أصبحت لاعبًا محوريًا في إعادة هيكلة تجارة الذهب وسلسلة القيمة في البلاد.
ولا يُقصد بـ«الترخيص الاجتماعي للعمل» ترخيصًا قانونيًا أو تصريحًا حكوميًا جديدًا لشركات التعدين، وإنما قبول المجتمعات المحلية للنشاط التعديني وثقتها في الطريقة التي تدار بها مواردها، ومدى استفادتها الاقتصادية والاجتماعية من استخراج هذه الثروات.

من استخراج الذهب إلى الاحتفاظ بقيمته
ويأتي الحوار في توقيت تتحرك فيه غانا لإعادة صياغة موقعها داخل سلسلة القيمة العالمية للذهب، بحيث لا تظل مجرد دولة منتجة ومصدرة للخام، وإنما تحتفظ بنسبة أكبر من القيمة الاقتصادية للذهب داخل الاقتصاد المحلي.
وتقول GoldBod إن استراتيجيتها تقوم على التوريد المسؤول، وتتبع سلسلة القيمة، والقيمة المضافة والاستدامة. كما تتولى المؤسسة تنظيم وشراء وفحص وتكرير وتصدير ما لا يقل عن 3 أطنان من الذهب أسبوعيًا، بدعم رأسمالي أولي من الحكومة بقيمة 279 مليون دولار.
وفي يوليو، أعلنت الحكومة اتفاقًا مع شركات التعدين الكبرى يقضي بشراء GoldBod 30% من إنتاجها من الذهب اعتبارًا من أول يوليو 2026، في صورة ذهب doré، على أن يتم تكريره محليًا ضمن سياسة تستهدف زيادة الاحتفاظ بالقيمة داخل غانا وتعزيز الاحتياطيات، مع طموح حكومي للوصول إلى وقف تصدير المعادن الخام بحلول 2030.
المجتمعات والتعدين الصغير في قلب الحوار
وتكشف الموضوعات الرئيسية المعلنة للحوار عن اتساع نطاق النقاش، إذ تشمل تحقيق نمو أكثر شمولًا للمجتمعات التعدينية، وتقنين ودعم التعدين الحرفي والصغير ASM، وتتبع الذهب وبناء سلاسل إمداد مسؤولة، وزيادة القيمة المضافة والاحتفاظ بالقيمة محليًا، إلى جانب حماية البيئة وتطوير ممارسات تعدين مستدامة.
وتكتسب قضية التعدين الصغير أهمية استثنائية في غانا؛ إذ تشير بيانات GoldBod إلى ارتفاع إنتاج القطاع من 63 طنًا في 2024 إلى 104 أطنان في 2025. وتعمل الهيئة بالتوازي على إنشاء مراكز لشراء الذهب في مناطق التعدين، بهدف تحسين التسعير والشفافية وتقليل التهريب وإدخال المزيد من إنتاج المناجم الصغيرة إلى القنوات الرسمية.
وبذلك يصبح السؤال الذي يطرحه الحوار أكبر من حجم الذهب المستخرج: من يحصل على القيمة؟ وكم يبقى منها داخل الدولة؟ وما نصيب المجتمعات المنتجة؟ وكيف يمكن حماية البيئة في المناطق التي تتحمل التكلفة المباشرة لعمليات التعدين؟
ملك الجا.. هل يشارك في الحوار حول إدارة الثروة
واللافت أن الحوار يأتي بعد أسابيع قليلة من لقاء يحمل دلالة مهمة في هذا السياق. ففي 27 يوليو الماضي، التقى ملك شعب الجا Ga Mantse، الملك Tackie Teiko Tsuru II، سامي جيامفي، الرئيس التنفيذي لـGoldBod، لبحث تعزيز التعاون بين القيادات التقليدية ومؤسسات الدولة في إدارة موارد الذهب.
وتناولت المناقشات دور السلطات التقليدية في دعم تنظيم قطاع الذهب، وتشجيع التعدين المسؤول وحماية الموارد الطبيعية، إلى جانب تعزيز الشفافية والامتثال ومشاركة المجتمعات المحلية في حوكمة صناعة الذهب. كما أكد الجانبان أهمية الشراكة بين الحكام التقليديين والجهات التنظيمية وأصحاب المصلحة في الصناعة لتحقيق أكبر استفادة من الثروة المعدنية مع حماية البيئة وتحسين معيشة المجتمعات التعدينية. فيما يبدو أنه كان لقاء يمثل خطوة تمهيدية نحو فتح حوار وطني للتوافق حول الإجراءات التي يمكن أن يتم من خلالها تنفيذ خطة الدولة في تنمية قطاع التعدين وتنمية ثروات الوطن.
.
«العقد الاجتماعي» الجديد للذهب
وتعطي التحركات الأخيرة مضمونًا عمليًا لفكرة «الترخيص الاجتماعي» التي يناقشها المؤتمر؛ فقد وقعت GoldBod في يوليو اتفاقًا بقيمة 8.4 مليون سيدي غاني لإعادة تأهيل ثلاثة أنظمة لإمدادات المياه في مناطق تضررت، من بين عوامل أخرى، من آثار التعدين غير القانوني، في مثال مباشر على محاولة إعادة جزء من قيمة القطاع لمعالجة تكلفته البيئية والاجتماعية.
كما تعمل غانا على دفع القيمة المضافة إلى مراحل أبعد من استخراج الخام؛ إذ تتحدث GoldBod عن التكرير المحلي وصناعة المجوهرات، باعتبارهما جزءًا من استراتيجية خلق الوظائف والاحتفاظ بقيمة أكبر من الذهب داخل الاقتصاد بدلًا من تصديرها إلى الخارج.
وهكذا يبدو الحوار الوطني للتعدين 2026 أقرب إلى محاولة لصياغة عقد اجتماعي واقتصادي جديد حول الثروة المعدنية: الدولة تنظم وتحصل على نصيب أكبر من القيمة، والصناعة تستثمر وتنتج، والمجتمعات المحلية تحصل على عائد ملموس، والبيئة تدخل في حساب تكلفة التعدين، بينما يصبح التتبع والتعدين المسؤول جواز مرور الذهب الغاني إلى الأسواق الدولية.
العقد الاجتماعي للذهب أصبح ضرورة بعد نجاح النموذجين الإداري والمالي لمجلس الذهب
وبالتوازي مع إعادة صياغة العلاقة بين التعدين والمجتمعات المحلية، تختبر غانا نموذجًا ماليًا جديدًا لإدارة ثروتها الذهبية؛ إذ توقفت GoldBod منذ مارس 2026 عن شراء الذهب بتمويل من بنك غانا ونيابة عنه، وانتقلت إلى تعبئة التمويل مباشرة من البنوك التجارية ومشتري الذهب المتعاقدين لتمويل عمليات التجميع والتصدير وتكوين الاحتياطيات.
وحقق النموذج اختبارًا عمليًا لافتًا في 3 أغسطس الجاري، عندما نجحت الهيئة في تدبير 75 مليون دولار من البنوك التجارية خلال 48 ساعة فقط، وتحويل المقابل بالسيدي الغاني إلى الدولار مباشرة عبر السوق المصرفية، من دون وساطة البنك المركزي. ويعني ذلك أن غانا لا تعيد تنظيم كيفية استخراج الذهب وتداوله فحسب، وإنما تعمل أيضًا على إعادة بناء البنية المالية المحيطة به، بحيث يتحول الذهب إلى أداة لتوليد النقد الأجنبي وتمويل دورة شرائه ودعم الاحتياطيات والسيولة، مع تقليل الاعتماد المباشر على البنك المركزي.
لقراءة المزيد:
9.17 مليار دولار و 21% قفزة في صادرات المجوهرات الذهبية المرصعة خلال Q2 من 2026
غانا تطلق;GANRAP خطة تحويل الذهب لاحتياطي إستراتيجى بدلا من تصدير الخام
قمة توركانا 2026 تفتح أبوابها للاستثمار في الذهب والتعدين المسؤول
بفارق قد يصل 115 سهم: أزمة انخفاض عيارات الذهب السوري القديم.. خسارة المستهلك وفقدان الثقة !
بفارق قد يصل 115 سهم: أزمة انخفاض عيارات الذهب السوري القديم.. خسارة المستهلك وفقدان الثقة !



