يعاني قطاع الذهب والمجوهرات وسوق الذهب في مصر عادة من غياب المنهج العلمي في معظم مراحله التشغيلية، كما يفتقد إلى المعايير الأساسية اللازمة لعمليات التقييم ورصد آليات واتجاهات حركته بشكل علمي ومنهجي دقيق، بما يتيح البيانات التي يحتاجها متخذو القرار عند التفكير في رسم خارطة طريق لتنمية هذا القطاع، لذلك غالبا ما تفشل بعض القرارات في استمرارية تطبيقها على مدى زمني طويل، أو لا تصلح لتعميم تطبيقها على كل الحالات.
لذلك تبقى معظم التحليلات والتوقعات المرتبطة بأسعار الذهب في مصر من قبل الخبراء والمحللين الفنيين والمسئولين مجرد تكهنات ونصائح وآراء شخصية، فلا أحد يملك الحقيقة والمطلقة والرؤية المسبقة، ولا أحد يستطيع الجزم بتوجه السوق المصري ولا العالمي، ليس فقط لأن هذه الأمور مرتبطة بظروف وعوامل تمثل متغيرات يتعلق معظمها بقرارات وتقارير اقتصادية عالمية، ولكن أيضا لأن لا أحد يملك معلومات دقيقة عن حجم السوق المصري ولا مؤشراته ولا العوامل الحقيقية التي قد تتحكم فيه ربما من وراء ستار. ولأن الاهتمام الفعلي بالأسعار اليومية ومؤشرات البورصة هو أمر يخص المستثمرين والمتداولين بالأساس، لكنه ينعكس على حركة الصناعة والتجارة بالسلب في كل الحالات لما يحدثه من ارتفاع معدلات التوتر والتخبط في سياسات التسعير والتشغيل والتداول.
غموض السوق المصري
أذكر حين رغبت في عمل ملف شامل عن صناعة وتجارة الماس الطبيعي في مواجهة الماس الصناعي، لجأت وقتها لمؤسسات دولية معنية بهذه السلعة، وذلك بعد أن فشلت في العثور على أي معلومة ولو تقريبية عن حجم سوق الماس في مصر من داخل مصر، فلجأت لمؤسسات دولية تملك على الأقل مؤشرات حول حركة هذه التجارة عالميا، إلا أن الرد كان حاسما وصادما. حين أخبرني أحد المسؤولين في مجلس الماس الطبيعي بأن تجارة الماس وحجم السوق المصري بمثابة “ثقب أسود” ولا يملكون أية معلومة بشأنه، نظرا لعدم اعتماد الشمولية المالية في هذا المجال، وعدم وضوح القرارات المنظمة لهذه التجارة في مصر.
هل ينطبق الأمر على سوق الذهب؟
ربما.. ولكن الأمر قديختلف قليلا، فمن المثير للتعجب أن بيانات استهلاك المصريين للذهب تأتي عادة من أخبار يتم نقلها عن “مجلس الذهب العالمي” والذي يعتمد بالتأكيد في عمليات رصد حركات البيع والشراء على تطبيقات عالمية تقيس وتحلل حركة الخام، ولكن يبقى السؤال الغامض المحير.. كيف ولماذا تتوفر هذه البيانات ل مجلس الذهب العالمي، في حين تظل معظمها محجوبة عن المحللين المصريين وربما عن بعض المسئولين وبعض المعنيين بهذه الصناعة/ التجارة شديدة الأهمية والحساسية في نفس الوقت، لماذا لا تصدر بها بيانات رسمية كما تصدر الدولة بيانات دورية حول حجم الذهب الاحتياطي في البنك المركزي، بينما تظل بيانات المشغولات وحجم التداول غامضة وغير معلومة؟.
وتقودنا الأسئلة السابقة إلى سؤال تلو الآخر.. من عينة: هل تملك الحكومة المصرية آلية فعالة ودقيقة لرصد شفاف لحركات البيع والتداول وإعادة البيع؟ .. هل تملك الدولة القدرة الفعلية على حصر كميات الذهب المتداولة في الأسواق والكميات المخزنة كمدخرات لدى المستهلكين؟ هل تملك الدولة خطة محكمة لتأمين هذا القطاع من التلاعب والغش وسرقة الخام وتهريبه خارج البلاد بداية من عمليات التعدين وحتي بيع المشغولات؟ هل تملك الدولة فكرة عن طرق التهريب الإبداعية التي قد تحدث في الخفاء؟
سوق الذهب.. واقع جديد يفرض نفسه على الجميع
سيل من الأسئلة يتداعى إلى الذهن بمجرد البدء في التفكير في هذه الأحجية.. وهو أمر طبيعي في ظل عدم الشفافية والوضوح الذي يعاني منه السوق المصري، وهو ليس بالضرورة عن قصد.. بل الأرجح أنه عن جهل أو عدم علم أو بالأحرى عن واقع جديد أصبح مفروضا على قطاع ظلت تفاصيله وأسراره ومهاراته حبيسة صدور العاملين فيه يتوارثونها جيلا بعد جيل ولم يعتادوا هذا الاهتمام العالمي والمحلي لمستهلك ارتفع وعيه بصورة مذهلة بفعل وسائل التواصل الاجتماعي وتوافر مصادر المعلومات، وبفعل ظروف عالمية اقتصادية ضاغطة دفعت الجميع للتحوط بالذهب في مواجهة عمليات تضخم مرعبة تضاءلت معها رؤوس الأموال بمعدلات لم تحدث من قبل.
لهذه الأسباب والمقدمات.. وفي إطار الواقع الجديد الذي فرض نفسه بقوة على الجميع سواء الدولة، الصُنّاع، التجار، وحتى المستهلك، أصبح من الضروري التفكير في تطوير هذا القطاع الهام القادر على انعاش الاقتصاد المصري بأقل تكلفة ممكنة من الدولة.
فالأمر لا يتطلب من الدولة دعما ماديا، فمعظم- بل كل- استثمارات هذا القطاع هي استثمارات خاصة وعائلية بالمقام الأول، والتطوير لا تحتاج سوى إرادة سياسية قوية وتفهم لحساسية هذا القطاع وخصوصية معدن الذهب، وفتح قنوات تواصل فعالة ورشيدة مع من يملكون زمام هذا القطاع لبناء علاقة قوية قائمة على المصداقية والثقة المتبادلة والرؤية الواضحة والتشريعات المناسبة للواقع الجديد، وجيهتطبيق معايير منهجية وعلمية وقياسية للسوق الحالي وحجمه وتوجهاته، كخطوة نحو بناء استيراتيجية شاملة لتطوير وتنمية هذا القطاع، فما لا يمكن قياسه وتحديد ابعاده وسماته لا يمكن تطويره وتنميته أو حتى التحكم فيه.
مرصد الذهب.. استبيان حرك المياه الراكدة
جاءت فكرة تأسيس مركز بحثي لرصد مؤشرات سوق الذهب “مرصد الذهب” كاستجابة لاحتياجات هذا القطاع الذي قادت فيه بعض الشركات هذا التوجه قبل سنوات قليلة لنشر تحليلات فنية يومية لمؤشرات الأسعار ودلالاتها، إلا أن هذا التوجه لم يكن من قبيل الاهتمام الفعلي بالبحث والرصد المنهجي وبناء رؤي استشرافية لتطوير السوق، بقدر ما كان منهج تسويقياستخدم التحليلات كأداة للانتشار ومادة دعائية غير مباشرة للتسويق لمنتج كان المستهلك المصري عازفا عنها بشكل كبير فيما مضى، فكان التحفيز باستثارة غرائز الخوف والقلق من المستقبل، لذلك اكتفت التحليلات بالتركيز على اوقات الارتفاع المطرد للأسعار في ظل تأثير البيانات الأمريكية والبورصة العالمية، بهدف خلق المزيد من القلق عند المستهلك لدفعه للشراء. بدون تقديم رؤي مستقبلية عميقة تخص السوق المصري.
على نفس النهج سارت الخطى الأولى لمرصد الذهب في مصر، والذي جاء كتطور تلقائي لخبرات مؤسسه الدكتور وليد فاروق، الذي اكتفى بنفس عمليات الرصد والتحليل السطحي للأسعار وللبيانات الصادرة من المؤسسات الأمريكية، لكن لم يقدم جديدا في هذا الصدد إلا مع خطوة “استبيان الربع الأول لعام ٢٠٢٦” والذي يعد في اعتقادي أول وأهم خطوة في هذا الاتجاه، ليس لأنها خطوة جديدة، ولكن لأنها خطوة مهمة في وقت يحتاج السوق المصري فيه إلى هذا النوع من الدراسات القادرة على توصيف الواقع الفعلي للسوق وتوجهات المستهلك بدقة واستقلالية، ورصد نسب التراجع واحتمالات التقدم، فهذه البيانات الناتجة عن الاستطلاع أكبر من مجرد أرقام للنشر، لكنها محاولة تستحق التقدير والتشجيع لرصد لواقع غامض ومجهول حتي بالنسبة للعاملين فيه أحيانا.

فد لا تكون المنهجية العلمية غير محققة بالكامل، وقد لا تأتي النتائج بالدقة المطلوبة، وقد تكون عملية اختيار العينات تحتاج إلى مزيد من التنوع والتطبيق على اعداد أكبر، وقد تكون الأسئلة المطروحة بالاستمارات اجتهادية، وقد يكون تحليل المضمون بالدقة العلمية الكافية، فجميع هذه الخطوات لم نطلع عليها، إلا أن كل هذا لا يقلل من أهمية هذا الاستطلاع خاصة في الوقت الحالي وأهمية العمل على تشجيعه وتطويره ليتجه نحو دراسات أعمق وأوسع.
وأتمنى أن يحظى باستقلالية كاملة كمركز بحثي مستقل غير متأثر بتوجهات أو توجيهات تسويقية معينة، وأن يزداد اللجوء إلى الجهات العلمية والبحثية المتخصصة لدعوتها للمساهمة في عملية التطوير لهذا القطاع الضخم والهام ليس على مستوى تحليل الأسعار فقط، بل على مستوى عمليات التكرير والتصنيع والتداول والتسويق الخارجي والداخلي وعمليات الرقابة والفحص والترخيص، ليصبح العلم طريقنا لاختصار الطريق وتعويض الوقت الذي ضاع علينا في هذا الاتجاه الذي سبقتنا إليه الكثير من الدول الأحدث.
المنهج العلمي.. ضرورة وليس رفاهية
كخطوة هامة وواسعة نحو ترسيخ قواعد البحث العلمي والمنهجي في تحليل وقياس هذا السوق وفهم المتغيرات الحقيقية التي تؤثر عليه وتفكيك المعتقدات الراسخة في الأذهان حول هذا القطاع وإزالة الغموض واللبس الذي يفسر دائما بسوء نية اتهامات متبادلة بين الأطراف المعنية (الدولة- الصناع- التجار- المستهلكين). وبناء علاقات جديدة على أسس من الشفافية والوضوح والثقة المتبادلة باعتبارها الضمان الحقيقي للمضي قدما في بناء استيراتيجية شاملة لتنمية قطاع الذهب والمعادن الثمينة والمجوهرات في ظل توجه الدولة الحثيث نحو هذا الهدف بشراكة قوية بين الحكومة والقطاع الخاص الذي يملك تقريبا ١٠٠٪ من الاستثمارات في هذا المجال كما تملك اسرار العمل التي توارثوها جيلا بعد الأخر.
مقال ل: جيهان الشعراوي- كاتبة صحفية متخصصة في قطاع الذهب والمجوهرات والمعادن والأحجار الثمينة

كيف امتصت السيولة مبيعات البنوك المركزية؟
مالاوي: إجراءات مشددة لحماية الذهب والمعادن الطبيعية الوطنية من التهريب
تسهيلات جديدة لتراخيص استكشاف المعادن وإنشاء معامل تحاليل الصخور والخامات في مصر


