في خطوة تُعد من أبرز الصفقات داخل صناعة الماس العالمية خلال عام 2026، أعلن معهد الأحجار الكريمة الأمريكي GIA استحواذه على حصة تبلغ 30% من منصة « تراكر- tracr » الرقمية التابعة لمجموعة «دي بيرز»، والمتخصصة في تتبع منشأ الألماس الطبيعي باستخدام تقنية البلوك تشين، في صفقة تعكس التوجه المتزايد نحو تعزيز الشفافية وإثبات مصدر الأحجار الكريمة عبر سلسلة التوريد العالمية.
وتأتي هذه الخطوة في وقت تشهد فيه صناعة الماس تحولات كبيرة تتعلق بثقة المستهلكين، والطلب المتزايد على معرفة مصدر الأحجار وظروف استخراجها، إلى جانب المنافسة المتنامية من الماس المصنع داخل المختبرات.
وأعلنت مجموعة «دي بيرز» أن الاتفاقية الجديدة تمثل مرحلة مهمة في تطوير منصة « تراكر- tracr » ، حيث تسهم في تعزيز استقلاليتها وتحويلها إلى بنية رقمية أكثر انفتاحًا على مختلف أطراف الصناعة، مع تأكيد ثقة GIA في المنصة باعتبارها واحدة من أهم الأدوات العالمية لتوثيق وتتبع رحلة الألماس الطبيعي من المنجم إلى المستهلك.
خطوة جديدة نحو صناعة أكثر شفافية
يمثل دخول GIA كشريك استثماري رئيسي في المنصة تطورًا مهمًا في جهود القطاع لتعزيز الموثوقية داخل سوق الألماس الطبيعي، خاصة مع تزايد أهمية تقنيات التتبع الرقمي في الأسواق العالمية.
وكان التعاون بين الطرفين قد بدأ قبل سنوات، وتحديدًا في عام 2023، عندما بدأ معهد الأحجار الكريمة الأمريكي بإدراج بيانات منشأ الماس المسجلة على المنصة ضمن بعض تقارير تصنيف الماس الصادرة عنه، lما أتاح للمستهلكين وتجار التجزئة الاطلاع على معلومات أكثر دقة حول مصدر الحجر ومساره داخل سلسلة التوريد.
ويرى مراقبون أن انتقال العلاقة من مرحلة التعاون الفني إلى الشراكة الاستثمارية يعكس قناعة متزايدة داخل الصناعة بأهمية بناء أنظمة رقمية موحدة تساعد على توثيق هوية الماس الطبيعي وإثبات منشئه بصورة أكثر وضوحًا.
دي بيرز تفتح ملكية المنصة أمام الصناعة
وقال أل كوك، الرئيس التنفيذي لمجموعة «دي بيرز»، إن الصفقة تأتي تنفيذًا لاستراتيجية أعلنتها الشركة سابقًا تقوم على توسيع قاعدة ملكية منصة « تراكر- tracr » وتحويلها تدريجيًا إلى منصة أكثر استقلالية تخدم مختلف الجهات العاملة في قطاع الماس.
وأوضح أن مستقبل صناعة الماس الطبيعي يعتمد بشكل متزايد على الثقة والقدرة على إثبات المصدر، وهو ما يجعل تطوير البنية الرقمية الخاصة بالتتبع أحد أهم الملفات الاستراتيجية خلال السنوات المقبلة.
وتسعى دي بيرز من خلال هذه الخطوة إلى تعزيز مكانة « تراكر- tracr » كمنصة عالمية مفتوحة يمكن أن تعتمد عليها الشركات المنتجة والمصانع وتجار التجزئة ومختبرات التصنيف على حد سواء.

GIA: الجمع بين التصنيف والتتبع يخلق مستوى جديدًا من الثقة
من جانبه، أكد بريتيش باتيل، رئيس ومدير عام معهد الأحجار الكريمة الأمريكي، أن سنوات التعاون مع « تراكر- tracr » أثبتت أهمية الربط بين تقنيات التتبع القائمة على البلوك تشين والخبرة العلمية التي يمتلكها المعهد في تصنيف الأحجار الكريمة والتأكد من هويتها.
وأشار إلى أن هذا التكامل يمكن أن يفتح مرحلة جديدة داخل الصناعة تعتمد على تقديم معلومات أكثر دقة وشفافية للمستهلك النهائي، بما يسمح له بالتعرف على رحلة الحجر بالكامل منذ لحظة استخراجه وحتى وصوله إلى المتجر.
وأضاف أن الشفافية لم تعد عنصرًا إضافيًا داخل سوق المجوهرات الفاخرة، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من عملية اتخاذ قرار الشراء، خاصة لدى الأجيال الجديدة من المستهلكين الذين يولون اهتمامًا متزايدًا بمصدر المنتجات واستدامتها.
« تراكر- tracr » .. منصة بدأت من المنجم
أطلقت مجموعة «دي بيرز» المنصة عام 2018 بهدف إنشاء نظام رقمي متكامل لتسجيل وتتبع الماس الطبيعي منذ لحظة استخراجه من المناجم.
وتعتمد المنصة على تقنية البلوك تشين، التي تتيح تسجيل البيانات بطريقة يصعب تعديلها أو التلاعب بها، وهو ما يوفر سجلًا رقميًا موثوقًا لكل حجر ألماس يتم إدراجه داخل النظام.
وتبدأ عملية التوثيق من نقطة الاستخراج، حيث يتم تسجيل بيانات الحجر الخام، ثم تتبع المراحل المختلفة التي يمر بها خلال عمليات النقل والفرز والقطع والتلميع والتصنيف، وصولًا إلى المنتج النهائي.
ومع مرور السنوات أصبحت المنصة واحدة من أبرز المنصات الرقمية المتخصصة في مجال إثبات منشأ الماس الطبيعي وتتبع مساره التجاري.
توسع عالمي وتسجيل ملايين الأحجار
وفقًا لبيانات مجموعة دي بيرز، تم تسجيل أكثر من خمسة ملايين حجر ألماس خام على المنصة حتى الآن، وهو ما يمثل نحو ثلثي إنتاج الشركة من الماس الخام من حيث القيمة.
كما شهدت المنصة توسعًا ملحوظًا منذ فتحها أمام شركات الصناعة المختلفة في عام 2023، بعدما كانت مخصصة في البداية لعمليات دي بيرز فقط.
ومنذ يناير 2025 أصبحت المنصة توفر معلومات دقيقة حول بلد المنشأ الواحد لأحجار دي بيرز، كما يتم تسجيل جميع الأحجار الخام الجديدة التي يتجاوز وزنها قيراطًا واحدًا على النظام بصورة تلقائية.
ويُنظر إلى هذه الخطوة باعتبارها تطورًا مهمًا في جهود إثبات المصدر، خاصة مع تزايد طلب الأسواق العالمية على معلومات أكثر تفصيلًا حول منشأ الأحجار الكريمة.
لماذا تتجه الصناعة إلى البلوك تشين؟
شهد قطاع المجوهرات خلال السنوات الأخيرة توسعًا كبيرًا في استخدام تقنيات التتبع الرقمي، نتيجة عدة عوامل متداخلة.
أول هذه العوامل يتمثل في ارتفاع وعي المستهلكين الذين أصبحوا يطالبون بمعلومات أوضح حول مصدر الأحجار وظروف إنتاجها.
كما أن انتشار الألماس المصنع داخل المختبرات دفع شركات الألماس الطبيعي إلى البحث عن أدوات جديدة تؤكد هوية منتجاتها وتميزها عن المنتجات البديلة.
وتوفر تقنية البلوك تشين إمكانية بناء سجل رقمي متكامل لكل حجر، ما يمنح الشركات والمستهلكين قدرة أكبر على التحقق من البيانات المرتبطة بالألماس.
ويرى خبراء الصناعة أن السنوات المقبلة ستشهد توسعًا أكبر في اعتماد هذه التقنيات داخل سلاسل التوريد العالمية، ليس فقط في الماس، بل أيضًا في الذهب والأحجار الكريمة الملونة.
تأثير الصفقة على مستقبل الماس الطبيعي
تحمل الصفقة أبعادًا تتجاوز مجرد استثمار مالي، إذ تعكس توجهًا أوسع داخل الصناعة نحو بناء منظومة أكثر شفافية وقابلية للتتبع.
كما تمنح دخول مؤسسة بحجم GIA إلى هيكل ملكية « تراكر- tracr » مستوى إضافيًا من المصداقية، خاصة أن المعهد يُعد أحد أهم الجهات العالمية المتخصصة في تصنيف الأحجار الكريمة وإصدار التقارير المعتمدة دوليًا.
ويتوقع محللون أن تسهم هذه الخطوة في تسريع تبني المنصة من قبل شركات جديدة داخل قطاع الألماس، ما قد يعزز مكانتها كأحد المعايير الرقمية الرئيسية لإثبات منشأ الألماس الطبيعي عالميًا.
وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها سوق المجوهرات والألماس، تبدو الشفافية والتتبع الرقمي من بين أهم الأدوات التي ستحدد شكل المنافسة خلال السنوات المقبلة، وهو ما يجعل هذه الشراكة بين GIA ودي بيرز واحدة من اهم الصفقات المؤثرة في مستقبل الصناعة.
إلا أن هذه الخطوة قد تعكس من جانب آخر سعي دي بيرز إلى توسيع قاعدة الملكية في المنصة الرقمية كخطوة تمهيدية لبيع الشركة المطروحة للبيع والتي تتجه مجموعة “أنجلو أممريكان” المالكة لشركة دي بيرز إلى بيعها كحصص متفرقة لعدد من الجهات المتقدمة للشراء بدلا من بيعها لجهة واحدة تمتلك فيها النسبة الحاكمة مما قد يؤثر على سوق الماس الطبيعي عالميا، وذلك في إطار سعي دي بيرز إلى تحقيق توازن في الملكية بين الدول المنتجة للماس والدول المُصنعة والأسواق العالمية.
إقرأ أيضا:
7٫1 مليون قيراط ، إنتاج دي بيرز من الماس الطبيعي خلال الربع الأول من 2026
تقنيات تتبع الماس والمجوهرات.. هل تدعم الصناعة أم تزيد أعبائها؟



