حققت بوركينا فاسو إيرادات تجاوزت 6 مليارات دولار من تجارة الذهب عبر القنوات الرسمية خلال النصف الأول من عام 2026، في مؤشر يعكس نجاح السياسات الحكومية الرامية إلى تنظيم قطاع التعدين والحد من تهريب الذهب. وذلك خلال 4 سنوات فقط من حكم إبراهيم تراوري الذي تبني سياسات وطنية للسيطرة على موارد الدولة التعدينية.
تفوق التعدين الحرفي على المناجم الصناعية
ووفقًا للبيانات الرسمية، بلغ إنتاج المناجم الصناعية نحو 26 طنًا من الذهب، فيما قامت الشركة الوطنية للذهب (SONASP) بشراء 29 طنًا من الذهب المنتج بواسطة المعدنين الأهليين والحرفيين والعاملين في التعدين شبه الميكانيكي، بما يعزز دمج الإنتاج في الاقتصاد الرسمي.
وتواصل الحكومة تنفيذ برنامج إصلاحات يستهدف زيادة مشاركة الدولة في قطاع التعدين، وتعزيز الشفافية، والحد من تهريب الذهب، باعتباره أحد أهم التحديات التي تواجه القطاع.
وشملت الإجراءات الأخيرة إنشاء تعاونيات تعدين جديدة، وتحديد ممرات ومناطق مخصصة لأنشطة التعدين، إلى جانب تشديد إجراءات الرقابة والتنظيم، بما يسهم في دعم قطاع التعدين وزيادة مساهمته في الاقتصاد الوطني.
تجربة بوركينا فاسو في تأميم مناجم الذهب
وتعد تجربة بوركينا فاسو امتدادًا لاتجاه متزايد داخل القارة الأفريقية نحو دمج التعدين الأهلي في الاقتصاد الرسمي، وتعظيم الاستفادة من الثروات المعدنية، وهي السياسات التي تبنتها أيضًا دول مثل تنزانيا وغانا، في إطار جهود مكافحة التهريب وزيادة القيمة المضافة وعوائد الدولة من قطاع التعدين. وذلك في خطوة ضمن مشروع أكبر يقوده إبراهيم تراوري الرئيس الحالي لبوركينا فاسو لإعادة تشكيل قطاع الذهب وتنمية مصادر الدولة من تصنيع الخام والمعادن التي تنتجها باستثمارات وطنية وبالتعاون مع دول صديقة لتوطين الصناعات التي تقوم علي هذه الخامات في بوركينا فاسو.

حيث قامت خطة إبراهيم تراوري على عدة محاور فيما يخص التعدين أهمها:
- تأميم الأصول التعدينية الأجنبية
- في 2024 و2025 بدأت الحكومة في نقل عدد من المناجم والأصول التي كانت مملوكة لشركات أجنبية إلى الشركة الحكومية SOPAMIB، وشملت مناجم كانت تديرها شركات مثل Endeavour Mining، مع إعلان استمرار التوسع في سيطرة الدولة على المناجم الصناعية.
- زيادة حصة الدولة في المشروعات
- بعد تعديل قانون التعدين، ارتفعت حصة الحكومة في مشروعات التعدين الكبرى من 10% إلى 15%، في إطار سياسة تهدف إلى زيادة نصيب الدولة من عوائد الذهب.
- إنشاء كيانات حكومية جديدة
- إلى جانب SONASP لشراء الذهب، أنشأت الحكومة SOPAMIB لتتولى امتلاك وإدارة الأصول التعدينية، بدلاً من الاعتماد الكامل على المستثمرين الأجانب.
- تعظيم القيمة المضافة
- المشروع لا يقتصر على السيطرة على المناجم، بل يشمل إنشاء أول مصفاة وطنية للذهب حتى لا يُصدر الذهب الخام إلى سويسرا أو دبي قبل التكرير.
- دمج التعدين الأهلي
- الأرقام الواردة في الخبر لافتة جدًا؛ فـ SONASP اشترت 29 طنًا من المعدنين الأهليين مقابل 26 طنًا من المناجم الصناعية، ما يعني أن التعدين الأهلي أصبح يمثل ركيزة رئيسية في منظومة الذهب الرسمية، وليس نشاطًا هامشيًا.
- يجري إنشاء منظومة تسمح بتوجيه جزء من الإنتاج إلى الاحتياطي الرسمي لدول غرب أفريقيا، مع وجود توجه معلن لزيادة الاحتفاظ بالذهب داخل المنطقة بدلًا من تصديره بالكامل. كما أعلن محافظ BCEAO مؤخرًا عن خطة للتوسع في شراء الذهب من شركات التعدين العاملة في دول الاتحاد النقدي.
الوضع قبل إبراهيم تراوري
قبل تولي إبراهيم تراوري الحكم في بوركينا فاسو عام 2022، كان الذهب يمثل أكبر صادرات بوركينا فاسو، وكانت الدولة تحصل على ضرائب وإتاوات وحصة مجانية محدودة، بينما كانت الإدارة والتشغيل والأرباح بيد المستثمرين الأجانب وفق قانون التعدين القديم. بينما تشغيل أغلب المناجم الصناعية كان في يد شركات أجنبية.
وتشير بيانات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية (USGS) إلى أن إنتاج بوركينا فاسو من الذهب قبل وصول إبراهيم تراوري إلى السلطة ظل يدور حول 58 إلى 60 طنًا سنويًا، إذ بلغ نحو 58 طنًا في عام 2020 وارتفع إلى نحو 60 طنًا في عام 2021.
وفي المقابل، تكشف بيانات النصف الأول من عام 2026 عن تحول لافت في إدارة القطاع، حيث بلغ إنتاج المناجم الصناعية 26 طنًا، بينما اشترت الشركة الوطنية للمواد الثمينة (SONASP) نحو 29 طنًا من التعدين الأهلي، ليصل إجمالي الذهب الذي مر عبر القنوات الرسمية إلى نحو 55 طنًا خلال ستة أشهر فقط، بقيمة تجاوزت 6 مليارات دولار، وهو ما يعكس ليس فقط استمرار الإنتاج، وإنما نجاح الدولة في استيعاب جزء أكبر من الذهب داخل المنظومة الرسمية والحد من تسربه إلى السوق غير الرسمية.
ثانياً: أهم الشركات الأجنبية العاملة
كانت الشركات العاملة في بوركينا فاسو قبل تولي تراوري الحكم هي:
| الشركة | الدولة | أهم الأصول |
|---|---|---|
| 1- Endeavour Mining | المملكة المتحدة/كندا | Houndé – Mana – Boungou – Wahgnion (قبل بيع بعضها) |
| 2 – IAMGOLD | كندا | Essakane |
| 3- West African Resources | أستراليا | Sanbrado ثم Kiaka |
| 4- Nordgold | روسيا | Bissa وBouly ثم توسعات لاحقة |
| 5- Orezone Gold | كندا | Bomboré |
إلا أنه بعد تولي تراوري الحكم اتخذ سياسات وطنية جديدة لضمان السيطرة الوطنية على الثروات التعدينية في الدولة وتحقيق التنمية، فاتخذ عدة خطوات إصلاحية لإعادة شروط التعاقد مع السركات الاجنبية مع استمرار الشركات الملتزمة بالعمل، وتمثلت الإجراءات في:
- تعديل قانون التعدين.
- مراجعة العقود الموقعة مع الشركات الأجنبية.
- زيادة حصة الدولة.
- إنشاء الشركة الحكومية SOPAMIB.
- تأميم بعض المناجم.
- سحب بعض التراخيص أو الإعلان عن نية مراجعتها.
- تقنين التعدين الحرفي.

عائدات التعدين الحرفي في بوركينا فاسو تحقق 29 طناً من الذهب مقابل مقابل 26 طناً تمثل إنتاج التعدين الصناعي في الذهب
حتى الآن ما زالت الشركات الأجنبية تعمل في بوركينا فاسو وهي: IAMGOLD / West African Resources/ Nordgold
بينما كانت عمليات الاستحواذ الحكومية مركزة بصورة أكبر على أصول كانت مرتبطة بشركة Endeavour Mining وبعض الشركات المرتبطة بها. إذ انتقلت مناجم Boungou وWahgnion إلى سيطرة الدولة عبر SOPAMIB ضمن تسوية قانونية معقدة بعد بيعها سابقًا لشركة Lilium. بغرض السيطرة على القطاع وزيادة نصيب الدولة من ثروتها المعدنية، وقف عمليات تهريب الذهب، تعظيم القيمة المضافة محليًا، والرغبة في إنشاء احتياطي وطني من الذهب، كما استهدفت الحكومة الجديدة تشغيل مصفاة وطنية لأول مرة، والاعتماد بصورة أكبر على الخبرات والشركات المحلية.
عمليات تأميم أثارت مخاوف دولية
أثارت توجهات الحكومة الجديدة وقتها مخاوف الشركات صاحبة امتيازات التعدين في بوركينا فاسو، إلا أن سياسة تراوري الهادئة أرسلت رسائل طمأنة للشركات الأجنبية الملتزمة والتي وافقت على التفاوض حول تعديل حصة الدولة في الشراكة، وأكدت الحكومة للمستثمرين سريان التراخيص الخاصة بهم طالما كانوا ملتزمين بالقوانين المحلية للدولة، فسارت الأمور بشكل مستقر، ولم تعاني الشركات الاجنبية فيما عدا شركة Endeavour Mining التي كانت أكثر تأثراً.
- وعلى الصعيد الدولي انقسمت التوقعات والمخاوف إلى ثلاثة اتجاهات:
1. المستثمرون
حيث كانت مخاوفهم من امتداد موجة التأميم لتطال تأميم في منطقة الساحل. ومخاوف أخرى بشأن تراجع أسهم بعض الشركات بعد تصريحات تراوري حول مراجعة التراخيص.
2. وسائل الإعلام الاقتصادية
وصفت وسائل الإعلام الاقتصادية العالمية الخطوات بأنها جزء من موجة “السيادة على الموارد الطبيعية” والصحوة الوطنية التي اجتاحت الدول الافريقية خاصة في غرب أفريقيا، والتي شملت أيضًا مالي والنيجر، مع تحذيرات من تأثيرها على مناخ الاستثمار.
3. الحكومة
أكدت أن الهدف ليس طرد المستثمرين الملتزمين، وإنما ضمان حصول الدولة على نصيب أكبر من عوائد الذهب، مع استمرار الترحيب بالشركات التي تلتزم بالقوانين الجديدة.
واقع جديد وسيادة وطنية
وكانت الدولة قد نفت خلال الشهر الجاري شائعات إدعت بقيام الحكومة بنقل جزء من احتياطيها الوطني من الذهب إلى روسيا، وهو ما صدر بشأنه بيان من وزارة الاقتصاد والمالية في بوركينا فاسو، مؤكدا أن الادعاءات “لا تستند إلى أي وقائع مثبتة”، ولا إلى “أي قرار رسمي صادر عن السلطات في بوركينا فاسو”.
وأوضحت الوزارة أن هذه المزاعم تندرج ضمن “حملة تضليل” تهدف إلى تشويه الإصلاحات الاقتصادية التي تنفذها السلطات، وإضعاف قدرة البلاد على الصمود في مواجهة التحديات. كما أكد البيان أن بوركينا فاسو تظل “ملتزمة بالحفاظ على سيادتها الاقتصادية”، وبالإدارة المسؤولة لمواردها، بما يتوافق مع المصالح الوطنية والتوجهات الاستراتيجية التي تحددها أعلى سلطات الدولة.
ترخيص حكومي لاستغلال منجم “بوبولو”
وخلال الشهر الجاري منحت الحكومة حق الاستغلال الصناعي لمنجم الذهب في بوبولو لصالح الشركة الحكومية “SOPAMIB” باستثمار يتجاوز 32 مليار فرنك إفريقي. ومن المتوقع أن يحقق نحو 39 مليار فرنك إفريقي من الإيرادات المباشرة للخزينة العامة، باستثناء عائدات الأرباح. وتشير الدراسات التي اعتمدتها الحكومة إلى أن مساهمة المشروع في ميزانية الدولة ستتجاوز 34.5 مليار فرنك إفريقي، فيما ستتجاوز مساهمته في صندوق التنمية التعدينية 4.4 مليارات فرنك إفريقي.
ويقع المنجم في بلدية ياكو بمنطقة يادغا، ويضم احتياطيات تُقدر بنحو 10.77 ملايين طن من الخام، بمتوسط تركيز يبلغ 0.64 غرامًا من الذهب لكل طن، مع معدل استخلاص معدني يصل إلى 88%. وتتوقع السلطات أن يبلغ إجمالي إنتاج المنجم 7.27 أطنان من الذهب خلال فترة تشغيل تمتد إلى 15 عامًا. وذلك وفقا لتقرير نشرته “وكالة الأنباء الأفريقية”.
وقال وزير الطاقة والمناجم والمحاجر، ياكوبا زابري غوبا، إن المشروع يجسد توجهًا جديدًا في السياسة التعدينية للبلاد. مؤكدا اعتباره هذا الحدث “ ثورة تشهدها صناعة التعدين. إنها قطيعة مع نموذج الامتيازات السلبية، بحيث تصبح الدولة نفسها فاعلًا صناعيًا متكاملًا في هذا القطاع.”
لقراءة المزيد:
25.4 مليون دولار أمريكي إجمالي إيراد مزاد الزمرد المستخرج من كاجيم- زامبيا.
افتتاح معرض فاجيما للأحجار الكريمة في موزمبيق
مالي تسترد مناجم الذهب من الشركات الغربية.. وتسند إدارتها لجمعية وطنية.
غانا تطلق GANRAP: خطة تحويل الذهب لاحتياطي إستراتيجى بدلا من تصدير الخام
مالي تؤسس شركة وطنية لإدارة ممتلكات الدولة في قطاع التعدين
النيجر تسحب امتيازات تعدين الذهب من 3 شركات أجنبية لعدم التزامها بشروط التعاقد



