إعفاءات ضريبية وجمركية باتفاقيات الاستغلال تصل إلى 30 عامًا.. وخفض إيجارات الاستكشاف ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة
تستعد مصر لانطلاق منتدى مصر الدولي للتعدين في نسخته الخامسة، يومي 28 و 29 سبتمبر بالعاصمة الجديدة، بحزمة من التسهيلات والحوافز تشمل إعفاءات ضريبية وجمركية ضمن اتفاقيات الاستغلال، وخفض إيجارات مناطق الاستكشاف، وتيسير التراخيص، بهدف جذب المزيد من الشركات المحلية والعالمية وتسريع تحويل الثروات المعدنية إلى مشروعات إنتاجية وصناعات ذات قيمة مضافة. ويقام المنتدى تحت رعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية العربية المصرية
وفي هذا الإطار، قال المهندس كريم بدوي، وزير البترول والثروة المعدنية، خلال لقاء صحفي بمقر الوزارة الخميس 24 سبتمبر، إن اتفاقيات استغلال الثروات المعدنية تتضمن إعفاءات ضريبية وجمركية تصل مدتها إلى 30 عامًا، ضمن جهود تطوير بيئة الاستثمار التعديني وتعزيز تنافسيتها.
اتفاقيات الاستغلال تجمع بين 22.5% ضريبة و5% إتاوة وحصة من الأرباح للدولة.. وإعفاءات للقيمة المضافة والجمارك تخفض تكلفة الاستثمار
قبل أيام من تجمع شركات التعدين والمستثمرين الدوليين في العاصمة الجديدة، دفعت مصر إلى الواجهة بواحدة من أهم أوراقها الجديدة لجذب رؤوس الأموال إلى قطاع التعدين، بعدما كشف وزير البترول والثروة المعدنية المهندس كريم بدوي أن اتفاقيات استغلال الثروات المعدنية تتضمن إعفاءات ضريبية وجمركية تمتد مع الاتفاقيات لمدة تصل إلى 30 عامًا.
لكن مدة — 30 عامًا — لا تعني أن شركات التعدين ستعمل طوال ثلاثة عقود دون دفع ضرائب أو مقابل للدولة؛ فقراءة نموذج اتفاقية استغلال المعادن الجديد تكشف عن معادلة أكثر تركيبًا، تجمع بين استقرار مالي وقانوني طويل الأجل وحوافز تخفض تكلفة الاستثمار من ناحية، وضريبة وإتاوة وحصة مالية للدولة من ناحية أخرى.
ويأتي إبراز هذه الحوافز قبل انطلاق منتدى مصر للتعدين 2026 يومي 28 و29 سبتمبر بالعاصمة الجديدة، في وقت تكثف فيه وزارة البترول تحركاتها الدولية لتقديم النموذج الاستثماري الجديد لشركات التعدين وتحويل الاهتمام بالثروة الجيولوجية المصرية إلى استثمارات ومشروعات فعلية.

سر الـ30 عامًا
المفتاح الأول لفهم تصريح الوزير هو الفصل بين مدة اتفاقية الاستغلال وبين طبيعة الإعفاءات التي يحصل عليها المستثمر خلالها.
فنموذج اتفاقية استغلال المعادن الجديد Model Mining Exploitation Agreement – MMEA يمنح رخصة الاستغلال لمدة تصل إلى 30 عامًا داخل نظام مالي وقانوني مستقر.
وفي النموذج الذي تم الاتفاق عليه لمناطق البحث في الصحراء الشرقية، حُددت المعادلة المالية عند 5% إتاوة حكومية من صافي عائد المصهر، و22.5% ضريبة شركات، و15% حصة مالية حكومية من صافي الربح بعد الضريبة، و0.5% مساهمة للتنمية المجتمعية، إلى جانب التزامات بالتوظيف والتدريب والمشتريات المحلية طوال عمر المشروع.
ومن ثم فإن الثلاثين عامًا هي في الأساس عمر رخصة الاستغلال وفترة استقرار الإطار المالي والقانوني، وليست إعفاءً عامًا من ضريبة أرباح الشركات؛ إذ يثبت النموذج نفسه ضريبة الشركات عند 22.5%.
بل إن وزير البترول أكد أمام مجتمع التعدين العالمي في أستراليا مطلع سبتمبر أن الإصلاحات المصرية أدخلت نموذج استغلال جديدًا قائمًا على الإتاوة والضرائب ومتوافقًا بصورة أكبر مع الممارسات الدولية.
شكل الإعفاءات
تظهر الإعفاءات في الجزء الآخر من الحزمة التي تروج لها مصر حاليًا للمستثمرين.فوفقا للوثائق التعريفية الرسمية لمنتدى مصر للتعدين، تضع الدولة ضمن مكونات برنامج الإصلاح التعديني إعفاءات من ضريبة القيمة المضافة والرسوم الجمركية على المعدات والخدمات، إلى جانب نموذج اتفاقية الاستغلال الجديد ومجموعة أخرى من التسهيلات.
وبذلك لا تقوم المعادلة على إلغاء ما تحصل عليه الدولة من النشاط التعديني، وإنما على تخفيف جانب من تكلفة الوصول إلى الإنتاج؛ خصوصًا تكلفة المعدات والخدمات ومدخلات العمليات المؤهلة، بينما تظل الضريبة على أرباح الشركة والإتاوة وحصة الدولة المالية قائمة وفق شروط الاتفاقية.
ما الذي تحصل عليه الدولة في المقابل؟
النموذج الجديد يرسم للمستثمر والدولة معادلة أكثر وضوحًا منذ البداية. فإلى جانب ضريبة الشركات البالغة 22.5%، تحصل الدولة في النموذج المعلن على إتاوة 5% من صافي عائد المصهر، فضلًا عن 15% حصة مالية حكومية من صافي الأرباح بعد الضريبة، و0.5% للتنمية المجتمعية.
وتشير إفصاحات أنجلو جولد أشانتي إلى أن اتفاقية الاستغلال النموذجية تمثل إطارًا ماليًا وقانونيًا متكاملًا للاكتشافات التجارية المستقبلية، وأنها تتقدم على قانون الثروة المعدنية والتشريعات الأخرى عند وجود تعارض مباشر، بعد التصديق عليها بقانون خاص.
وهنا تظهر قيمة «الاستقرار» بالنسبة إلى شركة تعدين قد تنفق سنوات ومئات الملايين من الدولارات قبل استرداد استثماراتها؛ فالمستثمر لا يحصل فقط على إعفاء لمعدة يدخلها إلى البلاد، وإنما يعرف منذ البداية القواعد المالية الأساسية التي سيعمل تحتها المشروع طويل العمر.
التحول من اقتسام الإنتاج إلى الإتاوة والضرائب
ويمثل النموذج الجديد مرحلة أخرى في رحلة تعديل النظام الاستثماري للتعدين في مصر، حيث أكدت فوزارة البترول أن برنامج الإصلاح الحالي جاء استجابة لمطالب طرحها المستثمرون خلال حوار مستمر مع مجتمع التعدين منذ الربع الأخير من 2024، وشمل تحديث الإطار التشريعي والمؤسسي، إلى جانب اعتماد نموذج استغلال قائم على الإتاوة والضرائب.
وكانت ملامح الـMMEA قد بدأت في الظهور قبل ذلك؛ إذ أعلنت سنتامين في 2023 الاتفاق من حيث المبدأ على النموذج الذي سيطبق على أي اكتشافات تجارية في مناطق نجرس وأم روس ونجد، محددة منذ ذلك الوقت فترة الثلاثين عامًا وضريبة الشركات والإتاوة وحصة الحكومة من الأرباح.
ثم انتقل النموذج لاحقًا من التفاوض إلى التطبيق القانوني، وأصبحت اتفاقيات الاستغلال الجديدة إطارًا خاصًا يحكم الانتقال من اكتشاف الخام إلى تطوير المنجم والإنتاج التجاري.
وهنا يكمن أحد أهم التحولات: مصر لم تعد تحاول فقط إقناع المستثمر بأن لديها ذهبًا ومعادن، وإنما تحاول أن تجعل الطريق القانوني والمالي من الاكتشاف إلى المنجم أكثر قابلية للحساب والتمويل.
حزم أكثر من مجرد إعفاءات
والإعفاءات ليست سوى جزء من حزمة أوسع تستعد مصر لعرضها أمام مجتمع التعدين الدولي، حيث يضم برنامج الإصلاح الذي تعرضه الحكومة حاليًا، خفض إيجارات تراخيص الاستكشاف، ونظام القطاعات المفتوحة، وإتاحة تراخيص متعددة الخامات، وتراخيص استطلاع جديدة للشركات الصغيرة والمتخصصة في الاستكشاف Junior Explorers، وآلية الشباك الواحد للتصاريح، إلى جانب إعفاءات القيمة المضافة والجمارك للمعدات والخدمات.
ويغير نظام القطاعات المفتوحة Open Block System بدوره طريقة طرح المناطق؛ إذ يسمح للشركات بالتقدم إلى الفرص المتاحة طوال فترة الإتاحة بدل انتظار جولة مزايدة ذات موعد إغلاق موحد، بما يمنح المستثمر مرونة أكبر ويسرع الانتقال إلى أعمال البحث والاستكشاف.
كما تحدثت الوزارة عن خفض التكاليف غير التشغيلية، وتحسين إتاحة البيانات الجيولوجية، وتبسيط التراخيص، وتطوير الشباك الواحد، بالتوازي مع التحول المؤسسي لهيئة الثروة المعدنية والصناعات التعدينية.
وهكذا تصبح الصورة أكبر من إعفاء جمركي منفرد: مصر تحاول تخفيض تكلفة الدخول، وتقليل الوقت والإجراءات، وفي الوقت نفسه منح المستثمر رؤية أوضح لما سيدفعه إذا تحول الاكتشاف إلى منجم.
توقيت إعلان الحوافز قبل منتدى مصر للتعدين 2026.
فالمنتدى المقرر عقده يومي 28 و29 سبتمبر يأتي في قلب حملة أوسع تقودها وزارة البترول لجذب رؤوس الأموال العالمية إلى القطاع، بعد سلسلة لقاءات دولية عقدها كريم بدوي مع شركات ومستثمرين خلال الأسابيع الأخيرة.
وفي بيرث بأستراليا، عرض الوزير مطلع سبتمبر الإصلاحات الجديدة أمام مجتمع التعدين العالمي، مؤكدًا أن الهدف هو بناء بيئة أكثر تنافسية ومرونة وتحويل الإمكانات الجيولوجية إلى مشروعات إنتاجية. كما ناقشت الوزارة بصورة مباشرة احتياجات المستثمرين إلى البيانات الجيولوجية، والأطر التنظيمية، وفرص الاستثمار المتاحة.
والوزارة تعتبر منتدى سبتمبر منصة رئيسية لمواصلة الحوار مع المستثمرين الدوليين وتحويل الاهتمام الاستثماري إلى شراكات ومشروعات فعلية.
كما أكد بدوي خلال الاستعدادات للمنتدى أن تحسين ترتيب مصر في تقارير ومؤشرات الاستثمار التعديني العالمية أصبح أولوية استراتيجية، لارتباطه بثقة المستثمرين وقدرة الشركات على الحصول على التمويل وجذب الاستثمارات والشراكات الدولية.
المنتدى يتحول من معرض للفرص إلى عرض للنظام نفسه
وهنا ربما تظهر أهمية تصريح الإعفاءات، فعلى مدار سنوات كان الحديث عن جذب شركات التعدين إلى مصر يبدأ من الجيولوجيا: الصحراء الشرقية، الذهب، الدرع العربي النوبي، والمناطق غير المستكشفة بما يكفي، أما الرسالة التي تستعد مصر لعرضها في منتدى 2026 فتضيف إلى الجيولوجيا عنصرًا آخر: بيئة الاستثمار نفسها.
لقد أصبح الطرح الحالي أمام المستثمر يجمع بين اتفاقية استغلال طويلة الأجل، ونظام مالي وقانوني مستقر، وإعفاءات للقيمة المضافة والجمارك على المعدات والخدمات، وخفض بعض تكاليف الاستكشاف، ونظام قطاعات مفتوحة، وتراخيص أكثر مرونة، وشباك واحد للإجراءات.
وفي المقابل تحتفظ الدولة بنصيبها من النشاط الاقتصادي من خلال الضريبة والإتاوة والحصة المالية من الأرباح، مع التزامات مرتبطة بالتنمية المجتمعية والتوظيف والتدريب والمشتريات المحلية.
لذلك فإن أهمية إعلان كريم بدوي قبل المنتدى لا تكمن في عبارة “30 عامًا من الإعفاءات” وحدها، وإنما فيما تعكسه من المرحلة التي وصل إليها إصلاح القطاع.
فبعد سنوات انشغلت فيها مصر بتعديل القواعد وبناء نموذج جديد لاتفاقيات الاستغلال والتفاوض مع المستثمرين، تدخل منتدى مصر للتعدين هذه المرة وهي لا تسوق فقط لما يوجد تحت الأرض، وإنما تسوق أيضًا للشروط التي يستطيع المستثمر بموجبها الوصول إليه.
لقراءة المزيد:
المنتدى الدولي للمعادن والأحجار الثمينة يعقد جلسته الثالثة بعنوان: “توطين صناعة الذهب والمجوهرات”
خبراء يطالبون بالاهتمام بثروة مصر المنسية من الأحجار الكريمة


