بين العمارة والهندسة والحرفية وصياغة المجوهرات، بنت المصممة السورية الأصل هبة الحسيني لغة تصميمية خاصة لعلامتها ZAHN-Z®، تقوم على التعامل مع قطعة المجوهرات باعتبارها بناءً مصغرًا؛ لا يكفي أن يبدو جميلًا، بل يجب أن يكون مدروسًا هندسيًا وقابلًا للارتداء والتنفيذ.
وفي حوار أجرته معها شانو بيجلاني Shanoo Bijlani لمجلة Solitaire International، تحدثت الحسيني عن تأثير نشأتها في سوريا ودراستها للمجوهرات في مصر وانتقالها إلى نيويورك على هويتها الإبداعية، وكشفت عن طريقتها في التصميم، وعلاقتها بالتصنيع، وتجربتها في بناء علامة مجوهرات مستقلة.
من المعمار إلى قطعة المجوهرات
تقول الحسيني إن خلفيتها المعمارية جعلتها تفكر بصورة طبيعية ثلاثية الأبعاد؛ فمعرفتها بالتصميم الفراغي والنسب والتكنولوجيا الرقمية تسمح لها بتحويل الفكرة إلى شكل ملموس بسرعة.
وعلى خلاف البداية التقليدية بالرسم على الورق، تبدأ الحسيني أفكارها باستخدام برامج CAD، فتبني التصميم رقميًا في صورة ثلاثية الأبعاد، وتدرسه من مختلف الزوايا وتراجع نسبه وطريقة حركته وتفاعله مع الجسم.
بعد ذلك تنتقل إلى طباعة نموذج أولي ثلاثي الأبعاد، معتبرة أن الإمساك بالقطعة فعليًا مرحلة أساسية للحكم على حجمها وراحتها وحركتها وحضورها، وتستمر عملية التعديل والطباعة والتطوير حتى تصل إلى الشكل المطلوب.
وعندها فقط تبدأ التفاصيل الدقيقة المتعلقة بالهندسة، وتوزيع الأحجار، ومعالجة الأسطح والتشطيبات النهائية، في عملية تجمع، بحسب الحسيني، بين الدقة المعمارية والحرفية في صناعة المجوهرات.
“أردت أن أكون المصممة والمهندسة معًا”.
وترفض الحسيني الفصل بين التصميم والهندسة، مؤكدة أنها منذ اللحظة الأولى لتصميم القطعة تفكر في طريقة تصنيعها وحركتها وشعور مرتديها بها.
وتدخل في حساباتها منذ البداية إمكانات التصنيع، والحد الأدنى والأقصى لسُمك المعدن، والمرونة، والآليات المستخدمة، والمتانة والراحة.
وتقول إن المهندس المعماري عادة ما يضع الرؤية ثم يسلم الرسومات الفنية إلى المهندسين لحل المشكلات الإنشائية، لكنها أمضت 13 عامًا في تطوير المهارتين معًا لأنها أرادت ألا تكون مجرد مصممة للقطعة، وإنما المهندسة التي تقف خلفها أيضًا.
ولهذا لا تكتفي بفهم كيفية عمل المفصلة أو المشبك أو القفل أو الزنبرك، وإنما تهتم بمعرفة كيفية بنائها وتصنيعها، معتبرة أن هذه المعرفة التقنية تمنحها حرية أكبر في دفع حدود الإبداع مع الحفاظ على الوظيفة والراحة والمتانة.
واللافت أن جذور هذا الشغف بالهندسة تعود إلى طفولتها؛ إذ كانت تستمتع ببناء التركيبات الميكانيكية المعقدة باستخدام ألعاب Meccano ومحاولة فهم العلاقة بين مكوناتها، وهي تجربة ترى الآن أنها كانت مؤشرًا مبكرًا على تفكيرها كمصممة ومهندسة في الوقت نفسه.

سوريا منحتها التفاصيل.. ومصر الحرفية.. ونيويورك الحداثة
وتكشف الحسيني عن الدور الذي لعبته المدن والثقافات المختلفة في تشكيل لغتها التصميمية.
فقد منحتها نشأتها في سوريا تقديرًا عميقًا للزخرفة والحرفية والتفاصيل الدقيقة، في بيئة تحمل إرثًا معماريًا غنيًا بالأنماط الهندسية والفنون الدمشقية وقرونًا من التراث الثقافي.
ثم جاءت مصر لتعمق هذه العلاقة؛ إذ درست الحسيني تصميم المجوهرات فيها، وتقول إن التجربة عرّفتها على ثقافة تحتفي بالحرفية وتنقلها بين الأجيال، وعلمتها احترام التقنيات التقليدية وفهم أهمية السرد القصصي من خلال المجوهرات.
أما الانتقال إلى نيويورك فأضاف بعدًا مختلفًا تمامًا: لغة أكثر معاصرة وبساطة وارتباطًا بالموضة، وهناك أدركت أن الفخامة لا تحتاج دائمًا إلى الزخرفة الكثيفة، وأن التصميم القوي يمكن أن يكون مصقولًا وجريئًا وسهل الارتداء في الوقت نفسه.
وتؤكد أنها لا تتعمد مزج هذه التأثيرات؛ فقد أصبحت جميعها جزءًا من هويتها. ولذلك تحمل مجموعاتها الدقة والتفكير الإنشائي للمعمارية، والتفاصيل المتأثرة بالشرق الأوسط، والحس المعاصر النظيف الذي اكتسبته في نيويورك.

الذهب الأصفر المفضل.. ولكن التصميم يختار أحجاره
تميل الحسيني بصورة طبيعية إلى الذهب الأصفر لما يتمتع به من دفء وثراء، ولقدرته في رأيها على إبراز الطبيعة النحتية لتصميماتها وإظهار ألوان الأحجار.
لكن اختيار المعدن يخضع في النهاية للتصميم؛ فعند استخدام ترصيع ألماس الـPavé، على سبيل المثال، تميل إلى الذهب الأبيض أو البلاتين لتعزيز بريق الألماس وخلق مساحة متصلة من التألق.
وتطبق الفلسفة نفسها على الأحجار؛ إذ تختبر التصميم رقميًا باستخدام ألوان مختلفة من المعادن وتركيبات متعددة من الأحجار قبل اتخاذ القرار النهائي.
والقاعدة بالنسبة لها واضحة: لا تختار الحجر لمجرد ندرته أو ارتفاع قيمته، وإنما لقدرته على تعزيز قصة القطعة وبنائها وشخصيتها.

لا يكفي أن تعرف كيف تصمم
وتعتبر الحسيني أن المعرفة العملية بالتصنيع ضرورة أساسية للمصمم المعاصر؛ فالإبداع هو أساس التصميم الجيد، لكن معرفة كيفية صناعة القطعة هي التي تحول الفكرة إلى مجوهرات استثنائية.
وتنصح من يريد بناء مجموعة مجوهرات قادرة على الاستمرار جماليًا وإنشائيًا بالاستثمار أولًا في تطوير مهاراته التقنية وفهم التصنيع والهندسة والخامات والحرفية.
ومن أكثر التجارب تأثيرًا في مسيرتها عملها لدى أحد مصنعي المجوهرات في قسم التصميم حسب الطلب؛ إذ أتاحت لها رؤية ما يحدث خلف الكواليس، والتعاون بين المصممين وصانعي النماذج ومرصعي الأحجار والملمعين والصاغة، والساعات الطويلة من التطوير التي تسبق اكتمال القطعة.
ومن هنا خرجت بقناعة تقول إن أقوى المصممين هم الذين لا يتوقفون عن التعلم.
من بين نجو 100 مصمم إلى نهائيات David Yurman x CFDA
ومن المحطات المهمة في مسيرة الحسيني اختيارها ضمن المتأهلين النهائيين لجائزة David Yurman x CFDA Design Award.
وتقول إن اختيارها من بين أكثر من 90 متقدمًا للوصول إلى الخمسة النهائيين ضمن القائمة القصيرة، كان تجربة منحتها شعورًا بالتقدير والثقة، خصوصًا مع تقديم أعمالها أمام لجنة ضمت المصمم ديفيد يورمان نفسه.
وكانت زيارة مقر David Yurman وأرشيف العلامة من أكثر جوانب التجربة تأثيرًا عليها؛ إذ شاهدت الرسومات والنماذج الأولية وكيف تطورت العلامة عبر السنوات، وربطت بين البدايات المبكرة ليورمان وبين تجربتها الحالية في بناء ZAHN-Z® من الصفر.
وخرجت من التجربة بقناعة أن بناء علامة قادرة على الاستمرار لا يحتاج الإبداع وحده، وإنما المثابرة والحرفية وهوية واضحة.

«الناس ترتبط بالناس»
وفي حديثها عن العلاقة العاطفية بين المجوهرات ومقتنيها، تقول الحسيني إن هذه العلاقة تبدأ قبل ارتداء القطعة؛ تبدأ من قصة صناعتها.
ولهذا تحرص على مشاركة رحلة التصميم مع العميل: مصدر الإلهام، وتطوير التصميم عبر CAD، وحرفية الصاغة ومرصعي الأحجار، وحتى قصة حجر معين ومصدره وأسباب اختياره.
لكنها تذهب إلى نقطة أبعد، وتقول إن «الناس ترتبط بالناس»؛ ولذلك تضع شخصيتها وقصتها في قلب ZAHN-Z® بدل إخفاء الإنسان خلف صورة تجارية مصقولة بصورة مبالغ فيها.
وترى أن الجمهور يريد أن يعرف الإنسان الذي يقف وراء المجوهرات: قصته وخلفيته والتحديات التي واجهها ورحلته، معتبرة أن الأصالة تصنع اتصالًا لا تستطيع أي حملة تسويقية تقليده.
من سوريا إلى بناء علامة في نيويورك
ولا تنظر الحسيني إلى ZAHN-Z® باعتبارها مجرد علامة للمجوهرات الفاخرة، وإنما قصة عن الشغف والصمود والإمكانية.
وتقول إن انتقالها من سوريا، ثم الدراسة في مصر، ثم بناء مسيرتها المهنية وعملها في نيويورك، جعلها تأمل أن تذكر تجربتها الآخرين بأن التصميم الاستثنائي يمكن أن يولد من الشجاعة والمثابرة والإيمان الثابت بالرؤية.
أما أهم درس تعلمته خلال بناء علامتها فهو الأصالة؛ أي التمسك بشخصيتها وتفردها وإرثها الثقافي وخلفيتها المعمارية.
ولهذا تسأل نفسها باستمرار: كيف أصنع شيئًا يمكن التعرف عليه فورًا باعتباره ZAHN-Z®؟
فهي لا تريد للعلامة أن تطارد الاتجاهات السائدة، وإنما أن تمتلك هوية يستطيع المتلقي من خلالها رؤية القطعة والتعرف فورًا على معمارها وعاطفتها وحرفيتها والقصة التي تقف وراءها.
القادم: الفخامة الأمريكية الحديثة بعدسة معمارية شرقية
وخلال السنوات الخمس إلى العشر المقبلة، تطمح الحسيني إلى ترسيخ ZAHN-Z® في موقع مميز داخل سوق المجوهرات الفاخرة، وتصف المساحة التي تريد للعلامة امتلاكها بأنها:
«الفخامة الأمريكية الحديثة من خلال عدسة معمارية».
كما تخطط لمواصلة استكشاف تقنيات مبتكرة وخامات غير متوقعة وطرق هندسية جديدة لصناعة المجوهرات، بما يدفع حدود التصميم وقابلية الارتداء مع الحفاظ على الهوية التي تجعل القطعة قابلة للتعرف عليها فورًا باعتبارها من ZAHN-Z®.
لقراءة المزيد:
عندما تغني المجوهرات: «Meluzza» تحيي إله الشمس الإغريقية في أحدث تصميماتها من الذهب المرصع
الهياكل الهرمية في صناعة المجوهرات.. كيف تنظم العلامات التجارية محافظها التصميمية؟
اتجاهات خواتم الزفاف لعام 2026 بتصميمات تعزز التفرد والمعاصرة
خواتم الزواج الروسية تصميم ثلاثي مبتكر.. يحمل فلسفات عابرة للزمان والمكان (100 عام من الانتشار)
أماني عفيفي: مهاجرة مصرية تقتحم صناعة المجوهرات في أمريكا بعلامة تجارية





