أوقفت السلطات الغانية أنشطة استكشاف الذهب البحري التي تنفذها شركة GoldCoast Resource Corp الكندية، في منطقة تمتد على مساحة تقارب 10 آلاف كيلومتر مربع قبالة الساحل الغاني، وذلك عقب اعتراضات من جمعيات الصيادين ومنظمات المجتمع المدني بشأن التداعيات البيئية المحتملة للمشروع وتأثيره على الثروة السمكية والمجتمعات الساحلية.
وجاء القرار بتوجيه من وزير الأراضي والموارد الطبيعية الغاني، إيمانويل أرماه كوفي بواه، إلى هيئة المعادن الغانية، التي ألزمت الشركة بتعليق أنشطتها لحين استكمال المشاورات مع الأطراف المعنية ومعالجة المخاوف المثارة بشأن المشروع.
وأكدت الهيئة أن القرار يقتصر على وقف الأنشطة التشغيلية، ولا يمثل إلغاءً أو سحبًا أو إنهاءً لتراخيص الاستطلاع الممنوحة للشركة، والتي تظل سارية وفقًا لشروطها والمتطلبات القانونية والتنظيمية.
عشرة تراخيص لاستكشاف الذهب تحت البحر
حصلت الشركة على عشرة تراخيص للاستطلاع البحري في 9 فبراير 2026، تغطي منطقة تمتد على طول نحو 300 كيلومتر من الساحل الغاني، بين هاف أسيني ووينيبا، وتصل إلى نحو 33 كيلومترًا داخل المياه البحرية.
وتعادل المنطقة المرخصة، وفق بيانات الشركة، نحو 53% من الامتداد الساحلي الذي تستهدفه أنشطتها الاستكشافية.
وتستند الفرضية الجيولوجية للمشروع إلى احتمال وجود رواسب ذهبية تراكمت على مدى فترات جيولوجية طويلة، نتيجة نقل الأنهار للرواسب المعدنية من الأحزمة الحاملة للذهب في الأراضي الغانية إلى الجرف القاري الضحل المطل على المحيط الأطلسي. مما يتطلب استكمال الدراسات الجيولوجية وأعمال التقييم اللاحقة.
مسح جوي بطول 60 ألف كيلومتر
أعلنت الشركة، في بيان أصدرته يوم 8 أكتوبر، أنها أكملت المرحلة الأولى من أعمال الاستطلاع في 22 أغسطس الماضي، بعد تنفيذ مسح مغناطيسي جوي عالي الدقة بإجمالي 60 ألف كيلومتر خطي.
وأوضحت أن تفسير البيانات الجيوفيزيائية لا يزال جاريًا، وتتوقع ظهور نتائجه خلال الربع الأخير من العام الحالي.
كما أكدت أنها تقدمت بطلب للحصول على ترخيص تنقيب في 13 أغسطس 2026، وأن الانتقال إلى المرحلة التالية مشروط باستكمال المشاورات والحصول على الموافقات البيئية والتراخيص المطلوبة.
وقال رئيس الشركة، سام جوناه، إنه تلقى تأكيدات من وزير الأراضي والموارد الطبيعية ورئيس هيئة المعادن باستمرار سريان التراخيص، متعهدًا بالالتزام بالمعايير البيئية وحماية البيئة البحرية والمجتمعات الساحلية.
46 منظمة وجمعية تطالب بمراجعة المشروع
في المقابل، أكدت تقارير صحفية لوسائل إعلام محلية مطالبة مجموعة تضم 46 جمعية للصيادين ومنظمة مجتمع مدني بمراجعة مستقلة للتراخيص والأنشطة المقترحة، معتبرة أن اتساع نطاق المشروع وموقعه داخل مناطق الصيد يثيران مخاوف تتعلق بحماية البيئة البحرية ومصادر رزق السكان.
ودعت المنظمات إلى نشر الخرائط والإحداثيات الرسمية للتراخيص، وإجراء دراسات مستقلة لتأثير الأنشطة على الثروة السمكية، ومناطق تكاثر الأسماك، والموائل البحرية، وجودة المياه وحركة الرواسب.
كما طالبت بعدم الانتقال إلى الحفر أو تجريف قاع البحر أو أخذ عينات كبيرة الحجم قبل استكمال التقييمات البيئية والاجتماعية.
تساؤلات قانونية حول التعدين البحري
ولم تقتصر الاعتراضات على المخاطر البيئية، بل امتدت إلى الإطار القانوني المنظم لاستغلال المعادن داخل المياه البحرية الغانية. واستندت منظمات المجتمع المدني إلى أحكام قانون المعادن والتعدين الغاني رقم 703 لسنة 2006 وتعديلاته، مشيرة إلى القيود المفروضة على الحفر والاستخراج بموجب تراخيص الاستطلاع، وإلى نصوص تتعلق بحظر استخدام المعدات العائمة للتعدين أو التجريف داخل المسطحات المائية الطبيعية.
ويثير ذلك تساؤلات بشأن المسار القانوني الذي يمكن أن يسمح مستقبلًا بالانتقال إلى مرحلة استخراج الذهب تجاريًا، حتى إذا أثبتت الدراسات وجود رواسب ذات جدوى اقتصادية.
ويضع القرار الغاني المشروع أمام اختبار يتجاوز إثبات وجود الذهب تحت قاع البحر، ليشمل مدى إمكانية استغلاله اقتصاديًا في ظل المتطلبات القانونية والبيئية، وحقوق المجتمعات التي تعتمد على الموارد البحرية.
علمياً هل يمكن استخراج الذهب من قاع البحر؟
أين يوجد الذهب البحري؟
الذهب البحري ليس نوعًا مختلفًا من الذهب، وإنما ذهب انتقل من رواسبه الأصلية بفعل التجوية والأنهار، ثم تراكم مع الرمال والحصى في الشواطئ أو قاع البحر.
وتُعرف هذه الرواسب باسم Marine Placer Gold Deposits، وتتميز بأن الذهب قد يوجد فيها على هيئة حبيبات أو رقائق دقيقة يمكن فصلها بوسائل فيزيائية.
توجد فرص استكشاف هذه الرواسب بصورة خاصة في البيئات التالية:
| البيئة الساحلية | سبب ملاءمتها |
|---|---|
| مصبات الأنهار الحاملة للذهب | تراكم الرواسب المعدنية التي تنقلها الأنهار |
| الشواطئ ذات الرمال السوداء | تركيز المعادن الثقيلة بفعل الأمواج والتيارات |
| الجروف القارية الضحلة | إعادة توزيع الرواسب وتركيزها |
| مجاري الأنهار القديمة المغمورة | احتفاظها برواسب ذهبية تكونت قبل ارتفاع مستوى البحر |
وتؤكد هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية من خلال العديد من الدراسات المنشورة أن رواسب الذهب الساحلية يمكن أن تتراكم في الشواطئ القديمة والحديثة، والمنخفضات الموجودة بقاع البحر، ومجاري الأنهار المدفونة.
تجارب فعلية لاستخراج الذهب البحري؟
من أبرز الأمثلة المؤكدة في عمليات استخراج الذهب البحري هي منطقة نوم في ألاسكا الأمريكية.
حيث وثّقت هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية استخراج أكثر من 100 ألف أوقية ذهب من قاع البحر قبالة نوم خلال السنوات الثلاث الأولى من الإنتاج التجاري لسفينة التعدين Bima. وتُعد المنطقة مرجعًا مهمًا لدراسة الجدوى الجيولوجية والتقنية لتعدين الذهب البحري.
أما غانا فلا تزال في مرحلة الاستكشاف، ولم يثبت حتى الآن وجود احتياطي تجاري مؤكد بالمشروع، بينما تشير بعض بيانات GoldCoast أن عينات تاريخية تعود إلى عام 2010 قرب مصب نهر أنكوبرا أظهرت متوسطًا معلنًا يبلغ 0.44 جرام ذهب لكل متر مكعب من الرواسب عبر 30 عينة. لكن هذه النتائج الاستكشافية تعد قديمة وتاريخية لا تصلح وحدها لتقدير احتياطي أو إثبات الجدوى الاقتصادية في الوقت الحالي.
طرق استخراج الذهب من قاع البحر
تم عمليات استخراج الذهب من قاع البحر عبر عدة خطوات تتمثل في:
1. المسح والاستكشاف
استخدام القياسات الجيوفيزيائية وخرائط قاع البحر وأخذ عينات لتحديد أماكن تركيز الذهب.
2. تجريف الرواسب
عند الحصول على تراخيص الاستخراج، يمكن استخدام معدات شفط أو تجريف لرفع الرمال والحصى الحاملة للذهب إلى سفينة المعالجة.
3. الفصل بالجاذبية
تمر الرواسب على غرابيل ومعدات فصل تستفيد من الكثافة المرتفعة للذهب مقارنة بالرمال.
4. تركيز الذهب واستعادته
يُجمع المركز المعدني، ثم تُستكمل معالجته وفق حجم حبيبات الذهب وخصائص المعادن المصاحبة.
وتقول GoldCoast إن تصورها للاستخراج يعتمد على التجريف والفصل بالجاذبية دون سيانيد أو كواشف كيميائية. وهذه ميزة محتملة، لكنها لا تعني انعدام الأضرار البيئية.
المخاطر البيئية المحتملة
- تعكير المياه وانتشار الرواسب
التجريف يثير الجسيمات الدقيقة من القاع، وقد يقلل نفاذ الضوء ويؤثر في الكائنات البحرية. ويتوقف مدى انتشارها على التيارات وحجم الحبيبات وطريقة التشغيل.
- تدمير موائل-بيئات حاضنة- قاع البحر
قد تؤدي إزالة الرواسب إلى إتلاف بيئات الرخويات والقشريات والكائنات القاعية ومناطق تغذية وتكاثر واحتضان الصغار لبعض الأسماك.
- التأثير على الثروة السمكية والصيادين
قد تتعارض مناطق التعدين مع مسارات الصيد، وتتأثر المصايد بالضوضاء وتعكر المياه واضطراب الموائل وحجم الثروة السميكة.
وهناك خطر إضافي يتمثل في احتمال إعادة تحريك معادن ثقيلة أو ملوثات كانت مستقرة داخل الرواسب. وهذا لا يعني أن التعدين البحري يستخدم الزئبق بالضرورة؛ فالمشكلة قد تنشأ من تحريك رواسب ملوثة أصلًا.
وتؤكد الدراسات أن شدة التأثيرات تختلف باختلاف الموقع والعمق وطبيعة الرواسب والمعدات المستخدمة، ولا يمكن افتراض حجم الضرر في غانا قبل إجراء تقييم بيئي متخصص.
هل تسمح غانا بتجريف البحر في حالة وجود كميات تجارية
يبقى التحدى أمام شركة الاستكشاف الكندية في غانا يتمثل في ضمان عدم التسبب في حدوث أي اضطراب بيئي أو تأثير سلبي على مناطق الصيد في السواحل الغانية، وهل تستطيع الشركة إثبات أن الفصل بالجاذبية سيكون وحده مجديا مع الاستغناء عن السيانيد.
هذا هو الاختبار الحقيقي للمشروع، ومعه سؤال قانوني بالغ الأهمية: هل تسمح التشريعات الغانية أصلًا بالانتقال من الاستطلاع إلى التجريف التجاري باستخدام المعدات العائمة؟
ولا شك أن حسم هذه المخاوف قد يتطلب عملية حصر للطبيعة الجيولوجية والبيئية للسواحل الغانية التي يتم فيها الاستكشاف، وإجراء المزيد من الدراسات البيئية الدقيقة لبحث مدى تأثير عمليات الاستخراج على البيئة الساحلية والبحرية على المدى الطويل، وهو ما تنادي به الجمعيات المهتمة بالشأن البيئي في غانا حاليا.
امتداد جيولوجي للرواسب وليس اكتشاف في قاع البحر
لا يتعلق المشروع الغاني باستخراج الذهب من مياه المحيط نفسها، بل بالبحث عن رواسب ذهبية في قاع البحر يُحتمل أن تكون الأنهار قد نقلتها تاريخيًا من الأحزمة الذهبية داخل البلاد.
فالذهب الذي يستهدفه المشروع البحري قد يكون امتدادًا جيولوجيًا للرواسب التي يستخرجها المعدنون من الأنهار على اليابسة، لكن انتقال النشاط إلى البحر يغيّر طبيعة المعدات والمخاطر والتراخيص المطلوبة.
والفارق البيئي الجوهري في هذه الحالة هو أن الاستغناء عن الزئبق والسيانيد لا يجعل التعدين آمنًا بالضرورة، إذ قد يكون تجريف الرواسب نفسه مصدر التأثير الأكبر على البيئة المائية.
لقراءة المزيد:
حدائق الذهب: phytomining.. هل تمنح المناجم قبلة الحياة بعد استنزافها؟
بحضور الرئيس السيسي.. منتدى مصر للتعدين يضع الإصلاحات أمام اختبار الاستثمار
غانا تختبر قدرتها على الاحتفاظ بأكبر قيمة ممكنة للذهب قبل تصديره، حققت 20 مليار دولار خلال 2025.


