توت عنخ آمون.. ذلك الملك الذي حير العالم بحياته ووفاته وانجازاته، حكم طفلًا، ورحل قبل أن يكتمل شبابه، وبقي وجهه يروي حكاية ملك عظيم، وحضارة عرفت كيف تمنح الإنسان صورة تتجاوز حدود العمر والزمن.
اعتلى توت عنخ آمون العرش طفلًا، في نحو التاسعة من عمره، ورحل عن الدنيا قبل أن يبلغ العشرين. وبين طفولة حملت تاج مصر وشباب لم يكتمل، امتدت سنوات قليلة في حساب الزمن، لكنها تركت وراءها فصلًا خالدًا من تاريخ الحضارة المصرية.
لم يكن صانع القناع الذهبي يعرف أن الوجه الذي يصوغه لملك راحل استعدادا لطقوس دفنه، سيصبح يومًا أشهر وجوه الملوك في العالم، وأن ملايين البشر، بعد أكثر من ثلاثة آلاف عام، سيقفون أمام عينيه يتأملون ملامح شاب لم تتح له الحياة فرصة أن يشيخ.
كان ذلك هو سر قناع توت عنخ آمون، ليس الذهب الذي يكسوه، ولا الأحجار النفيسة التي تزينه، بل هذه القدرة المدهشة على انتزاع وجه إنسان من قبضة الفناء، ومنحه حضورًا يتجدد كلما وقعت عليه عين.
شبابٌ لم يمسه الهِرم

في مواجهة القناع، لا يطل علينا الموت، بل الحياة وقد بلغت صفاءها الأخير.
وجه فتيّ تفيض ملامحه بالسكون، عينان واسعتان يحيط بهما الأزرق، حاجبان مرسومان بإحكام، أنف مستقيم، وشفتان أطبقتا على تعبير عصيّ على التفسير، ليس ابتسامًا مكتملًا، ولا حزنًا صريحًا، وإنما سلام مهيب يليق بملك لم يعد مطالبًا بشيء من صراعات الأرض.
هنا يتجلى إبداع الفنان المصري في أرقى صوره، فقد استطاع أن يمنح معدن الذهب، نعومة البشرة، وهدوء الأنفاس، ورقة الشباب. لم يجعل الملك أكبر مما كان، ولم يحمّل وجهه تجاعيد الحكمة المصطنعة ولا ملامح الرجولة المتقدمة، بل أبقى على تلك الفتوة التي غادر بها العالم، وأضفى عليها من الوقار ما يجعلها وجهًا لملك خالد.
ولعل هوارد كارتر، حين وقف أمامه بعد الكشف عنه، كان من أكثر من أدركوا ذلك التناقض الإنساني المؤثر، إذ وصفه في كتابه عن المقبرة بأنه نموذج جميل وفريد من فن التصوير الشخصي القديم، يحمل تعبيرًا حزينًا هادئًا، يوحي بشباب أدركه الموت قبل أوانه.
ولم يكن هذا الوصف مجرد انفعال أمام كنز ثمين، بل شهادة على عبقرية صانع استطاع أن يستبقي المشاعر في معدن لا يعرف الحياة، فالعينان اللتان لم تعودا تبصران، ظلتا تحملان بريقا يمنح الناظر إليهما إحساسًا بالحضور. والشفتان اللتان انقطع عنهما الكلام، بقيتا تحملان حديثًا صامتًا عن الملك الذي لم يطل عمره، في هذا الوجه، لم ينتصر الذهب على الزمن وحده.. بل انتصرت الحرفة على الغياب.
حين كتب الذهب سيرة الخلود

خلف ذلك الوجه الهادئ، تختبئ حكاية أخرى لا تقل عظمة، فإذا كان وجه القناع قد صيغ ليُرى، فإن ظهره نُقش ليُقرأ في عالم لم يكن الموت فيه نهاية، بل عبورًا إلى حياة أخرى.
تنساب الخطوط الذهبية والزرقاء فوق غطاء الرأس الملكي في انتظام بالغ الدقة، ثم تتجمع عند الخلف في امتداد مذهب تتعاقب فوقه الحلقات الزخرفية، بينما تحمل المساحات المحيطة به نصوصًا هيروغليفية تستدعي الحماية الإلهية للملك.
ليست النقوش مجرد زخارف أضافها الفنان إلى عمله ليزيده فخامة، إنها كلمات اختيرت لترافق الملك في رحلته إلى الأبدية.
على ظهر القناع، تتماهى أجزاء الوجه مع قوى الحماية المقدسة. وكما يورد المتحف المصري الكبير في تفسير النقش:
«جبهتك أنوبيس، عينك اليمنى قارب رع الليلي، وعينك اليسرى قارب النهار، وحاجباك في معية التاسوع».
وهكذا تصبح الجبهة والعينان والحاجبان أكثر من ملامح بشرية، فهي تتحول إلى عناصر في صورة كونية أوسع، حيث يتحد جسد الملك مع عالم الآلهة.
هنا ندرك أن صانع القناع لم يكن ينجز بورتريه لوجه جميل، بل كان يحفظ للتاريخ ملامح ملك فارق الحياة قبل أن يدخل اعتاب الرجولة، يرقد جسده تحت يد كاهن يجرى طقوس تحنيطه، لقد كان يشارك في صياغة تصور المصري القديم للبعث والخلود.
فالذهب يحفظ الملامح، والنص يحفظ الهوية، والرمز يفتح للملك أبواب الأبدية.
ومن عجيب هذه القطعة أن أسرارها لا تنكشف جميعًا في النظرة الأولى؛ فما يبدو أمام العين جمالًا خالصًا، يتحول في القراءة إلى عقيدة وفلسفة ومعرفة.
توت عنخ آمون.. هيبة الملك ورقّة الإنسان

من الجانب، يتغير وجه الملك دون أن تتغير ملامحه، تتراجع المواجهة المهيبة، ويقترب الإنسان.
تبرز استقامة الأنف في هدوء، وتنحني الشفتان انحناءة خفيفة، ويستقر الذقن في امتداد متزن للوجه مكونا زاوية منفرجة مع الرقبة، فترفع الأنف نحو مزيد من العلو، بينما تبدو العين نصف المفتوحة واثقة هادئة وكأنها تتأمل ما وراء البرزخ الذي سيعبره.
في هذه الزاوية تحديدًا يظهر مقدار الحس النحتي لدى الفنان؛ فلم يكتفِ بإنشاء وجه جميل من الأمام، بل راعى امتداد الجبهة والأنف والوجنة والفك في كتلة متكاملة تحتفظ بجمالها من زوايا متعددة، إنه نحت لا يستمد روعته من وفرة التفاصيل، وإنما من حسن تقديرها ومراعاة النسب الذهبية للقناع الذهبي.
ولا يخلو هذا الوجه من مفارقة إنسانية عميقة، فالملك الذي تنطق ملامحه بهذه الطمأنينة، عاش في واحدة من أكثر الفترات تعقيدًا في تاريخ مصر القديمة.
ورث توت عنخ آمون عرشًا شهد تحولات دينية وسياسية كبرى، وفي عهده بدأت استعادة مكانة المعبود آمون وإعادة فتح المعابد وتنشيط شعائرها بعد فترة العمارنة. وقد ارتبط عهده أيضًا بإعادة ترميم التماثيل والمقدسات، وهي أعمال شارك في توجيهها رجال الدولة والكهنة تحت سلطة الملك الشاب، وهو الذي تولى الحكم طفلًا تحيط به سلطة مستشارين وقادة كبار، غير أن اسمه بقي مرتبطًا بمرحلة مهمة من استعادة التوازن الديني والمؤسسي للمملكة.
ولم يُكتب له أن يشهد اكتمال كل ما بدأ في عهده، فقد رحل الملك مبكرًا، لكن وجهه المصوغ في الذهب احتفظ بتلك المفارقة الفريدة: ملامح شاب لم يعرف الشيخوخة، ووقار ملك يبدو كأنه شهد عصورًا طويلة.
حين تحوّلت السلطة إلى فن

تفاصيل الجانب الأيمن، أشرطة غطاء الرأس الذهبية والزرقاء، وحلية الجبهة والياقة الملكية.
في هذه الصورة، نقترب من واحدة من أعظم شهادات الإبداع الحرفي في مصر القديمة.
تتجاور شرائح الذهب مع الأزرق العميق في خطوط منتظمة، تنساب فوق انحناءات غطاء الرأس دون أن تفقد إيقاعها. وعند الجبهة تستقر حليتا النسر والكوبرا، رمزا الحماية والملكية، بينما تمتد الزخارف إلى الياقة التي تتعدد فيها الألوان والمواد والأشكال.
لم تكن الثروة وحدها كافية لصناعة هذا الجمال، فقد احتاج القناع إلى معرفة دقيقة بخصائص الذهب، وقدرة على طرق صفائحه وتشكيلها وجمعها، وإلى مهارة في إعداد مواضع التطعيم وتثبيت الأحجار والزجاج الملون، ثم إلى عين فنان تعرف أين تنتهي الزخرفة وأين ينبغي أن يترك المعدن ليعبّر عن نفسه.
وتبرز في القناع مواد متعددة، بينها اللازورد والأوبسيديان والكوارتز والعقيق والفاينس والزجاج الملون، استخدمت في مواضع متباينة لإبراز ملامح الوجه والزخارف والرموز.
ولعل براعة الفنان تتجلى في تلك العلاقة المتوازنة بين الذهب والأزرق، فلا يطغى أحدهما على الآخر، بل يضاعف كل لون حضور الآخر. فالذهب يمنح القناع إشراقًا ودفئًا، بينما تضفي المساحات الزرقاء عمقًا وإيقاعًا بصريًا يحدد تقاسيمه ويمنحها قوة الحضور.
وحين ننظر إلى التقاء الخطوط والزخارف عند الأطراف، تتضح براعة الحرفي في تحويل مواد مختلفة إلى تكوين واحد، حتى يكاد المشاهد ينسى تعدد الخامات، ولا يرى سوى قطعة متجانسة لم تخضع للصدفة، فهذا هو الفن حين يصحبه العلم، والعلم حين تسكنه روح الفنان.
الملك الذي بقي وجهه شاهدًا على حضارة

لم يكن توت عنخ آمون أطول ملوك مصر حكمًا، ولا أوسعهم فتوحًا، ولا أكثرهم تشييدًا للمعابد. ولعل أسماء ملوك آخرين ارتبطت بمنجزات سياسية وعسكرية ومعمارية أكبر بكثير.
لكنه نال نوعًا آخر من الخلود، فحين اكتشف هوارد كارتر مقبرته في وادي الملوك عام 1922، ثم كشف الفريق عن القناع فوق موميائه عام 1925، عاد الملك الشاب إلى العالم بوجهه الذي أعده له فنانو مصر القديمة منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام.
وكان القناع، الذي يبلغ ارتفاعه 54 سنتيمترًا وعرضه نحو 39.3 سنتيمترًا، ويحمل أكثر من عشرة كيلوجرامات من الذهب والمواد المطعمة، أكبر بكثير من قيمته المادية.
لقد صار سجلًا للمعرفة المصرية في تشكيل المعادن والأحجار وفهم طبيعتها وأهميتها، وشهادة على فلسفتها في الحياة والموت، وعلى قدرة الفنان القديم على إضفاء الحياة على المادة. وعلى تقدم التقنيات التي توصل إليها الفنان القديم لتمكنه من صياغة مثل هذا القناع.
واللافت أن هذا الأثر، رغم شهرة صورته، لم يبح بكل أسراره بعد؛ فقد أتاحت أعمال الترميم والدراسات الحديثة إعادة النظر في أساليب تصنيعه ومواد بنائه ووصلات أجزائه، بما يثبت أن عبقرية المصري القديم ما زالت موضوعًا للبحث والاكتشاف.
لكن فنانًا مصريًا مجهول الاسم استطاع بقدر من الذهب والأحجار أن يهبه خلوداً عظيماً، حين صاغ له من الذهب وجهًا لا يهرم، ومن الأزرق تاجًا لا يبهت، ومن الرموز تعويذة للخلود، ثم ترك للأجيال أن تقف أمامه وتقرأ ما لم يستطع الملك الشاب أن يرويه.
وها هو اليوم، بعد أكثر من ثلاثة وثلاثين قرنًا، لا يزال حاضرًا بتلك الملامح الوادعة، وذلك الوقار الصامت، كأن الزمان مرّ على العالم كله، ثم توقف احترامًا أمام وجهه. ليكون وجهه وجزء من مجموعته ختام جولة الزائر للمتحف المصري الكبير، في الوقت الذي تجوب نسخ من. هذا القناع عواصم عالمية ليكون توت عنخ آمون من جديد سفيراً للحضارة المصرية القديمة.. والحديثة.
حكم توت عنخ آمون مصر طفلًا، ومات بها شابًا، لكن وجهه بقي ملكًا على الزمن، وبقي قناعه شاهدًا على عظمة الحضارة التي لم تصنع الذهب فحسب، بل صنعت به الخلود.
صائغ القناع.. ملك الصنعة
وراء هذا الوجه الخالد تقف عبقرية صانع مصري لم يحفظ التاريخ اسمه، لكنه حفظ لنا بيديه وجه ملكه، وترك في كل تفصيلة شاهدًا على ما بلغته مصر من علم وفن وإتقان. لم يكن مجرد صائغ يطرق الذهب ويطوّعه، بل فنانًا ونحّاتًا يعرف أسرار المعدن، ومهندسًا يدرك نسب الجسد وتوازن الكتل ودقة الوصلات، وحرفيًا يمتلك من الصبر والمعرفة ما يمكّنه من جمع صفائح الذهب وتشكيلها، وتطعيمها بالأحجار والزجاج الملون، حتى تتآلف الخامات المختلفة في عمل واحد لا يبدو فيه أثر للمشقة التي بُذلت في صنعه.
ولعل أعظم ما أنجزه هذا الصانع، ومن شاركوه تلك المهمة الجليلة، أنهم لم يصوغوا قناعًا لملك راحل فحسب، بل صاغوا وثيقة خالدة عن مصر نفسها، عن علومها وحرفها، وعقيدتها وفلسفتها، وقدرتها على تحويل المادة النفيسة إلى أثر يحمل المعنى والجمال معًا. فقد سجّلوا ملامح الملك، وأثبتوا رموز مُلكه كما أثبتوا ولائهم له حتى بعد رحيله، ونقشوا على الذهب معتقدات عصره، ثم أودعوا في ثناياه أسرار صنعة ما زال العلماء يحاولون استكشافها بعد آلاف السنين.
وهكذا اجتمعت في قناع توت عنخ آمون عظمتان، عظمة ملك حمل تاج مصر طفلًا، وعظمة صانع مصري منح وجهه عمرًا أطول من عمر الممالك. رحل الملك، وغاب اسم الفنان، لكن عملهما بقي حاضرًا، يروي سيرة أحدهما، ويشهد بعبقرية الآخر. فإذا كان توت عنخ آمون قد دخل التاريخ ملكًا، فإن صانع قناعه قد كتب بيديه صفحة من تاريخ الحضارة المصرية، لا بالحبر على البردي، بل بالذهب الذي لم يفقد بريقه رغم بقائه لقرون طويلة في مقبرة، وبفنٍّ لم يفقد قدرته على إدهاش العالم رغم ما يعيشه هذا العالم من ابتكارات وتقدم.
لقراءة المزيد:
الهارب والضوء والحُلي.. منال محيي الدين تتألق بتصميمات سوزان المصري
مصر والذهب الغريني.. هل تكشف الدراسات عن فرص تعدين جديدة؟
SAM Precious Metals تتوسع أفريقيًا.. تضاعف طاقة مصفاتها في مصر وتدخل شراكة بـ49% في مصفاة إثيوبيا


