بعد انتشار صور العقد عبر صفحات التواصل الاجتماعي.. دعوة لجمع وشراء المشغولات الذهبية القديمة من المواطنين الراغبين في بيعها، حفاظًا على تراث الصياغة المصرية
أثار عرض عقد ذهبي مصري قديم للبيع موجة من التفاعل على موقع “فيسبوك”، حيث ناشد عدد كبير من المعلقين الصائغ عدم صهر القطعة والحفاظ عليها، لما تحمله من قيمة فنية وتراثية تتجاوز وزن الذهب المستخدم في صناعتها، قبل أن يمتد الاهتمام بالعقد إلى صفحات أخرى أعادت نشر صوره وحكايته، وسط مطالبات بإنقاذه من مصير قد يمحو تفاصيل صناعته إلى الأبد.
ويعيد هذا التفاعل إلى الواجهة الدعوة التي أطلقتها منصة “كنوز نيوز” لإنشاء متحف مصري متخصص في تاريخ الذهب والمجوهرات، وإطلاق آلية وطنية لجمع وتوثيق المشغولات الذهبية القديمة، مع إتاحة شراء القطع ذات القيمة التراثية من المواطنين الراغبين في بيعها، بدلًا من أن تنتهي داخل بوتقة الصهر وتفقد مصر جانبًا من تاريخ حرفتها العريقة.
وكانت “كنوز نيوز” قد طرحت هذه القضية في مقال بعنوان «مصر تبحث عن الذهب الجديد.. فمن يبحث عن ذهبها القديم؟»، نُشر في أغسطس 2026، دعت فيه إلى الاهتمام بالذهب التاريخي الموجود خارج المجموعات المتحفية، بالتوازي مع جهود الدولة لاستكشاف الذهب الجديد في باطن الأرض.

66 جرامًا من الذهب تحمل ذكريات خمسة أجيال
بدأت الحكاية بمنشور عرض فيه أحد الصاغة عقدًا ذهبيًا قديمًا يبلغ وزنه 66 جرامًا، منها 40 جرامًا من الذهب عيار 21، و 26 جرامًا من عيار 18، لكن التفاصيل التي رواها عن تاريخ القطعة داخل الأسرة جذبت اهتمام المتابعين أكثر من مواصفاتها المعدنية.
فبحسب المنشور، ظل العقد في حوزة إحدى العائلات المصرية بمحافظة الشرقية لأكثر من 60 عامًا، انتقل قبلها بين خمسة أجيال من النساء، من الجدة الكبرى إلى الجدة، ثم الأم والابنة والحفيدة، محتفظًا بمكانته باعتباره رمزًا للزينة والثراء، وجزءًا من المقتنيات العائلية التي تتوارثها النساء.
وتخيل صاحب المنشور الذكريات التي ارتبطت بالعقد طوال هذه السنوات، من المرأة التي ارتدته وتزينت به لأول مرة وتم شراؤه من أجلها، إلى الرجل الذي قدمه هدية لزوجته، والبيت الذي احتفظ به شاهدًا على حياة الأسرة، قبل أن تدفع الظروف المالية إلى عرضه للبيع.
ولا تمثل السنوات الستون عمر العقد وتاريخ صناعته، وإنما المدة التي بقي خلالها متوارثًا داخل العائلة، فيما لا يزال تاريخ إنتاجه الفعلي مجهولًا، ويحتاج إلى فحص متخصص لتحديد الفترة التي ينتمي إليها.
وتكشف الصور عن وحدة زخرفية مركزية كبيرة تتداخل فيها الأسلاك المعدنية والتكوينات النباتية والحلزونية وهو ما يعرف بتقنية الشفتشي – الفيليجري-، وتتدلى منها وحدات دائرية تشبه العملات، إلى جانب وحدات متكررة على جانبي العقد، بما يعكس طبيعة الحلي التي تجمع بين الزخرفة المعدنية وتعدد العناصر المتحركة التي ترتبط ببعضها بواسطة خيط حريري مخصص لضمان انسيابية الحركة وقوة التحمل.
ومع ذلك، فإن تحديد الاسم التاريخي الصحيح للعقد وتاريخ صناعته وطبيعة الوحدات النقدية المستخدمة فيه يتطلب دراسة فنية وتاريخية مباشرة، ولا يمكن الجزم بأصله أو ندرته اعتمادًا على الصور والتعليقات وحدها.
مناشدات بعدم صهر العقد.. وصفحات أخرى تنشر حكايته
ورغم أن المنشور جاء في سياق عرض قطعة ذهبية للبيع، فإن غالبية التعليقات ركزت على مناشدة الصائغ الاحتفاظ بالعقد وعدم صهره، باعتباره نموذجًا مميزًا من الحلي المصرية القديمة، يحمل تفاصيل زخرفية وحرفية قد يصعب تعويضها إذا فُقدت.
وامتد التفاعل إلى صفحات أخرى أعادت نشر الصور والحكاية، لتتسع دائرة الاهتمام بالقطعة، وسط مخاوف من ضياع قيمتها الفنية إذا جرى التعامل معها باعتبارها مجرد جرامات من الذهب.
ولم تقتصر التعليقات على مناشدات الحفاظ على العقد، بل حاول بعض المتفاعلين التعريف به وبأصول تصميمه.
وكتب أحدهم في تعليق على المنشور: “الناس القدام بيقولوا عليه بنطنطيف”، في إشارة إلى الكلمة الفرنسية (Pendentif)، التي تعني الدلاية أو القلادة.
ورأى آخر أن القطعة تنتمي إلى نمط يُعرف باسم “عقد مصر القسطنطينية”، ويُسمى في الصعيد “عقد لضم”، موضحًا أن له أشكالًا متعددة، وأن صناعته تعكس مهارة الصاغة في التشكيل اليدوي باستخدام أدوات بسيطة، قبل انتشار الماكينات وتقنيات الحفر الحديثة.

“كنوز نيوز”.. لماذا نترك تاريخ الصياغة المصرية لبوتقة الصهر؟
تعيد الواقعة طرح أحد التحديات التي تواجه الحفاظ على تراث الذهب المصري، إذ تصل إلى سوق الصاغة مشغولات قديمة امتلكتها عائلات لعشرات السنين، وربما تعود صناعة بعضها إلى فترات أقدم بكثير، لكنها تُقيّم عند البيع غالبًا وفقًا للوزن والعيار وسعر المعدن.
وفي هذه الحالة، قد تضيع القيمة الفنية والحرفية للمشغولة، خاصة إذا كانت تمثل نموذجًا قديمًا لم يعد يُنتج، أو تحمل تقنيات وزخارف توثق مرحلة من تاريخ صناعة المجوهرات المصرية.
فصهر الذهب يحافظ على قيمة المعدن، لكنه يمحو التصميم الأصلي، بما يتضمنه من مهارة الصائغ وتفاصيل التشكيل والتجميع والزخرفة، وهي عناصر لا يمكن استعادتها بعد إعادة سبك المعدن.
ومن هنا تجدد “كنوز نيوز” دعوتها إلى إنشاء آلية وطنية تسمح بفحص وتوثيق المشغولات الذهبية القديمة قبل صهرها، وإتاحة مسار لشراء القطع المميزة من المواطنين الراغبين في بيعها، بعد تقييم قيمتها المعدنية والفنية والتراثية.
فالهدف ليس منع المواطنين من التصرف في ممتلكاتهم المشروعة، ولا مطالبة الصاغة بتحمل تكلفة الحفاظ على كل قطعة قديمة، وإنما إيجاد بديل مؤسسي يستطيع إنقاذ النماذج ذات الأهمية، مقابل حصول أصحابها على قيمة عادلة.

مبادرة لجمع وشراء الذهب القديم من المواطنين
كانت “كنوز نيوز” قد اقترحت في مقالها السابق إنشاء آلية وطنية للاسترداد الطوعي للحلي والمشغولات الذهبية التي يُشتبه في أثريتها، تتولى من خلالها جهة رسمية استقبال القطع وفحصها وتوثيقها، مع دراسة حوافز مالية وقانونية تشجع على إعادتها إلى الدولة، وفق ضوابط تميز بين الحيازة السابقة والقطع المرتبطة بجرائم السرقة أو التهريب.
وتكتسب هذه الدعوة أهمية إضافية مع واقعة العقد المعروض للبيع، التي تبرز الحاجة إلى مسار موازٍ للمشغولات التراثية المملوكة للأفراد بصورة قانونية، حتى وإن لم تكن آثارًا بالمعنى القانوني.
ويمكن أن يتضمن هذا المسار استقبال طلبات المواطنين الراغبين في بيع مشغولاتهم القديمة، وإجراء فحص أولي لتحديد القطع التي تستحق الدراسة، ثم إخضاعها لتقييم متخصص يراعي وزن الذهب وعياره، إلى جانب أصالة التصميم ومستوى الحرفة وندرته وقيمته التاريخية.
وفي حال ثبوت أهمية القطعة، يمكن شراؤها من مالكها بالتراضي، بعد الاتفاق على مقابل عادل، وضمها إلى مجموعات متحفية أو أرشيف متخصص، بدلًا من تركها لمصير الصهر.
كما يمكن توثيق القطع التي يرغب أصحابها في الاحتفاظ بها، من خلال تصويرها وتسجيل مواصفاتها وتاريخ انتقالها داخل العائلة، بما يسمح بالحفاظ على معلوماتها الفنية والتراثية دون اشتراط نقل ملكيتها.
أما القطع التي يشتبه في أثريتها، فينبغي إحالتها إلى الجهات المختصة لفحصها، وفقًا لقانون حماية الآثار، مع دراسة الآليات القانونية المناسبة للاسترداد الطوعي، وبما يحفظ الحقوق المشروعة ويمنع التعامل غير القانوني مع القطع الأثرية.
وتؤكد “كنوز نيوز” أن مبادرة جمع الذهب القديم لا تستهدف جميع المشغولات التي مضت على صناعتها سنوات طويلة، وإنما تقوم على الاختيار والتقييم المتخصص، لتحديد النماذج التي تمثل قيمة فنية أو تاريخية أو حرفية تستحق الحفظ.
ويمكن تنفيذ المبادرة بالتعاون بين الجهات المعنية بالتراث والمتاحف، والمؤسسات المتخصصة في الذهب والمجوهرات، وخبراء تاريخ الحلي والصياغة، مع إشراك الصاغة والتجار باعتبارهم أول من يستقبل هذه القطع عند عرضها للبيع.
ومن شأن إنشاء قناة اتصال بين محال الصاغة والجهات المختصة أن يتيح عرض المشغولات المميزة للفحص والتوثيق قبل اتخاذ قرار الصهر، دون تعطيل حركة التجارة أو تحميل أصحاب القطع أعباء إضافية.
كما يمكن إتاحة خيارات متعددة لأصحاب المشغولات، تشمل البيع بالتراضي، أو الإعارة للعرض المتحفي، أو الاكتفاء بالتوثيق والتصوير مع استمرار ملكية القطعة لصاحبها.
متحف للذهب المصري.. من الحلي الملكية إلى مجوهرات الجدات
ولا تقتصر أهمية إنشاء متحف مصري متخصص في الذهب والمجوهرات على جمع القطع النفيسة أو النادرة، وإنما تمتد إلى توثيق تاريخ الصياغة المصرية وتطورها، وما ارتبط بها من عادات اجتماعية وتقاليد في الزينة والادخار وتوارث الحلي بين الأجيال.
فالمجوهرات التي ارتدتها النساء في الريف والصعيد والمدن المصرية تمثل صفحات من التاريخ الاجتماعي، وتكشف عن اختلاف الأذواق وطرائق الصناعة والزخرفة بين المناطق والعصور.
كما توثق مهارات أجيال من الصاغة الذين ابتكروا ونفذوا مشغولات معقدة باستخدام أدوات يدوية بسيطة، قبل ظهور تقنيات الإنتاج الحديثة.
ويمكن أن يضم المتحف المقترح مجموعات تمثل تطور الحلي المصرية عبر مراحلها التاريخية المختلفة، إلى جانب قاعات مخصصة للمشغولات الشعبية والتراثية، وتقنيات الصناعة، وأدوات الورش القديمة، والمدارس التصميمية التي ميزت الصياغة المصرية.
وتتيح هذه المجموعات أيضًا فرصًا للدراسة والبحث والتعليم، وتوفر للمصممين المعاصرين مرجعًا بصريًا وحرفيًا يساعدهم على استلهام التراث المصري وإعادة تقديمه في تصميمات جديدة، دون الاكتفاء باستنساخ النماذج القديمة.
وفي هذا السياق، يمكن أن تتحول المقتنيات التي تحتفظ بها العائلات المصرية إلى مصدر مهم لتوثيق تاريخ الحلي، خاصة إذا اقترنت القطعة بحكاية انتقالها بين الأجيال أو بصور ووثائق تحدد أصحابها ومناسبات ارتدائها.
من يحفظ قيمة الحرفة قبل أن تتحول إلى ذهب خام؟
تكشف واقعة العقد المعروض للبيع عن فجوة بين القيمة المعدنية للمشغولات الذهبية وقيمتها الفنية والتراثية، فلا شك أنه من حق صاحب القطعة أن يبيعها، ومن الطبيعي أن يسعى الصائغ إلى تحقيق عائد من نشاطه، لكن غياب آلية لتقييم المشغولات القديمة وحفظ النماذج المميزة منها قد يؤدي إلى فقدان قطع يصعب تعويضها.
ومن هنا، فإن الحفاظ على تراث الصياغة المصرية لا ينبغي أن يعتمد على المبادرات الفردية أو مناشدات مواقع التواصل الاجتماعي وحدها، وإنما يحتاج إلى إطار مؤسسي دائم، يسمح بالتعرف على القطع المهمة وتوثيقها وشرائها عند عرضها للبيع.
وتجدد منصة “كنوز نيوز”» دعوتها إلى الجهات المعنية بالثقافة والتراث وصناعة الذهب والمجوهرات لدراسة إنشاء متحف مصري متخصص، مصحوب ببرنامج وطني لجمع وشراء وتوثيق الحلي التراثية القديمة، بما يوازن بين حقوق الملاك وحماية التراث.
فبينما تتوسع مصر في البحث عن موارد جديدة للذهب داخل أراضيها، تظل هناك ثروة أخرى من الذهب المصاغ على أيدي حرفيين مصريين، محفوظة في خزائن العائلات، أو معروضة للبيع في محال الصاغة، ولا تكمن قيمة هذه الثروة في وزن المعدن وحده، وإنما في التصميم والحرفة والذاكرة الاجتماعية التي تحملها.
وربما لا يكون العقد الذي انتقل بين خمسة أجيال سوى نموذج واحد من مشغولات كثيرة اختفت بالفعل داخل بوتقة الصهر، دون أن تترك وراءها صورة أو سجلًا يوثق مهارة صانعها أو تاريخها، وإذا كانت مناشدات المتابعين قد لفتت الأنظار إلى عقد واحد، فكم عقدًا وغويشة وقطعة حلي مصرية قديمة تحتاج إلى من ينقذها قبل أن تتحول إلى سبائك بلا ذاكرة؟
إن البحث عن الذهب الجديد لا ينبغي أن يصرف الأنظار عن الذهب القديم؛ فالأول يضيف إلى ثروة مصر المعدنية، أما الثاني فيحفظ جانبًا من تاريخها وهويتها وحرفتها التي توارثتها الأجيال.
لقراءة المزيد:
مصر تبحث عن الذهب الجديد في 2026.. فمن يبحث عن ذهبها القديم؟.
عقد «سنابل القمح» يرافق «عيش» في مهرجان الجونة.. مجوهرات مصرية تدعم قضية الأمن الغذائي
مبادرة دعم العلامات المصرية الناشئة في قطاع الحلي والمجوهرات
بازار كنوز مصر للحلي والمجوهرات- Knouz Egypt Jewellery Bazaar


