رغم استمرار ارتفاع تكلفة استخراج الذهب عالميًا، دخلت شركات التعدين عام 2026 بهوامش غير مسبوقة، بعدما تفوقت الزيادة في أسعار المعدن على تضخم تكاليف المناجم، في معادلة قد تعزز التدفقات النقدية للشركات الكبرى وتزيد جاذبية تطوير المشروعات الجديدة، ومن بينها مشروعات الذهب في مصر والصحراء الشرقية.
وكشف تحليل نشره مجلس الذهب العالمي في 24 أغسطس 2026، أعده أوليفر بلاجدن Oliver Blagden، محلل إمدادات المناجم لدى Metals Focus، أن متوسط التكلفة الشاملة المستدامة لإنتاج الذهب عالميًا All-in Sustaining Cost – AISC ارتفع إلى مستوى قياسي بلغ 1,785 دولارًا للأوقية خلال الربع الأول من 2026، بزيادة 5% عن الربع السابق و16% على أساس سنوي.

ويمثل ذلك الارتفاع السنوي الثامن والعشرين على التوالي في AISC، ما يؤكد أن تضخم تكاليف صناعة التعدين لم يتوقف رغم الطفرة التاريخية في سعر المعدن.
ولا تعني AISC تكلفة إخراج الخام من الأرض فقط؛ وإنما تستخدم الصناعة المؤشر لقياس نطاق أوسع من النفقات اللازمة للحفاظ على إنتاج المنجم، بما يشمل تكاليف التشغيل ورأس المال المستدام والإتاوات وغيرها من النفقات المرتبطة باستمرار النشاط.
الإتاوات تأكل جزءًا من مكاسب السعر
والمفارقة أن ارتفاع الذهب نفسه أصبح أحد أسباب ارتفاع تكلفة إنتاجه. فبحسب تحليل بلاجدن، كانت الإتاوات Royalties أكبر محركات ارتفاع AISC خلال الربع الأول؛ إذ زادت 24% على أساس فصلي و85% سنويًا مع ارتفاع الإيرادات المرتبطة بأسعار الذهب.
وخلال خمس سنوات فقط، تضاعفت حصة الإتاوات تقريبًا من متوسط قاعدة تكلفة المناجم؛ إذ كانت تمثل نحو 6% من AISC في الربع الأول من 2021، ووصلت إلى 12% في الربع الأول من 2026.
ولا تتوزع الضغوط بالتساوي بين الدول. فقد طبقت غانا في مارس نظام إتاوات متدرجًا يمكن أن يصل إلى 12% عندما يتجاوز الذهب 4,500 دولار للأوقية، بينما طبقت بوركينا فاسو ومالي بدورهما نظمًا تصاعدية مرتبطة بالسعر.
وفي منجم Essakane التابع لـIAMGOLD في بوركينا فاسو، على سبيل المثال، قفزت تكلفة الإتاوات 220% على أساس سنوي وأصبحت تمثل 35% من التكلفة النقدية للمنجم.

حرب إيران تدخل حساب تكلفة المنجم
وظهر عامل جديد خلال الربع الأول هو اضطراب الطاقة وسلاسل الإمداد الناتج عن الحرب في إيران وتعطل حركة التجارة والطاقة في الشرق الأوسط.
وأشار التحليل إلى ارتفاع تكاليف الوقود والكهرباء والشحن والتأمين والمواد المستهلكة في عمليات التعدين، فيما سجلت Gold Fields زيادة بنحو 40% في تكاليف الشحن والمواد الاستهلاكية منذ بداية الحرب.
كما انعكس اضطراب أسواق الغاز الطبيعي والأمونيا على أسعار المتفجرات والسيانيد المستخدم في معالجة الذهب، بينما رفعت أسعار الألومنيوم تكلفة بعض معدات ومواد الصيانة وقطع الغيار.
وكانت الشركات الكبرى أكثر قدرة على امتصاص الصدمة من المنتجين الصغار بفضل مخزونات الوقود، وعقود التوريد طويلة الأجل، والتحوط من أسعار الطاقة واتفاقيات شراء الكهرباء.
سعر الذهب يسبق سعر التكلفة
ورغم كل ذلك، ارتفع سعر الذهب بوتيرة أكبر كثيرًا. فقد زاد متوسط السعر خلال الربع الأول 17% مقارنة بالربع السابق و 70% على أساس سنوي، لترتفع معه هوامش AISC بنحو 25% فصليًا و 134% سنويًا إلى مستوى قياسي بلغ 3,076 دولارًا للأوقية.
وحتى المناجم الواقعة عند الشريحة الأعلى تكلفة، وتحديدًا عند الـ 90th percentile من منحنى التكلفة العالمي-وحتى المناجم الواقعة عند الشريحة المئوية الـ90 من منحنى التكلفة العالمي – أي ضمن أعلى 10% تقريبًا من المناجم من حيث تكلفة الإنتاج – حققت متوسط هامش بلغ 2,363 دولارًا للأوقية.
ولا يمثل هذا الرقم صافي ربح المنجم؛ إذ تظل هناك نفقات واستثمارات وضرائب وعناصر مالية ومحاسبية أخرى، لكنه يكشف حجم المساحة التي خلقها ارتفاع الذهب بين سعر البيع وتكلفة المحافظة على الإنتاج.
وانعكس ذلك مباشرة على سيولة الشركات الكبرى. فقد سجلت Newmont أعلى تدفق نقدي حر فصلي في تاريخها عند 3.1 مليار دولار، وأعادت 2.7 مليار دولار إلى المساهمين، بينما حققت AngloGold Ashanti تدفقًا نقديًا حرًا قياسيًا قدره 1.2 مليار دولار وانتقلت من صافي مديونية إلى صافي سيولة.

قراءة كنوز نيوز:
لا يرفع ارتفاع سعر الذهب الأرباح فقط.. بل يعيد رسم خريطة الإنتاج والسيطرة على الثروة، حيث لا تتوقف دلالة اتساع الفارق بين سعر الذهب وتكلفة إنتاجه عند ارتفاع هوامش شركات التعدين. كما يجب الإشارة إلى أن ارتفاع الأسعار لا يظهر فقط في الإيرادات؛ بل يتزامن مع زيادة فعلية في الكميات المنتجة عالميًا وفي عدة دول، ومع عودة بعض المناجم إلى التشغيل عندما أصبحت هوامش السعر تسمح بامتصاص تكاليف أعلى. لكن لا يمكن تعميم نفس السبب -ارتفاع السعر- على كل زيادة إنتاج، ففي كندا أو تشيلي مثلًا، كانت التوسعات والتشغيل الجديد عامل أساسي لزيادة الإنتاج.
فعند النظر لبيانات الإنتاج وتحركات الحكومات والشركات في عدد من الأسواق نلاحظ أن الأسعار القياسية بدأت تنعكس على كميات الذهب المنتجة، وقرارات إعادة تشغيل بعض المناجم، وسياسات الدول المنتجة للسيطرة على الخام وتقليل التهريب وتعظيم القيمة المضافة.
وعلى مستوى الإنتاج، سجلت المناجم عالميًا ارتفاعا في الإنتاج كالتالى:
- 965.6 طنًا في الربع الثاني من 2026 مقابل 947.7 طنًا في الفترة نفسها من 2025، بزيادة 2%.
- 1,867 طنًا قيمة إنتاج النصف الأول مقابل 1,808 أطنان، بزيادة 3%.
- أكبر الزيادات الفصلية بين الدول التي رصدها مجلس الذهب العالمي في
كندا +29%، تشيلي +24%، بوركينا فاسو +17%، وغانا +8%، وهي زيادات في الكميات المنتجة نفسها وليست في قيمة الإنتاج. وارتبطت الزيادات بتوسعات وبدء تشغيل مشروعات جديدة ورفع طاقات المعالجة، مثل Detour Lake في كندا، وSalares Norte وFenix في تشيلي، وKiaka وBomboré في بوركينا فاسو، وAhafo North وBibiani في غانا. (World Gold Council.
مناجم رفعت طاقتها الإنتاجية
وتظهر بعض المناجم الصورة بشكل أوضح؛ كالتالي:
- ارتفع إنتاج Bomboré في بوركينا فاسو إلى 75,626 أوقية في النصف الأول من 2026 مقابل 56,236 أوقية قبل عام، بزيادة 34%، مع دخول مصنع الصخور الصلبة وارتفاع معدلات المعالجة، بينما زاد إنتاجه في الربع الثاني وحده 38% إلى 38,063 أوقية.
- وفي غانا ارتفع إنتاج الذهب على مستوى الدولة 8% سنويًا في الربع الثاني من 2026، مدفوعًا خصوصًا بتصاعد إنتاج Ahafo North التابع لـNewmont، الذي دخل الإنتاج التجاري في أكتوبر 2025 ويخوض أول عام كامل من التشغيل، إلى جانب نمو الإنتاج في Bibiani. وتقول Newmont إن Ahafo North سيضيف إنتاجًا منخفض التكلفة إلى محفظتها، بينما يُتوقع أن يرفع إنتاج منطقة Ahafo مجتمعة إلى نحو 750 ألف أوقية سنويًا عند اكتمال التوسع.
- وعند مستوى الشركات، سجلت Pan African Resources في جنوب أفريقيا زيادة تقارب 40% في إنتاج الذهب السنوي إلى نحو 275 ألف أوقية في السنة المالية 2026، مقابل 196,527 أوقية في 2025، بدعم من عمليات Elikhulu وMogale وEvander وBarberton.
- في غرب أفريقيا، رفعت Allied Gold إنتاج منجمي Bonikro في كوت ديفوار إلى 31,471 أوقية في الربع الثاني من 2026 مقابل 25,775 أوقية قبل عام، وAgbaou إلى 17,878 أوقية مقابل 15,959 أوقية.
السعر المرتفع يعيد الحياة لمناجم مغلقة
وفي المقابل، أعادت الأسعار المرتفعة الجدوى إلى أصول كانت متوقفة أو أعلى تكلفة أو اعتقاد نضوب مخزونها، إلا أن اررتفاع الأسعار دفع بعض الشركات لإعادة النظر وإجراء تقييمات أكثر دقة ودراسات على أعماق أكثر داخل باطن الأرض للتأكد من نفاذ المخزون، الأمر الذي أظهر نتائج مفاجئة في بعض الحالات.
ففي المكسيك أعادت Heliostar تشغيل منجم San Agustin أواخر 2025، وبدأ أول صب للذهب من الخام الجديد في يناير 2026، مع استهداف إنتاج 30–32.7 ألف أوقية خلال العام عند AISC يتراوح بين 2,150 و2,250 دولارًا للأوقية. وقالت الشركة إن إعادة التشغيل رفعت إرشادات إنتاجها السنوية المجمعة بأكثر من 60%، في مؤشر واضح إلى أن أسعار الذهب الحالية سمحت بإعادة إدخال إنتاج لم يكن جذابًا بالدرجة نفسها عند مستويات سعرية أقل. (Heliostar Metals).
وفي الولايات المتحدة، بدأت شركة First Majestic خطة لإعادة تشغيل منجم Jerritt Canyon للذهب في نيفادا، بعد توقف عملياته منذ عام 2023، مستهدفة استئناف الإنتاج في النصف الثاني من 2027 بمخزون يقدر ب 4.40 مليون أوقية، وقالت الشركة صراحة إن قرار العودة جاء نتيجة اتساع قاعدة الموارد المعدنية وتحسن افتراضاتها طويلة الأجل لأسعار الذهب، إلى جانب نتائج الحفر الإيجابية، ورصدت نحو 75 مليون دولار خلال 2026 لأعمال التأهيل والتطوير وشراء المعدات والدراسات الفنية اللازمة لإعادة التشغيل.
السعر ايقظ الحكومات للثروة المهدرة
لكن أثر ارتفاع الذهب لا يظهر فقط في قرارات الشركات؛ فقد دفع عددًا من الدول المنتجة إلى إعادة إحكام السيطرة على المعدن نفسه. في غانا، عززت الدولة دور GoldBod، ورفعت مستهدف شراء الذهب من كبار المنتجين لصالح الاحتياطي إلى 30% من الإنتاج السنوي، كما قررت حظر تصدير ذهب الدوريه غير المكرر من التعدين الحرفي اعتبارًا من سبتمبر 2026، بهدف زيادة التكرير المحلي وتعظيم القيمة المضافة. وفي النصف الأول من 2026 اشترى GoldBod نحو 50–54 طنًا من ذهب التعدين الحرفي، بعد أن بلغ إنتاج هذه الفئة مستوى قياسيًا عند 104 أطنان في 2025. (Reuters)
كما اتجهت مالي إلى إنشاء هيئة حكومية جديدة لتنظيم تجارة الذهب الحرفي، بعد رصد فروق كبيرة بين كميات الذهب التي تعلن البلاد تصديرها والكميات التي تسجلها الدول المستوردة، في محاولة للحد من التهريب وزيادة نصيب الدولة من الثروة المعدنية. وفي الوقت نفسه شددت غانا كذلك قانون التعدين، مع توجه إلى زيادة الرقابة والمحتوى المحلي والإتاوات وربط المجتمعات المحلية بصورة أكبر بقرارات الاستغلال. (Reuters)
مصر.. من منجم واحد إلى محاولة بناء قطاع
وفي مصر، تتزامن دورة الأسعار الحالية مع محاولة أوسع لإعادة بناء قطاع التعدين على أسس جديدة، لا تقتصر على منجم السكري. حيث أنتج منجم السكري 500 ألف أوقية في 2025 عند AISC بلغ 1,094 دولارًا للأوقية، وهو مستوى يقل بوضوح عن المتوسط العالمي الذي سجله الربع الأول من 2026، مع مراعاة اختلاف فترة القياس. وتستهدف AngloGold Ashanti الحفاظ على السكري ضمن الأصول منخفضة التكلفة نسبيًا، مع تنفيذ توسعات تشغيلية، وإنشاء منشأة ثالثة للـdump leach، إلى جانب استمرار الاستكشاف لزيادة عمر المنجم والحفاظ على إنتاج يدور حول 500 ألف أوقية سنويًا على المدى الطويل.
وفي الوقت نفسه تحاول الدولة توسيع قاعدة الإنتاج خارج السكري من خلال إصلاح نموذج اتفاقيات استغلال الذهب، وتحويل هيئة الثروة المعدنية إلى هيئة اقتصادية، وإطلاق نظام القطاعات المفتوحة Open Blocks، وتطوير منصة رقمية للتعدين، وتنفيذ مسح جوي جيوفيزيقي شامل. مع إعادة تقييم مواقع ومناجم إنتاج تاريخية وإعادة استغلالها مثل الفواخير والبرامية، وتستهدف الحكومة رفع مساهمة التعدين في الناتج المحلي إلى 5–6%، مع جذب شركات دولية ووطنية جديدة إلى البحث والاستكشاف.
وتشمل التحركات الحالية استعداد Barrick لبدء برامج استكشاف جديدة في الصحراء الشرقية بعد بعثات جيولوجية أجرتها خلال 2025، وخطط شركة FMC لضخ نحو 20 مليون دولار لاستئناف أعمال البحث عن الذهب والمعادن، إلى جانب توسع شركة آفاق للتعدين في غرب جبل علبة، واستمرار تطوير مشروع أبو مروات مع Aton Mining.
وتعكس هذه التطورات انتقال أثر الأسعار المرتفعة من مجرد زيادة العائد على الأوقية إلى مرحلة أوسع تشمل زيادة الإنتاج، إعادة تقييم المناجم المتوقفة أو مرتفعة التكلفة، تشديد سيطرة الدول المنتجة على الخام، ومحاولة الاحتفاظ بجزء أكبر من القيمة داخل الاقتصاد المحلي.
وبالنسبة لمصر، فإن الاختبار الحقيقي لن يكون فقط في استمرار السكري عند مستويات إنتاج مرتفعة، وإنما في قدرة الإصلاحات الحالية على تحويل الصحراء الشرقية من منطقة تعتمد عمليًا على منجم عالمي واحد إلى قاعدة تضم عدة مناجم منتجة وشركات استكشاف ومشروعات معالجة وصناعات ذات قيمة مضافة خلال السنوات المقبلة.
لقراءة المزيد:
4.4 مليون أوقية: الذهب المرتفع يوقظ منجم Northumberland التاريخي في نيفادا
حين يصبح الذهب أغلى من الساعة.. متى تفشل بعض البراندات في حماية قيمة منتجها؟
مصر تبحث عن الذهب الجديد في 2026.. فمن يبحث عن ذهبها القديم؟
49 حالة وفاة.. أفريقيا الوسطى: انهيار “موسكو” يعيد فتح ملف التعدين غير المشروع للذهب
غانا تستهدف رفع إنتاجها من الذهب خلال العام الجاري


