بث تجريبي

حين يصبح الذهب أغلى من الساعة.. متى تفشل بعض البراندات في حماية قيمة منتجها؟

كنوز.نيوز

يبدو أن سوق الساعات يعاني من ارتفاع الذهب عل عكس ما يعتقد البعض، فحين ترتفع أسعار الذهب، فتبدو الحركة للوهلة الأولى خبرًا جيدًا لكل ما صُنع منه. ترتفع قيمة المخزون، ويزداد ثراء القطع القديمة بما تحمله من معدن ثمين، ويشعر أصحابها بأن ما اقتنوه قبل سنوات أصبح أكثر قيمة.

لكن السوق لا يتحرك دائمًا بهذه البساطة. ففي بعض خزائن الساعات القديمة، تحول الصعود التاريخي للذهب إلى فرصة ربح من نوع مختلف؛ فرصة لا ترى في الساعة تصميمًا وحركة ميكانيكية وساعات من العمل والحرفية وتاريخ علامة تجارية، وإنما ترى عددًا من جرامات الذهب يمكن استعادتها إذا انتهت حياة القطعة داخل فرن الصهر.

وهنا يصبح السؤال أكثر قسوة.. هل ارتفاع المعدن قادر على محو القيمة التي أضافها الإنسان إليه؟

فخلف كل ساعة فاخرة جيش من المصممين والمهندسين وصناع الحركات ومرصعي الأحجار وخبراء الصقل والتجميع والجودة والتسويق والبيع. وقد تستغرق صناعة بعض مكوناتها وتطويرها سنوات، قبل أن تخرج من المصنع كمنتج يفترض أن تكون قيمته أكبر كثيرًا من مجموع مواده الخام.

لكن ما يحدث الآن في أجزاء من سوق الساعات القديمة يطرح سؤالًا قاسيًا: ماذا يعني أن تصبح قيمة الذهب داخل ساعة أعلى من قيمة الساعة نفسها؟

أوميجا تدخل الفرن

وثقت رويترز واحدة من أوضح الحالات في بريطانيا لساعة Omega Constellation التي صنعت أواخر سبعينيات القرن الماضي من ذهب عيار 18 قيراطًا وفي حالة جيدة.

كان يمكن لتاجرها Jon White إرسالها إلى المزاد، حيث تراوح تقدير سعر بيعها بين 4,000 و4,500 جنيه إسترليني.

لكن الحساب الآخر كان أكثر إغراءً. فالذهب الموجود في الساعة أصبح يساوي نحو 5,750 جنيهًا إسترلينيًا.

أي أن صهر الساعة واستخراج معدنها يمكن أن يحقق قيمة تزيد بما يصل إلى نحو 44% على الحد الأدنى لتقدير بيعها كساعة، ونحو 28% فوق الحد الأعلى.

 

ماذا يعني أن تصبح قيمة الذهب داخل الساعة أعلى من قيمتها الكلية؟
ماذا يعني أن تصبح قيمة الذهب داخل الساعة أعلى من قيمتها الكلية؟

فكان القرار اقتصاديًا بحتًا: دخلت الساعة الفرن للصهر واستخلاص المعدن.
ولم تكن حالة منفردة. فقد قال التاجر لرويترز إنه أرسل عشرات الساعات إلى الصهر خلال العام، فيما أظهرت مقابلات الوكالة مع تجار وخبراء أن الضغط يتركز بصورة أكبر على ساعات ذهبية قديمة ومتوسطة القيمة من علامات بينها Omega وTAG Heuer.

والمفارقة أن بعض هذه الساعات ليست تالفة أو غير قابلة للاستخدام. بل قد تكون ساعات جيدة الصنع، تعمل، وتحمل اسمًا سويسريًا معروفًا. لكن السوق الثانوية لم تعد مستعدة لدفع مقابلها سعرًا يتجاوز قيمة الذهب الموجود فيها.

وهنا يصدر السوق حكمًا مختلفًا تمامًا عن الحكم الذي صدر يوم بيع الساعة للمرة الأولى: القيمة التي أضافها التصميم والحركة والحرفية والعلامة التجارية تآكلت حتى أصبحت المادة الخام أكثر قيمة من المنتج المكتمل.

 

لماذا لا تدخل كل الساعات الذهبية الفرن؟

ارتفاع الذهب هو أمر واقع يسرى على الجميع تقريبًا؛ وبالتالي لا يكمن تفسير الظاهرة في المعدن وحده. فالذهب الموجود داخل تصميم ل Rolex يخضع لسعر الذهب نفسه الموجود داخل Omega. ومع ذلك، تشير الحالات التي رصدتها رويترز إلى أن الإصدارات النادرة والقابلة للتحصيل من علامات مثل Rolex و Patek Philippe تتمتع بحماية أكبر من الصهر؛ لأن سعر الساعة في السوق الثانوية يظل أعلى من قيمتها المعدنية.

وهنا نصل إلى فارق جوهري بين قيمة المادة والقيمة التي استطاعت العلامة التجارية بناءها حول المادة.

بعض إصدارات Rolex الجديدة تتداول في السوق الثانوية عند مستويات تقترب من سعر التجزئة أو تتجاوزه، خصوصًا في المراجع الأعلى طلبًا والإصدارات المحدودة يكون السعر فيها اعلى حتى من سعر البيع الاصلي بأضعاف، وإن كان ذلك لا ينطبق على جميع ساعات العلامة أو جميع موديلاتها.

العلامة التجارية لا تنتهي مهمتها عند البيع

لم تتعامل Rolex مع سوق الساعات المستعملة باعتباره سوقًا لا يعنيها بعد خروج المنتج من متجرها. ففي عام 2022 أطلقت برنامج Rolex Certified Pre-Owned، الذي يسمح بإعادة بيع ساعات Rolex المستعملة عبر شبكة رسمية بعد التحقق من أصالتها وفحصها وصيانتها بالكامل.

وتعود الساعة إلى ورش العلامة، حيث يجري التحقق من مكوناتها واختبارها وفق معايير خدمة ما بعد البيع نفسها المستخدمة مع الساعات الجديدة، ثم تعود إلى السوق مصحوبة بختم وبطاقة توثيق وضمان دولي جديد لمدة عامين.

وتلخص Rolex فلسفة البرنامج في عبارة بسيطة: «مستعملة.. حياة جديدة».

الأهم اقتصاديًا أن Rolex تقول صراحة إن هدف البرنامج هو إضافة قيمة إلى المعروض الموجود بالفعل من ساعاتها في سوق المستعمل. أي أن العلاقة بين العلامة والمنتج لا تنتهي عند البيع الأول.

في الواقع لم تبدأ قصة روليكس في حفظ قيمة الساعة مع برنامج صيانة وتقييم الساعات المستعملة، بل بدأت قبل ذلك بكثير من خلال الضمان والصيانة فالشركة تضمن توافر قطع الغيار والعمل والصيانة لمدة 35 عامًا على الأقل بعد خروج الموديل من الكتالوج. وبعد ذلك، إذا لم تعد القطعة متاحة، يمكن لـRestoration Atelier إعادة تصنيعها. كما تمنح الساعة بعد الصيانة الرسمية ضمان خدمة دوليًا لعامين

البراند لا يحمي كل ساعة

لكن شعار Rolex نفسه ليس بوليصة تأمين ضد انخفاض السعر. ويتضح ذلك بصورة أكبر عندما ننتقل إلى الساعات النسائية.

فساعة Rolex Lady-Datejust 28 الحالية المصنوعة بالكامل من ذهب عيار 18 قيراطًا، Reference 279178، يبدأ سعر إحدى نسخها ذات المينا الشمبانيا وسوار President من نحو 35,300 دولار في السوق الأمريكية.

إضافة الماس إلى المينا ترفع بعض النسخ إلى نحو 38,050 دولارًا، بينما توجد نسخة بمينا Pavé مرصعة بـ291 ماسة.

وهنا يظهر سؤال جديد: إذا كان الذهب يستطيع في النهاية أن ينافس قيمة الساعة نفسها، فهل يحمي الماس والأحجار الكريمة القطعة من المصير ذاته؟ الإجابة ليست بالضرورة.

الماس لا يعني تلقائيًا قيمة أعلى عند إعادة البيع

عندما تشتري عميلة ساعة ذهبية مرصعة بالماس من دار فاخرة، فهي لا تدفع فقط ثمن جرامات الذهب وقيراطات الماس.

السعر يشمل اختيار الأحجار وفرزها، وعمل مرصعي الأحجار، والتصميم، والحركة، والتشطيب، والتسويق، وشبكة التوزيع، وفوق كل ذلك Premium العلامة التجارية.

لكن هذه المكونات لا تحتفظ جميعها بالقيمة بالنسبة نفسها عندما تدخل الساعة سوق المستعمل.

بل إن الأمر يصبح أكثر تعقيدًا مع الأحجار الصغيرة المستخدمة في الـPavé؛ فقيمتها عند تفكيك القطعة لا تساوي ببساطة الزيادة التي دفعتها العميلة مقابل شراء النسخة المرصعة من المتجر.

وهكذا يمكن نظريًا أن تصل ساعة ذهبية مرصعة بالأحجار إلى نقطة تصبح عندها Break-up Value- قيمة التفكيك- مغرية: يفصل الذهب إلى المصفاة، وتستخرج الأحجار لإعادة استخدامها، بينما تباع الحركة أو بعض الأجزاء منفصلة.

ولا توجد حتى الآن حالة موثقة في المصادر التي راجعتها لساعة نسائية حديثة مرصعة بالماس من Rolex أو Cartier جرى صهرها لهذا السبب تحديدًا؛ لذلك لا يمكن القول إن الظاهرة انتقلت بالفعل إلى هذه الفئة. فربما يمتنع ملاك هذه القطع عن بيعها من منطلق أن ارتدائها سيكون أكثر قيمة من المال الذي يمكن أن يتحصل عن بيعها.

فاقتصاديات إعادة البيع تؤكد أن وجود الماس في حد ذاته لا يوفر الحماية.

والفارق هنا مهم أيضًا بين الماس الذي رُصع في المصنع Factory-set وأصبح جزءًا أصيلًا من Reference الساعة، وبين أحجار أضيفت لاحقًا Aftermarket؛ إذ قد تؤدي التعديلات اللاحقة، رغم تكلفتها المرتفعة، إلى إضعاف القيمة التجميعية لدى المشترين الباحثين عن الحالة الأصلية.

عندما تصبح الساعة نفسها قطعة مجوهرات

تقدم Cartier Panthère نموذجًا مختلفًا. فالدار تقدم Panthère باعتبارها ساعة ومجوهرات في الوقت نفسه، وتوجد منها إصدارات ذهبية ومرصعة بالماس بأسعار تصل إلى عشرات الآلاف من الدولارات.

 

كارتييه ساعة قدم Panthère باعتبارها ساعة ومجوهرات في الوقت نفسه،
كارتييه ساعة قدم Panthère باعتبارها ساعة ومجوهرات في الوقت نفسه،

ورغم أن كثيرًا من ساعات Panthère تعمل بحركات Quartz، فإنها بنت سوقًا ثانوية نشطة؛ ليس لأن المشترين يقيمون الحركة الميكانيكية وحدها، وإنما لأن التصميم نفسه أصبح أيقونة يمكن التعرف عليها.

وهنا تظهر طبقة أخرى من القيمة. فربما لا يكون ما يحمي الساعة من العودة إلى قيمتها الخام هو تعقيد الحركة، ولا وزن الذهب، ولا عدد الماسات وحده. أحيانًا يكون التصميم هو الحماية الأهم.

فإذا استطاعت العلامة أن تجعل شكلًا معينًا مرغوبًا بعد عشرين أو ثلاثين عامًا، يصبح التصميم نفسه أصلًا غير مادي يضاف إلى قيمة الذهب والحجر. وهذا هو الفارق الحقيقي الذي يكشفه اختبار فرن الصهر.

 

ماذا يحدث للساعة بعد خروجها من المتجر؟

لسنوات طويلة ركزت صناعة المنتجات الفاخرة على اللحظة السابقة للبيع: الإعلان، المتجر، التغليف، تجربة العميل، السفراء، الإطلاقات الجديدة. لكن سوق المستعمل يطرح سؤالًا مختلفًا:

ماذا تفعل العلامة بالمنتج بعد أن تحصل على أموال العميل؟

Rolex تقدم نموذجًا واضحًا لإدارة هذه المرحلة. فهي لا توفر الصيانة فقط، وإنما تعيد توثيق الساعة المستعملة، وتضمن أصالتها، وتمنحها ضمانًا جديدًا، وتعيد إدخالها إلى شبكة بيع رسمية. بهذه الطريقة تخفض مخاطرة المشتري الثاني.

وكلما زادت الثقة في قدرة الساعة على الانتقال من مالك إلى آخر، زادت سيولتها في السوق الثانوية، وأصبح المشتري الأول أكثر اطمئنانًا إلى وجود مشترٍ محتمل لها مستقبلًا.

وهنا لا تصبح قيمة إعادة البيع مجرد ميزة للمستهلك الذي يريد التخلص من ساعته. بل تصبح جزءاً من قيمة الساعة الجديدة نفسها. فالمستهلك الذي يدفع 30 ألف دولار مقابل منتج يعتقد أنه يستطيع بيعه مستقبلًا بـ25 ألفًا يتعامل نفسيًا واقتصاديًا مع قرار مختلف تمامًا عن منتج يشتريه بالقيمة نفسها ولا يعرف إن كان سيجد له مشتريًا بعشرة آلاف.

وهكذا يمكن لسوق المستعمل القوية أن تساعد العلامة، بصورة غير مباشرة، على دعم قدرتها على تسعير منتجاتها الجديدة.

حين يفشل البراند في إضافة قيمة إلى الذهب

لا يعني ذلك أن كل ساعة يجب أن تكون استثمارًا، ولا أن العميل الذي يشتري منتجًا فاخرًا ينبغي أن يحصل بالضرورة على كامل أمواله عند إعادة بيعه. فالرفاهية نفسها تحمل قيمة استهلاكية وعاطفية: متعة الاقتناء، والحرفية، والتصميم، والهوية والمكانة، تمامًا كما يدفع المستهلك مقابل رحلة فاخرة أو عطر أو أزياء لا يتوقع استرداد ثمنها لاحقًا.

لكن المجوهرات والساعات المصنوعة من المعادن والأحجار الثمينة تحمل طبيعة مختلفة؛ لأنها تجمع داخل المنتج الواحد قيمة قابلة للاستهلاك وقيمة مادية باقية وقابلة للتسييل المادي في أي وقت.

وارتفاع الذهب إلى مستويات تاريخية وضع القيمتين في مواجهة مباشرة.

فإذا ظلت الساعة مرغوبة، ولها سوق ومجتمع جامعين وتاريخ موثق وخدمات وصيانة وأصالة يمكن التحقق منها، يستطيع ما صنعه الإنسان أن يظل أعلى قيمة من المعدن. أما عندما تختفي هذه الطبقات واحدة تلو الأخرى، يبقى الذهب.

وعندها لا يسأل التاجر كم عامًا احتاجت العلامة لتطوير الساعة، ولا كم حرفيًا شارك في صناعتها، ولا كم أنفقت على حملتها الإعلانية. يضع الساعة على الميزان.

وإذا قال الميزان إن الذهب الموجود فيها أغلى من الساعة التي تحمل هذا الذهب، يصبح فرن الصهر الحكم الأخير على القيمة التي نجحت العلامة في بنائها — أو فشلت في الحفاظ عليها.

لقراءة المزيد:

المهراجا والفيل والجواهر.. حكاية 2000 عام صنعت أسطورة المجوهرات الهندية

Tiffany & Co تُعيد تعريف صناعة الساعات في أسبوع ساعات LVMH 2026 بميلانو

بولغاري تحتفل بمرور 50 عاما على ساعة بولغاري بإصدار جديد محدود

Chintan Shivir: الهند ترسم خريطة المجوهرات حتى 2040، و 100 مليار دولار صادرات في قلب الخطة

مقالات مختارة

37 وجهًا ل 37 عاماً: عندما تروي قَصَّة الحجر قِصَّة الحب.
تكنولوجيا هندية لخفض فاقد الذهب في مصانع المجوهرات.. سعرها يبدأ من 16 ألف دولار.
صائغ أمريكي يطلق أداة رقمية تتيح للعملاء تصميم خواتمهم بأنفسهم رفعت المبيعات 40% خلال شهر.
المهراجا والفيل والجواهر.. حكاية 2000 عام صنعت أسطورة المجوهرات الهندية
 3 آلاف زائر: كنوز الفراعنة تشعل ليلة مصرية يقودها الذهب في سان فرانسيسكو
 مصر تسترد 48 قطعة أثرية من الولايات المتحدة بعد تحقيقات الـFBI
 هبة الحسيني تجمع بين العمارة والمجوهرات في هوية واحدة “ZAHN-Z”.
الذهب يربح 660 جنيهًا والفضة تقفز 14% محليًا خلال أغسطس.
13 قتيلًا في انهيار منجم ذهب بكولومبيا.. حادث يعيد فتح ملف التعدين الحرفي والذهب غير المشروع
“Fred Seeking Fred”: عودة الوريثة.. بحثًا عن ضوء الشمس الذهبي لعائلتها