بعيدًا عن الفتارين المضيئة وبريق الأحجار المصقولة، يوجد وجه آخر لعالم الماس الطبيعي، ربما يكون أكثر إنسانية وإشراقًا. فالبعض يشتري الماس ليتزين به، والبعض يقتنيه للاستثمار أو يتاجر فيه، لكن هناك من يجلس أمام أحجاره الخام، يتأمل شوائبها، ويفحص تفاصيلها الدقيقة، ويتحاور معها بلغة العلم، حتى تستحوذ على أفكاره وتصبح جزءًا من حياته.
بالنسبة لهؤلاء، ليست الشوائب عيوبًا تنتقص من قيمة الحجر، بل شواهد جيولوجية نادرة، وربما رسائل احتفظت بها الأرض داخل بلورات الماس لملايين أو مليارات السنين، تنتظر من يستطيع قراءتها.
ومن بين هؤلاء العلماء، يبرز اسم الباحث البريطاني جيفري دبليو هاريس (Jeffrey W. Harris)، الذي أمضى أكثر من نصف قرن في دراسة الماس الطبيعي، ليس بحثًا عن بريقه أو قيمته التجارية، وإنما عما يخفيه من أسرار تكوّن الأرض وتاريخها الجيولوجي.
وبعد مسيرة علمية طويلة، قرر هاريس أن يضع بين أيدي جيل جديد من الباحثين مجموعة من أهم أبحاثه العلمية ومعها مجموعة تضم أكثر من 29 ألف ألماسة طبيعية خام، جمعها لأغراض البحث العلمي، لتنتقل إلى جامعة برن السويسرية، وتستمر معها رحلة البحث التي كرس لها جانبًا كبيرًا من حياته.

بداية الحكاية.. شغف بالجيولوجيا قاده إلى الماس
بدأت رحلة Jeffrey W. Harris العلمية في بريطانيا، حيث درس الكيمياء والجيولوجيا بجامعة ليفربول، ثم اتجه إلى دراسة علم البلورات، وحصل على الدكتوراه من جامعة لندن عام 1968.
وفي عام 1973، انتقل إلى جنوب أفريقيا للعمل في مختبرات أبحاث الماس التابعة لشركة دي بيرز في جوهانسبرج، ليبدأ فصلًا محوريًا في حياته العلمية، أتاح له الاقتراب من أحجار الماس الخام القادمة من المناجم الأفريقية، ودراسة ما تحتويه من شوائب معدنية دقيقة.
لم يكن اهتمامه منصبًا على تصنيف الأحجار وفق معايير الجمال والجودة المستخدمة في صناعة المجوهرات، وإنما على دراسة ما تحتفظ به البلورات من معادن ومواد تشكلت أو حُبست داخلها في أعماق الأرض.
وبمرور السنوات، أصبحت هذه الشوائب محورًا أساسيًا لأبحاثه، ووسيلة لفهم الظروف التي تكوّن فيها الماس، وأعمار بعض البلورات، وطبيعة الصخور والعمليات الجيولوجية في وشاح الأرض.
حين تصبح الشوائب مفاتيح لأسرار الأرض
أسهم Jeffrey W. Harris ، من خلال أبحاثه وتعاونه مع علماء الجيولوجيا والكيمياء والنظائر، في تطوير دراسة الشوائب المعدنية داخل الماس، وتحليل تركيبها الكيميائي، واستخدامها لاستكشاف البيئات العميقة التي نشأت فيها البلورات، وكان من أبرز مجالات عمله التمييز بين مجموعات الماس وفق طبيعة الشوائب المعدنية، ودراسة العلاقة بين هذه الشوائب والصخور الموجودة في وشاح الأرض، إلى جانب الأبحاث المتعلقة بتحديد أعمار تكوّن الماس.
وتكتسب هذه الدراسات أهميتها من أن الماس قد يتكون في أعماق كبيرة قبل أن تحمله الصخور البركانية إلى سطح الأرض بزمن طويل، ولذلك لا يكون عمر الماسة بالضرورة مماثلًا لعمر الصخور التي استخرجت منها.
وفي أبحاث شارك فيها Harris مع علماء آخرين، ساعد تحليل الشوائب، بما فيها الكبريتيدات، على تقديم أدلة عن عمليات جيولوجية قديمة، من بينها انتقال مواد مرتبطة بالصفائح التكتونية إلى أعماق الأرض.
كما امتدت أبحاثه إلى الماس المتكون في بيئات شديدة العمق، وما يمكن أن تكشفه شوائبه عن تركيب الوشاح السفلي وحركة المواد داخله.
ولم يكن اهتمام هاريس مقتصراً على نتائج أبحاثه المنشورة؛ فقد لعب أيضًا دورًا في إتاحة عينات نادرة لباحثين ومختبرات، بما ساعد على توسيع نطاق الدراسات العلمية للماس الطبيعي.
دي بيرز.. رحلة بين المناجم ومختبرات العالم
لم تقتصر رحلة Jeffrey W. Harris مع دي بيرز على العمل داخل المختبرات، فقد تولى جانبًا من الإشراف على برنامج الشركة للأبحاث الأكاديمية، وهو الدور الذي أتاح له التعاون مع جامعات وعلماء في دول متعددة، والمساهمة في توفير عينات نادرة من الماس لإجراء الدراسات العلمية.
وتروي دراسة تكريمية نُشرت عام 2009 عن مسيرته كيف كان يتنقل بين جنوب أفريقيا وألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة وكندا، حاملًا معه عينات من الماس، أو ساعيًا إلى توفير أحجار تحتوي على شوائب تصلح لدراسات متخصصة.
وبحسب الدراسة، كسر هاريس آلاف الأحجار لاستخراج الشوائب المعدنية من داخلها، حتى يتمكن الباحثون من تحليلها. ففي عالم المجوهرات، قد يبدو كسر الماسة خسارة لا يمكن تداركها، أما في المختبر فقد يكون الخطوة الضرورية للوصول إلى معرفة لا تقدر بثمن.
وكانت قدرته على توفير العينات النادرة، وربط الباحثين بعضهم ببعض، من السمات التي ميزت مسيرته العلمية.

فرانشيسكا.. شريكة الرحلة والإرث
وإلى جوار جيفري هاريس، يظهر اسم زوجته فرانشيسكا هاريس (Francesca Harris)، التي شاركته قرار إهداء المجموعة العلمية إلى جامعة برن. وجاء حضورها طاغياً بصفتها شريكة في ملكية المجموعة والتبرع بها يضع اسمها في الفصل الأخير من رحلة امتدت سنوات طويلة.
فالمجموعة التي حملت اسم هاريس لم تنتقل إلى الجامعة بقرار منفرد منه، وإنما بتبرع مشترك من الزوجين، ليصبح الحفاظ على هذا الإرث العلمي وإتاحته للباحثين جزءًا من قصتهما معًا.
تقاعد من الوظيفة.. ولم يتقاعد من شغفه
في ديسمبر 2006، انتهت علاقة هاريس المهنية الطويلة مع دي بيرز بالتقاعد، بعد أكثر من ثلاثة عقود من العمل البحثي والاستشاري المرتبط بالشركة.
لكن التقاعد لم يكن نهاية علاقته بالماس، فقد واصل نشاطه العلمي بصفته زميلًا بحثيًا فخريًا بجامعة جلاسكو، واستمر اسمه حاضرًا في أبحاث علمية مشتركة تتناول الشوائب المعدنية، وتاريخ تكوّن الماس، والظروف الجيولوجية العميقة التي تحتفظ البلورات بآثارها.
وظل السؤال الذي قاده إلى المختبرات في بداية رحلته حاضرًا: ماذا تستطيع هذه الأحجار أن تخبرنا عن الأرض التي نشأت في أعماقها؟
وبينما تتغير تقنيات التحليل وتتطور قدرات المختبرات، بقيت العينات التي جمعها موردًا علميًا يسمح بإعادة طرح الأسئلة القديمة بأدوات أحدث، وربما الوصول إلى إجابات لم تكن ممكنة في الماضي.
حين يحين وقت تسليم الراية
بعد أكثر من ستة عقود من بداياته الجامعية، وجد Jeffrey W. Harris نفسه أمام إرث علمي يتجاوز قدرة باحث واحد على استكمال دراسته.
فالمجموعة التي احتفظ بها تضم أكثر من 29 ألف ألماسة خام، وبعض أحجارها لم يخضع للفحص العلمي حتى الآن. وهي كمية من العينات يمكن أن توفر مادة بحثية لأجيال متعاقبة، ربما لقرون.
ومن هنا يمكن قراءة قرار التبرع بوصفه تسليمًا طوعيًا لراية البحث؛ فبدلًا من أن تبقى المجموعة مرتبطة بصاحبها وحده، اختار أن يضمن استمرار استخدامها في مؤسسة علمية قادرة على حفظها وإتاحتها للباحثين.
ولم يكن اختياره لمن يتولى المسؤولية العلمية عنها مصادفة، فقد اختار الباحثة سوزيت تيمرمان (Suzette Timmerman)، أستاذة جيولوجيا النظائر بجامعة برن، لتخلفه في الإشراف على المجموعة، بعد تعاون بحثي جمعهما لأكثر من عشر سنوات. ما يعني أن القرار لم يكن مجرد نقل ملكية آلاف الأحجار، بل انتقال مسؤولية علمية إلى باحثة يعرف هاريس عملها وخبرتها عن قرب.
29 ألف ألماسة تعبر إلى جامعة برن
في 22 سبتمبر 2026، أعلنت جامعة برن السويسرية تلقي مجموعة Harris Diamond Collection من جيفري وفرانشيسكا هاريس، لتصبح واحدة من أهم المجموعات المخصصة لدراسة الماس الطبيعي وتعليمه.
وتضم المجموعة أحجارًا من أفريقيا وأمريكا الشمالية والجنوبية وآسيا وأوقيانوسيا، حصل عليها هاريس من شركة Diamond Trading Company في لندن لأغراض البحث العلمي، مع احتفاظ كل دفعة بوثائق التبرع الأصلية.
ويبلغ متوسط القيمة التجارية للحجر الواحد نحو عشرة دولارات، وهي قيمة محدودة مقارنة بأحجار المجوهرات الفاخرة، لكنها لا تعكس ما قد تحمله هذه العينات من معلومات علمية، فبعضها يحتوي على شوائب معدنية أو سوائل محبوسة داخل البلورات، وبعضها يعود إلى مواقع تعدين لم يعد الوصول إليها ممكنًا، ما يمنحها أهمية خاصة في دراسة التاريخ الجيولوجي لمناطق المنشأ.
وأكدت جامعة برن أن المجموعة ستتاح للأبحاث العلمية والتعليم، بما في ذلك التعاون مع مؤسسات بحثية ومتاحف ومختبرات أحجار كريمة خارج الجامعة.

Suzette Timmerman.. الباحثة التي ستواصل قراءة أسرار الأحجار
وتأمل Suzette Timmerman أن تساعد المجموعة على اكتشاف معادن جديدة، وفهم حركة السوائل والكربون في أعماق الأرض، وتطوير المعرفة بالظروف التي تسمح بتكوّن الماس، بما قد يفيد مستقبلًا في البحث عن مكامن جديدة، وقالت في بيان الجامعة:
“إن العدد الكبير من الأحجار يعني إمكانية مواصلة الأبحاث عليها لقرون قادمة”.

ولا يزال البحث جاريًا
لم يمنح Jeffrey W. Harris جامعة برن مجموعة من الأحجار الثمينة بالمعنى التقليدي، بل منحها حصيلة رحلة علمية طويلة، وشواهد جيولوجية جمعها ودرس بعضها واحتفظ بالبعض الآخر لتأتي أجيال جديدة وتواصل البحث فيها. لأنه لم يرغب في الرحيل بما لديه من علم وعينات يتم نقلها للورثة وفقا لقانون التركات، لينظروا لها كإرث قابل للبيع والحصول مقابله على المال، فما يتبرع به جيفري الآن من أبحاث وعينات تم جمعها علي مرار عقود ستة، قد لا يمكن تقييمه مادياً الآن.، وما منحته هذه العينات من صور ودلائل على حركة الأرض، لا يمكن تقديره بمال.
لقد أمضى جيفري عقودًا ينظر إلى الماس من زاوية مختلفة؛ يرى في الشوائب ما قد لا يراه غيره، وفي البلورة الخام سجلًا لتاريخ الأرض، وفي كل عينة سؤالًا يستحق سنوات من البحث، وحين شعر بقرب النهاية، لم يختر نهاية لرحلته العلمية، بل اختار لها امتدادًا.
فالأحجار التي انتقلت إلى جامعة برن لا تزال تحتفظ بأسرار لم تُكشف، وبعضها ينتظر أول فحص علمي له، بينما تستعد تيمرمان وزملاؤها لمواصلة العمل الذي شاركهم هاريس شغفه طوال سنوات.
لقراءة المزيد:
السيسي يبحث مع أنجلو جولد أشانتي توسيع استثماراتها لاستكشاف مناطق ذهب جديدة
SynthDetect2: دي بيرز تطلق جهاز لفحص الألماس داخل المجوهرات في 6 ثوانٍ بدون فك الأحجار
XJet تعرض في T.GOLD: تقنية للطباعة ثلاثية الأبعاد بالذهب تصلح لعياري 14, 18
Gübelin توسّع تسمية لون Cornflower Blue خارج حدود المنشأ اعتبارا من يناير 2027.


