كيف يمكن لمنشور على فيسبوك أو إنستجرام أن يدفع مستهلكًا إلى التفكير في شراء قطعة ذهبية؟ وهل يحتاج متجر المجوهرات إلى ملايين المتابعين أو نجم شهير للتأثير في قرار العميل، أم أن وزن القطعة وسعرها وتجربة مشترٍ سابق قد تكون أكثر قدرة على البيع؟
أسئلة حاولت دراسة مصرية حديثة الإجابة عنها من خلال تحليل تأثير ما يعرف بـ«التسويق الخفي» على النية الشرائية لعملاء متاجر الذهب، لتكشف نتائجها أن قرار شراء الذهب عبر البيئة الرقمية أكثر تعقيدًا من مجرد مشاهدة إعلان جذاب، وأن الثقة والشفافية والمعرفة بالمنتج وتجارب الآخرين تمثل عناصر شديدة التأثير في رحلة العميل من مشاهدة المحتوى إلى التفكير في الشراء.
الدراسة، تحمل عنوان «انعكاسات استخدام متاجر بيع الذهب لتقنيات التسويق الخفي على النية الشرائية لدى العملاء»، أجرتها الدكتورة داليا أحمد عبدالوهاب عبدالرؤوف، ونشرت في المجلة العلمية لبحوث العلاقات العامة والإعلان، العدد الثاني والثلاثين، إبريل/يونيو 2025. واعتمدت على استبيان لعينة مكونة من 382 من متابعي صفحات الذهب على مواقع التواصل الاجتماعي؛ وتظهر بيانات العينة أن النساء شكلن 71.2% مقابل 28.8% للذكور، بينما مثلت الفئة العمرية من 20 إلى أقل من 35 عامًا 60.5% من المشاركين

ما هو التسويق الخفي؟
لا يظهر التسويق الخفي بالضرورة في صورة إعلان مباشر يقول للمستهلك: «اشترِ هذه القطعة». فقد يصل المنتج إليه من خلال تجربة عميل، أو توصية صديق، أو استخدام مؤثر أو شخصية عامة للقطعة، أو ظهور المنتج بصورة طبيعية داخل محتوى ترفيهي أو مسابقة.
وتعرّف الدراسة التسويق الخفي اجرائيًا بأنه:
“أحد الأساليب التسويقيه الحديثة التى تزداد أهميتها مع انتقال تجارة الذهب الى البيئة الرقمية باعتباره مجموعة من الأنشطة الترويجية التي تُنفذ بطريقة غير ظاهرة أو علنية، بحيث لا يدرك المستهلك بالضرورة أنه يتعرض لمحاولة تسويقية.
وقد يكون من خلال تجربة أحد العملاء أو توصية شخص أو محتوى يقدمه مؤثر أو ظهور المنتج داخل محتوى ترفيهى أو اجتماعى بما يجعل الرسالة التسويقية تبدو أقرب الى تجربة أو توصية طبيعية.
اعتمدت الباحثة في تفسير تأثير هذه الرسائل على نموذج S-O-R: Stimulus–Organism–Response، أو «المثير–الكائن–الاستجابة»؛ حيث تمثل تقنيات التسويق المختلفة المثير الخارجي، بينما تمر هذه المثيرات عبر سلسلة من العوامل داخل المستهلك، تشمل خبرته السابقة، ومعرفته بالذهب، وموقفه تجاه التسويق، وارتباطه العاطفي بالمنتج وقيمه واحتياجاته، قبل الوصول إلى الاستجابة النهائية المتمثلة في النية الشرائية.
الذهب ينتقل من الفاترينة إلى شاشة الهاتف
تكشف الدراسة أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت جزءًا واضحًا من رحلة البحث عن الذهب، لكن اللافت أن المستهلك لا يتعامل مع الصفحة الرقمية باعتبارها مجرد مساحة لعرض الصور.
فالمحتوى المنشور يمكن أن يكون نقطة البداية للتعرف على القطعة، ومقارنتها بغيرها، والبحث عن تفاصيلها، ثم الانتقال لاحقًا إلى مرحلة الشراء.
نتائج الدراسة:
وتشير نتائج الدراسة إلى أن فيسبوك جاء في المركز الأول بين منصات التواصل الأكثر تشجيعًا على شراء الذهب بنسبة 66%، يليه إنستجرام بنسبة 50%، وهو ما يعكس أهمية المنصات ذات الطابع البصري في عرض تصميمات المجوهرات والتواصل مع العملاء.
وهذا يعني أن متجر الذهب لم يعد ينافس المتجر المجاور له فقط، وإنما ينافس أيضًا عشرات الصفحات التي تظهر أمام العميل في اللحظة نفسها، وتقدم له تصميمات وأسعارًا وعروضًا وتجارب شراء بديلة.
عدد المتابعين ليس كلمة السر
قد يبدو للوهلة الأولى أن امتلاك متجر الذهب لعدد ضخم من المتابعين يمثل ميزة تسويقية حاسمة، لكن الدراسة تقدم صورة مختلفة. فالعميل الذي يتابع صفحة متجر الذهب يبحث بصورة أكبر عن سهولة التعامل، ومعلومات دقيقة عن المنتج، وتجارب حقيقية، ومحتوى يساعده على اتخاذ قرار، وليس مجرد رقم كبير بجوار خانة المتابعين.
وتظهر نتائج الدراسة أن سهولة عملية البيع والشراء كانت من أهم الأسباب التي تدفع المستهلكين لمتابعة صفحات الذهب، بينما برزت أيضًا الحاجة إلى معرفة تفاصيل وزن المنتج وسعره بالصوت والصورة، إلى جانب وضوح وصف المنتج ووجود مراجعات عن المتجر ومنتجاته.
وتنسجم هذه النتيجة مع ما خلصت إليه الدراسة من أن سهولة البيع والشراء تمثل الدافع الأهم للمتابعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وهنا تتغير المعادلة التسويقية: فبدلًا من السؤال عن عدد المتابعين، يصبح السؤال الأهم هو كم عدد هؤلاء المتابعين الذين يثقون في الصفحة ومستعدون لاتخاذ خطوة فعلية نحو الشراء؟

السعر والوزن والمعلومات.. ما يريده العميل قبل الدفع
في سوق الذهب، لا يكفي أن تكون الصورة جذابة. فالعميل يريد أن يعرف بالضبط ما الذي سيدفع مقابله، وهو ما يجعل المعلومات المرتبطة بالقطعة جزءًا أساسيًا من عملية التسويق نفسها.
وتظهر نتائج الدراسة أن المنشورات التي توضح سعر القطعة الذهبية ووزنها حظيت بتفاعل وجداني دائم لدى 60.5% من المبحوثين، بما يعكس أهمية الشفافية والتفاصيل الدقيقة في جذب اهتمام المستهلك.
كما تكشف النتائج أن المعلومات المتعلقة بالاستثمار في الذهب تحظى باهتمام واضح، وهو أمر منطقي في سوق لا ينظر فيه المستهلك إلى المشغولة باعتبارها قطعة للزينة فقط، وإنما قد يراها أيضًا وسيلة للادخار أو الاحتفاظ بجزء من قيمة أمواله.
وبالتالي، فإن المحتوى الأكثر فاعلية ليس بالضرورة الأكثر بهرجة، وإنما المحتوى الذي يجيب عن الأسئلة التي تدور في ذهن المشتري: ما الوزن؟ ما السعر؟ ما المصنعية؟ ما مواصفات القطعة؟ وهل تستحق ما سأدفعه؟

تجارب العملاء أقوى من الإعلان المباشر
من أبرز نتائج الدراسة أن التسويق الفيروسي والمشاركة الاجتماعية جاءا في مقدمة تقنيات التسويق الخفي الأكثر تأثيرًا، والتسويق الفيروسي هنا يرتبط بانتقال المعلومات والتجارب بين المستهلكين؛ أي أن العميل نفسه يمكن أن يتحول إلى حلقة في السلسلة التسويقية عندما ينقل تجربته إلى أصدقائه أو أقاربه أو متابعيه.
وتوضح الدراسة أن 55.2% من المشاركين يشعرون بالحاجة إلى الحصول على معلومات من تجارب حقيقية عند شراء الخدمات أو المنتجات، بينما يهتم 44.8% بتجارب الأصدقاء والأقارب عند شراء منتجات محددة. وبلغ التقييم العام لمقياس التسويق الفيروسي 2.3، في مستوى «دائمًا» وفق مقياس الدراسة.
هذه النتيجة تحمل دلالة تجارية مهمة: في تجارة الذهب، قد يكون عميل راضٍ يروي تجربته أكثر إقناعًا من إعلان مكلف لا يعرف المستهلك مدى واقعيته.

ماذا عن المشاهير والمؤثرين؟
لم تختفِ أهمية المشاهير من المعادلة، لكنها لم تظهر باعتبارها العامل الأقوى. فربما يتأثر المستهلك بما يراه لدى شخصية مشهورة أو مؤثر، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الشهرة وحدها تكفي لتحويل المشاهدة إلى عملية شراء.
وتشير الدراسة بصورة عامة إلى أن الجمهور يميل إلى التفاعل مع الرسائل التي تتضمن عناصر عفوية أو ترتبط باهتماماته الشخصية، سواء جاءت من تجارب الأصدقاء أو من المشاهير المفضلين.
وهنا تظهر نقطة فارقة لمتاجر الذهب: المؤثر قد يجذب الانتباه، لكنه لا يستطيع وحده أن يحل محل الثقة.
فالذهب منتج مرتفع القيمة، وقرار شرائه لا يعتمد فقط على الرغبة في امتلاك تصميم جميل، وإنما يتضمن تقييم السعر والجودة والمحل ومواصفات القطعة.

السوشال ميديا لا تلغي محل الذهب
ورغم صعود التجارة الإلكترونية، لا تعني قوة السوشال ميديا أن المتجر التقليدي أصبح خارج المعادلة. على العكس، فمن الممكن أن تبدأ رحلة العميل رقميًا وتنتهي داخل المتجر.
فالعميل قد يرى قطعة على فيسبوك أو إنستجرام، ثم يسأل عن سعرها ووزنها، ويقارنها بمنتجات أخرى، وبعد ذلك يذهب إلى الفرع لرؤيتها واختبارها وإتمام عملية الشراء.
وهذا يجعل صفحات متاجر الذهب بمثابة واجهة رقمية أو بديل للفاترينة التقليدية؛ فالصفحة لا تبيع فقط، وإنما تخلق الرغبة وتبني الثقة وتدفع العميل إلى الخطوة التالية.

الخبرة السابقة ترفع احتمالات الشراء
لا يبدأ المستهلك كل عملية شراء من الصفر. فالخبرة السابقة مع المتجر أو المنتج يمكن أن تصبح واحدة من أهم العوامل المؤثرة في قراره المستقبلي.
وتظهر بيانات الدراسة أن 71.2% من المشاركين كانوا دائمًا راضين عن جودة الذهب الذي سبق لهم شراؤه من المحل، بينما رأى 55.2% دائمًا أن سعر الذهب كان مناسبًا وقت الشراء مقارنة بالجودة. وهذا يوضح لماذا تصبح تجربة العميل نفسها أصلًا تسويقيًا مهمًا للمتجر.
فإذا خرج العميل من تجربة الشراء وهو مقتنع بالجودة والسعر والخدمة، فإن احتمالات عودته للشراء ترتفع، كما يمكن أن يتحول إلى مصدر توصية لعملاء جدد.
من الإعلان إلى الثقة.. كيف يتكون قرار شراء الذهب؟
توضح الدراسة أن النية الشرائية لا تتشكل بفعل عامل واحد، وإنما نتيجة تداخل مجموعة من العوامل المعرفية والعاطفية والسلوكية.
فالعميل يحتاج إلى معرفة المنتج، لكنه يحتاج أيضًا إلى الشعور بالثقة تجاه الصفحة والمتجر، ثم يتحول هذا الشعور إلى سلوك محتمل يتمثل في التفكير في الشراء. حيث أظهرت نتائج الدراسة وجود علاقات ارتباطية إيجابية وقوية بين الأبعاد العاطفية والسلوكية والوجدانية وبين النية الشرائية للعملاء.
وبمعنى أكثر بساطة، فإن المنشور الناجح ليس فقط المنشور الذي يجعل المستهلك يقول «القطعة جميلة»، وإنما الذي ينقله خطوة إضافية إلى «أريد معرفة السعر» ثم «أريد مقارنتها» ثم «أريد رؤيتها» ثم «أريد شراءها».
صفحات الذهب أمام معادلة جديدة
وتكشف الدراسة أيضًا ترتيبًا لافتًا للصفحات المفضلة لدى عينة البحث؛ حيث جاءت صفحة «لمسة» في المركز الأول بنسبة 47.4%، تلتها «أميرة الذهب» بنسبة 29.1%، ثم صفحات محلات الذهب المستعمل بنسبة 28.8%، و«داماس» بنسبة 26.4%، وفق نتائج العينة.
وهذه النتيجة لا تعني بالضرورة أن ترتيب الصفحات يمثل ترتيبًا لسوق الذهب كله، لكنه يعطي مؤشرًا على كيفية تشكل تفضيلات المتابعين داخل العينة محل الدراسة. والأهم أن المستهلك لا ينظر إلى الصفحة باعتبارها مجرد كتالوج إلكتروني؛ وإنما يقيم من خلالها جودة المحتوى، وضوح المعلومات، أسلوب التواصل، الخدمة، وتقييمات وتجارب الآخرين.

التسويق الخفي.. قوة تسويقية أم منطقة رمادية؟
ربما تكون النقطة الأكثر حساسية في الدراسة هي طبيعة «التسويق الخفي» نفسه. فالتسويق غير المباشر يستطيع جعل المنتج يظهر بصورة طبيعية داخل تجربة أو توصية أو محتوى، وهو ما قد يمنحه قدرة أكبر على التأثير من الإعلان التقليدي.
لكن هذه القوة تضع المتجر أيضًا أمام سؤال أخلاقي: متى يتحول التأثير غير المباشر إلى تضليل للمستهلك؟
الدراسة نفسها تشير إلى أهمية الجوانب الأخلاقية عند استخدام أساليب التأثير غير المباشر، وتؤكد أن التسويق الخفي يمكن أن يكون عاملًا مؤثرًا في تشكيل رغبة العملاء في الشراء.
وفي تجارة الذهب تحديدًا، تصبح هذه المسألة أكثر حساسية؛ لأن المستهلك يتعامل مع منتج ذي قيمة مالية مرتفعة، وبالتالي فإن أي غموض يتعلق بالسعر أو الوزن أو المواصفات أو طبيعة العرض يمكن أن يؤثر في قراره بصورة مباشرة.
الشهرة وحدها لا تبيع الذهب
تكشف الدراسة المصرية أيضاً أن السوشال ميديا أصبحت لاعبًا مؤثرًا في سوق الذهب، لكن النجاح الرقمي لا يعتمد فقط على عدد المتابعين أو الاستعانة بشخصية مشهورة.
ماذا يريد المستهلك؟
باختصار.. المستهلك يريد معلومات، تجربة حقيقية، سعرًا واضحًا، والثقة في البائع. حيث تشير النتائج إلى أن فيسبوك وإنستجرام يحتلان موقعًا مهمًا في التأثير على قرار الشراء، بينما يمثل التسويق الفيروسي وتجارب الآخرين أحد أقوى مسارات التأثير، في وقت تظل فيه الخبرة السابقة وجودة المنتج من العوامل التي تدعم النية الشرائية.
والرسالة الأوضح لمتاجر الذهب ربما تكون أن العميل نفسه أصبح جزءًا من استراتيجية التسويق. الصورة الجميلة قد تجذب العين، والمؤثر المشهور قد يصنع الضجة، لكن تجربة شراء ناجحة ومعلومة دقيقة وسعر واضح يمكن أن تصنع ما هو أهم: ثقة تدفع العميل إلى الشراء وتجعله يوصي بالمتجر لغيره.
وفي سوق الذهب، حيث يمكن أن تصل قيمة القطعة إلى جزء مهم من مدخرات المستهلك، قد تكون الشفافية نفسها أقوى إعلان.
لقراءة المزيد:
«موظف مبيعات لا ينام ويتحدث 220 لغة.. الذكاء الاصطناعي يدخل متاجر المجوهرات ويبدأ معركة جديدة بين العلامات التجارية»
دراسة تحولات السوق من 2005- 2025: أزمة الماس الطبيعي بدأت قبل صعود «المعملي» بسنوات.
مبادرة لإنعاش مبيعات المشغولات لمواجهة سيطرة السبائك
7% تراجع مبيعات شوبارد.. ماذا تكشف أرقام الدار عن تحديات سوق الرفاهية في بريطانيا؟


