بعد أقل من ٣ أشهر من مطالبة ممثلي قطاع الذهب والمجوهرات وصناديق الاستثمار في الذهب بإعادة النظر في آلية احتساب المساهمة التكافلية (0.0025%) -المفروضه بنص قانون التأمين الصحي الشامل رقم ٢ لسنه ٢٠١٨-، خلال الجلسة الافتتاحية للمنتدى الدولي للمعادن والأحجار الثمينة، بحضور الدكتور رجب محروس مستشار رئيس مصلحة الضرائب المصرية، جاءت التعديلات الجديدة على قانون الضريبة على الدخل لتستجيب لأحد أبرز المطالب التي أثارها القطاع، من خلال إتاحة خصم قيمة المساهمة التكافلية عند حساب وعاء ضريبة الدخل، بعد أن كانت تمثل أحد أبرز الأعباء الضريبية على الشركات كثيفة التداول مثل شركات الذهب والمجوهرات.”
وكانت الجلسة الافتتاحية للمنتدى قد سلطت الضوء على الطبيعة الخاصة لقطاع الذهب، الذي يتداول معدناً مرتفع القيمة بينما تتحقق أرباحه من هوامش محدودة، وهو ما يجعل احتساب بعض الالتزامات على إجمالي الإيرادات، وليس على الأرباح، يمثل عبئاً لا يعكس طبيعة النشاط، الأمر الذي دفع المشاركين إلى المطالبة بإعادة النظر في المعاملة الضريبية للمساهمة التكافلية بما يحقق قدراً أكبر من العدالة الضريبية.
الجريدة الرسمية تنشر التعديلات الجديدة
ونشرت الجريدة الرسمية في عددها الأخير رقم ٣٠- بتاريخ ٢٨ يوليو الماضي- التعديلات الجديدة، التي أبقت على المساهمة التكافلية كمصدر لتمويل منظومة التأمين الصحي الشامل، لكنها أتاحت اعتبارها من التكاليف واجبة الخصم عند حساب ضريبة الدخل، بما يخفف العبء الضريبي على الشركات.
لماذا اعترض قطاع الذهب على قيمة 0.0025% ؟
تختلف تجارة الذهب عن كثير من الأنشطة التجارية الأخرى، لأن الجزء الأكبر من قيمة المبيعات يمثل قيمة المعدن نفسه، وهو أصل مرتفع القيمة ينتقل من مرحلة إلى أخرى داخل سلسلة الإنتاج والتجارة، بينما تتحقق أرباح الشركات في قطاع الذهب من هوامش محدودة، مثل المصنعية أو هامش التجارة. الأمر الذي كان يهدد القطاع بخسائر غير محتملة خاصة مع الالتزام بالسعر اليومي المعلن للذهب عالمياً، حيث يصبح تاجر الذهب غير قادر على رفع السعر أو تحميل المشترى جزء من قيمة الضريبة.
وبالتالي، فإن احتساب المساهمة على إجمالي الإيرادات كان يعني أن الشركات تتحمل عبئًا يرتبط بقيمة الذهب المتداول، وليس بالأرباح التي حققتها بالفعل.
ولم تتوقف المشكلة عند هذا الحد، إذ نص القانون أيضًا على أن هذه المساهمة لا تُعد من التكاليف واجبة الخصم عند حساب ضريبة الدخل، وهو ما ضاعف من العبء الضريبي على الشركات. بما يعني أن الممول يتحمل قيمة المساهمة كاملة، ثم يُحاسب على ضريبة الدخل دون الاستفادة من خصمها من الوعاء الضريبي.
وعند احتساب ضريبة الدخل لا يسمح بخصم هذه المساهمة منها، ويصبح الممول مطالبا بدفعها مرة أخرى. مما يعتبر ازدواجًا في تحمل التكلفة، خاصة في الأنشطة التي تحقق حجم مبيعات ضخمًا مقابل هامش ربح محدود، مثل تجارة وتصنيع الذهب.
لم يكن الخلاف على المساهمة التكافلية نفسها، وإنما على طبيعة النشاط الاقتصادي لقطاع الذهب، التي تجعل إجمالي الإيرادات لا يعبر بالضرورة عن الربحية الفعلية للشركة.
كيف بدأت الأزمة؟
بدأت الأزمة مع صدور قانون التأمين الصحي الشامل، الذي ألزم المنشآت الفردية والشركات بسداد مساهمة تكافلية بنسبة 2.5 في الألف من إجمالي الإيرادات السنوية، باعتبارها أحد مصادر تمويل منظومة التأمين الصحي الشامل.
ولم يكن اعتراض قطاع الذهب والمجوهرات على مبدأ المساهمة في حد ذاته، إذ لم يشكك أحد في أهمية دعم منظومة التأمين الصحي، وإنما انصب الاعتراض على طريقة احتسابها.
ضريبة ضمن قانون التأمين الصحي الشامل
وكان قانون التأمين الصحي الشامل قد صدر عام ٢٠١٨، وتضمن عدة بنود حددت مصادر الدخل الواجبة لتمويل المشروع، وكان من بينها بند مختص بخصم نسبة 0.0025% بواقع 2.5 في الألف، من جملة الإيرادات السنوية للمنشآت الفردية والشركات أيا كان نوعها، حيث تضمنت المادة (40) – البند تاسعًا فقرة نصها:
” مساهمة تكافلية، بواقع (0.0025%) (اثنين ونصف في الألف) من جملة الإيرادات السنوية للمنشآت الفردية وللشركات أيا كانت طبيعتها أو النظام القانوني الخاضعة له، والهيئات العامة الاقتصادية، ولا تعد هذه المساهمة من التكاليف واجبة الخصم في تطبيق أحكام قانون الضريبة على الدخل، ويتم تحصيلها وفقًا للضوابط والإجراءات التي تحددها اللائحة التنفيذية لهذا القانون”.

وهو النص الذي اعتبره المختصين مثيرا للانتقاد حتى من مصلحة الضرائب نفسها التي أعدت دراسة شاملة عن تأثير هذا القرار على الشركات العاملة في السوق المصري، بما يهدد تآكل رأس الماس بمرور السنوات، وتم رفع توصية لتعديل النص بحيث يتم احتساب النسبة المستقطعة من ضمن ضريبة الدخل، وفقا لما صرح به الدكتور سيد رجب مستشار رئيس مصلحة الضرائب المصرية أثناء الجلسة الافتتاحية للمنتدى الدولي للمعادن والأحجار الثمينة في مايو الماضي.
ماذا غيّر القانون الجديد؟
استجاب التعديل الجديد لجزء من هذه المطالب، فأبقى على المساهمة التكافلية كمصدر لتمويل منظومة التأمين الصحي الشامل، لكنه أتاح اعتبارها من التكاليف واجبة الخصم عند حساب وعاء ضريبة الدخل، بما يخفف العبء الضريبي الواقع على الشركات.
ورغم أن التعديل لم يغيّر أساس احتساب المساهمة، الذي لا يزال قائمًا على إجمالي الإيرادات السنوية، فإنه يمثل خطوة مهمة نحو تحقيق معاملة ضريبية أكثر توازنًا، خاصة بالنسبة للأنشطة التي تعتمد على تداول أصول مرتفعة القيمة مثل الذهب والمجوهرات.
نص التعديل في الجريدة الرسمية
المادة الثانية
يُضاف بند برقم (10) إلى المادة (23)، وبند برقم (7) إلى المادة (31)، وبند برقم (5) إلى المادة (33)، كما تُضاف فقرة رابعة للمادة (56) من قانون الضريبة على الدخل المشار إليه، نصوصها الآتية:
مادة (23 / بند 10)
10- قيمة المساهمة التكافلية المنصوص عليها بالمادة (40 / بند تاسعًا) من قانون نظام التأمين الصحي الشامل الصادر بالقانون رقم 2 لسنة 2018.
مادة (31 / بند 7)
7- الأرباح الرأسمالية المحققة من التصرف في الأوراق المالية المقيدة في بورصة الأوراق المالية المصرية، مع عدم جواز خصم الخسائر الناجمة عن هذه التصرفات أو ترحيلها لسنوات تالية.
ويُستثنى من ذلك الأرباح الرأسمالية المحققة من التصرف في الأوراق المالية المقيدة في بورصة الأوراق المالية المصرية التي يترتب على التصرف فيها شطب قيد أسهم الشركة من البورصة.
مادة (33 / بند 5)
5- قيمة المساهمة التكافلية المنصوص عليها بالمادة (40 / بند تاسعًا) من قانون نظام التأمين الصحي الشامل المشار إليه.
مادة (56 / فقرة رابعة)
كما تُعفى من الضريبة المنصوص عليها في هذه المادة عوائد القروض أو التسهيلات التي تحصل عليها شركات القطاع العام وقطاع الأعمال العام والقطاع الخاص من أشخاص غير مرتبطة لأغراض تمويل تنفيذ مشروعات قومية في مجال البنية التحتية والتي يصدر بتحديدها قرار من رئيس مجلس الوزراء بناءً على عرض الوزير، وذلك وفقًا للشروط الآتية:
- ألا تقل مدة القرض أو التسهيل عن خمس سنوات.
- ألا تقل نسبة مساهمة الشركة في المشروعات القومية عن (25%) من إجمالي قيمة استثماراتها.
وفي جميع الأحوال، تنتهي الاستفادة من هذا الإعفاء بانتهاء مدة القروض والتسهيلات المتعلقة بتنفيذ الأعمال الأساسية للمشروع القومي الذي تساهم فيه الشركة.
موقف صناديق الاستثمار في الذهب
وبسؤال أحد المختصين في مجال المحاسبات الضريبية عن تأثير ذلك على صناديق الذهب، أشار إلى أن صناديق الاستثمار في الذهب لاتزال تعامل معاملة الشركات وستستفيد من التعديل في هذا الإطار،ولكن لا يسرى عليها أية إعفاءات أسوة بالإعفاءات التي نص عليها القانون واختصت بخمس أنواع من الصناديق فقط وهي: الصناديق الخيرية، الصناديق العقارية، صناديق رأس مال المخاطر، وصناديق أدوات الدين. حيث صدر القرار الخاص بها في عام 2023، بينما بدأت صناديق الاستثمار في الذهب في النصف الثاني تقريبا من 2023، مما جعلها خارج الحزمة الحاصلة على إعفاء بموجب القانون، وطرح فكرة ضمها للصناديق المعفاة يحتاج إلى تشريع جديد.
تعليق كنوز نيوز:
لا يمكن تفسير صدور هذا التعديل بمعزل عن تعديلات أخرى سابقة في قوانين الضرائب جاءت معظمها استجابة لمطالبات مجتمع الأعمال، ومنها تجديد العمل بقانون إنهاء المنازعات الضريبية حتى 31 ديسمبر 2026، وقانون رد ضريبة القيمة المضافة: تقليص مدة رد الضريبة لتصبح خلال 7 أيام عمل فقط بدلاً من 45 يوماً، لدعم السيولة النقدية للشركات والمصنعين. وغيرها من القوانين الضريبية.
ربما تبدو بعض القوانين بعيدة الصلة أو التأثير على قطاع الذهب والمجوهرات، إلا أن الشركات العاملة في هذا القطاع تبقى شركات رسمية مؤسسة وفقا للقانون، وينطبق عليها ما ينطبق على الشركات الأخرى، من استقطاعات ضريبية، وتستفيد بالتالي من أي تعديلات من شأنها تيسير الإجراءات والمعاملات.
إلا أن ذلك لا ينفي ضرورة أن يتم النظر للشركات العاملة في القطاع من زاوية أخرى تتعلق باختلاف قيمة وطبيعة الذهب الذي يعد مخزنا للقيمة، ولا تتناسب هوامش ربحيته في التشغيل والتداول مع سعره المرتفع، الأمر الذي ينبغي معه التفكير في تخصيص فصل تشريعي كامل ومتخصص في تجارة وصناعة الذهب والمجوهرات في قوانين الضرائب وغيرها من التشريعات المنظمة للاقتصاد المصري.

فعلى سبيل المثال.. قد يبدو القانون الخاص بالمساهمة التكافلية غير ذي صلة مباشرة بشركات الذهب والمجوهرات، إلا أن محدودية هامش الربح في هذا القطاع جعلته ربما يكون الأكثر تضررا من القانون الصادر، حيث لا تستطيع الشركات والصناديق فرض هوامش ربح أعلى على الذهب بعيدا عن سعر الشاشة العالمية المعلن على مدار اللحظة، كما أن التقلبات السعرية الحادة خلال السنوات الأخيرة جعلت من الصعب احتساب قيم الأرباح الفعلية نظرا للتغيرات اللحظية في السوق، مما يعني صعوبة تثبيت سعر البيع لفترة طويلة.
وبالنظر إلى قانون “رد الضريبة ” خلال سبعة أيام بدلا من ٤٥ يوما، فهو يعد من القوانين الميسرة أيضا للعمل في قطاع الذهب والمجوهرات، حيث كانت هذه القضية مطروحة أثناء مناقشة التحديات التي تواجه القطاع باعتباره من أسرع القطاعات في حركة رأس المال بالنسبة للشركات التي تقوم بتصدير مشغولات ذهبية.
حيث تستقطع قيمة الضريبة المضافة من المنبع عند دمغ المشغولات بمعرفة مصلحة دمغ المصوغات والموازين، وتستغرق عملية استردادها وقتا طويلا بما يؤثر على سرعة دورة رأس المال في السوق، وكان من بين الحلول المطروحة في الجلسة، هو إعفاء الشركة المصدرة من دفع الضريبة عند الدمغ، مع قيام مصلحة الدمغة بتصدير الرسالة فور دمغها من مقر المصلحة إلى الجمارك في طرد مغلق، لضمان تصديرها وعدم دخولها لاسوق المحلي، مما يعني توفير سيولة للمصدر توفير الوقت والجهد المبذول في إجراءات الدفع والاسترداد.
وفي النهاية، تعكس هذه التعديلات والاستجابات لمطالب مجتمع الأعمال توجهًا عامًا نحو إعادة صياغة البيئة الضريبية بما يوازن بين حق الدولة في التحصيل، وقدرة الشركات على النمو والاستثمار.
لقراءة المزيد”
حوار مفتوح بين الضرائب وشعبة الذهب لإعادة صياغة قواعد التعامل في القطاع
إطلاق المنتدى الدولي للمعادن والاحجار الثمينة ضمن توصيات ختام Ecominex- 2026
د. سامح الترجمان: هل نريد حقًا أن تصبح مصر مركزًا عالميًا للذهب؟
تحويل مصر لمركز عالمي للذهب يبدأ ببناء منظومة متكاملة وليس بحلول منفردة





