انتقل الحوار خلال الجلسة الافتتاحية للمنتدى الدولي للمعادن والأحجار الثمينة إلى زاوية أخرى أكثر ارتباطًا بموقع مصر داخل السوق العالمي، وخلال مداخلته تناول الدكتور سامح الترجمان، الرئيس الأسبق للبورصة المصرية ورئيس شركة إيفولف للاستثمار في صناديق الذهب، متطلبات الاندماج في الأسواق الدولية، مؤكدًا أن تطوير التشريعات وحده لا يكفي، ما لم يكن هناك هدف واضح، واستراتيجية محددة، والتزام بالمعايير العالمية التي تحكم صناعة وتجارة الذهب.

واستهل الترجمان حديثه بالتأكيد على أن نقطة البداية ليست في مناقشة المشكلات اليومية، وإنما في الاتفاق على الوجهة التي تريد الدولة الوصول إليها، قائلاً:
“ونحن بصدد مناقشة تحديات القطاع، يجب أولًا أن يكون لدينا توجه وقرار واضح، إما أننا نريد تطويرًا شاملًا لنصبح مركزًا عالميًا، وهذا يقتضي وضع خطة وتحركات شاملة على كافة المحاور والمستويات المتعلقة بهذا القطاع الكبير الذي يضم تخصصات متنوعة، ولكل منها خصوصية فريدة، فقطاع صناعة المشغولات الذهبية يختلف في تفاصيله عن قطاع السبائك، وكلاهما يختلف عن أسواق رأس المال وصناديق الاستثمار. ولو لم نحدد البوصلة والهدف، ويكون لدينا الإرادة اللازمة للتغيير والحسم الكافي، سيصبح أي جهد نبذله مجرد تضييع وقت.”
وأوضح أن تجربته المهنية جاءت من خارج قطاع تصنيع وتجارة الذهب، الأمر الذي منحه رؤية مختلفة لطبيعة العلاقة بين هذا القطاع وأسواق المال، مشيرًا إلى أن دخوله مجال صناديق الذهب كان بهدف تقديم أداة استثمارية جديدة للسوق المصري، وليس منافسة العاملين في الصناعة أو التجارة، قائلا:
“أنا متخصص في أسواق رأس المال وصناديق الاستثمار، لا أعمل في مهنة صناعة أو تجارة الذهب، وحين دخلنا لهذا القطاع كان لتوفير منتج غير موجود بالسوق المصري رغم وجوده في العالم كله، وحتى الآن أتعلم من التجار والصناع الكثير، لأنهم يملكون الخبرة في سوق يعمل في مصر منذ آلاف السنين، فطبيعة الذهب نفسها تغيرت خلال السنوات الأخيرة، ولم يعد مجرد سلعة يتم تداولها، وإنما أصبح عنصرًا رئيسيًا في السياسات النقدية والاقتصادية العالمية، وهو ما يفرض تغيير طريقة التفكير في هذا القطاع.
تجارة الذهب التقليدية تختلف عن الذهب في أسواق المال
وأوضح الترجمان قائلاً: “عندما أسسنا صناديق الذهب، كان وضع الذهب بالنسبة للسياسات المالية والاقتصادية أكثر هدوءاً وأقل تأثيرًا مما هو عليه حاليًا، أما الآن فقد أصبح جزءًا لا يتجزأ من السياسات النقدية العالمية والبنوك المركزية.”
وانطلاقًا من هذه الرؤية، دعا الترجمان إلى ضرورة الفصل بين طبيعة تجارة الذهب التقليدية، التي تعتمد في الأساس على السوق المباشر OTC (Over The Counter)، وبين دور أسواق المال التي تعمل على تطوير أدوات استثمارية منظمة، مثل صناديق الذهب، بهدف تنويع المنتجات الاستثمارية ورفع كفاءة السوق.

وأكد أن السؤال الحقيقي الذي يجب حسمه قبل الدخول في أي تفاصيل تنفيذية هو: هل تريد مصر بالفعل أن تصبح جزءًا من السوق العالمي، أم أنها تفضل العمل بمنظومة محلية لها قواعدها الخاصة؟
مضيفا قوله: “هل نريد فعلاً أن نصبح جزءًا من السوق العالمي أم لا؟
لو نعم.. ففي هذه الحالة يجب أن نعيد هيكلة السوق والتشريعات لتتناسب مع السوق العالمي. وهنا لا يمكن أن نقول إن لنا خصوصية ونريد التعامل بمعاييرنا الخاصة، لأننا وقتها لن نستطيع الاندماج في السوق العالمي، وسيكون علينا أن نتخلى عن هذا الهدف.”
وأشار إلى أن الحديث عن تحويل مصر إلى مركز إقليمي أو عالمي يجب ألا يظل مجرد شعار، وإنما ينبغي أن يرتبط بإجراءات واضحة، ومعايير قابلة للتطبيق، وإرادة حقيقية لتنفيذها.
وأكد الترجمان قائلاً: “إذا كنا جادين في الانفتاح على العالم، فمن الضروري وجود استراتيجية واضحة ومحددة لما نريد تحقيقه في قطاع الذهب، بدلًا من الاكتفاء بمناقشات مكررة ندور فيها منذ ما يقرب من خمسة عشر عامًا دون الوصول إلى نتائج تنفيذية حقيقية.”
واستشهد الترجمان بتجارب الدول التي نجحت في الاندماج داخل السوق العالمي، مؤكدًا أن العامل المشترك بينها جميعًا كان الالتزام بالمعايير الدولية، وليس محاولة ابتكار قواعد محلية موازية. قائلاً:
“إذا كانت هناك رغبة حقيقية في أن تصبح مصر مركزًا إقليميًا أو عالميًا في هذا القطاع، فلا بد من الالتزام بالمعايير الدولية المعتمدة، وعدم الاكتفاء بوضع أنظمة خاصة منفصلة عن السوق العالمي، لأن ذلك يعزل السوق المحلي ويحد من قدرته على الاندماج والتنافس.”
وأكد الترجمان على أن بناء سوق تنافسي يبدأ من وضوح الرؤية قبل أي شيء آخر، قائلاً:
“الحديث عن التحول إلى مركز إقليمي يجب أن يرتبط بإجراءات واضحة ومعايير قابلة للتطبيق، وليس مجرد طموحات نظرية. فبدون إطار تنظيمي متكامل ومعترف به دوليًا، سنظل ندور في نفس الدائرة من النقاشات التي تتكرر منذ سنوات دون تغيير حقيقي على أرض الواقع، وهذا هو التحدي الحقيقي.”
بناء مركز عالمي للذهب يبدأ بتأهيل البنية التحتية، وليس ببورصة للسلع
ورداً على سؤال حول إمكانية إدراج الذهب ضمن بورصة السلع، أوضح الدكتور سامح الترجمان أن الإشكالية لا تتعلق بإنشاء منصة للتداول بقدر ما تتعلق بطبيعة سوق الذهب نفسه، مؤكدًا أن هذا السوق يختلف جذريًا عن أسواق السلع التقليدية، ويعمل عالميًا وفق آليات مختلفة، قائلا:
“لو أردنا وضع الذهب ضمن بورصة سلع، فنحن هنا نريد تنظيم أمر لا يمكن تنظيمه في هذا الإطار، لأن العالم يعتمد معايير مختلفة. الإشكالية الأساسية في إدخال الذهب كسلعة ضمن البورصة تكمن في طبيعة الذهب نفسه، حيث إن سوق الذهب عالميًا يعمل في معظمه بنظام (Over The Counter – OTC)، وليس من خلال بورصات تقليدية للسلع.”

المؤسسات الدولية تضع معايير ولا تنظم عمليات التداول
وأوضح أن حتى المؤسسات الدولية الكبرى، مثل London Bullion Market Association (LBMA)، لا تقوم بتنظيم عمليات التداول، وإنما تضع Standards ومعايير ملزمة تتعلق بجودة السبائك، ودرجة النقاء، ومصدر الذهب، والالتزام بقواعد الامتثال، وهي المعايير التي تعتمد عليها البنوك والمؤسسات المالية والأسواق العالمية.
وأضاف: “المشكلة تظهر عندما نحاول دمج نموذجين مختلفين؛ نموذج تجارة الذهب التقليدية، ونموذج أسواق المال، وهو ما يؤدي إلى تعقيد المنظومة بدلًا من تنظيمها.”
المركزي التركي طبق معايير LBMA فصحح السوق نفسه
كما استشهد الترجمان بتجربتي تركيا ودبي، موضحًا أن نجاحهما لم يتحقق من خلال إنشاء بورصات للذهب، وإنما من خلال تبني المعايير الدولية والالتزام بها. قائلاً:
“تركيا عندما أرادت تنظيم هذا السوق اعتمدت معايير LBMA لتطبقها على السوق المحلي. ورغم رفض السوق في البداية لهذه المعايير، إلا أنها طُبقت بعد تدخل البنك المركزي، فصحح السوق نفسه وارتفع مستوى الإنتاج، واستطاعت تركيا الاندماج في السوق العالمي. وكذلك دبي، بعد أن ظلت لفترة في المنطقة الرمادية، لم تجد أمامها إلا تطبيق جميع معايير LBMA، والانطلاق من نظام Good Delivery، وهو ما أدى إلى تطوير الصناعة محليًا وزيادة ثقة الأسواق الدولية فيها.”
الحل ليس بفرض نموذج بورصة للذهب الخام بل بتطبيق المعايير الدولية
وأكد الترجمان أن تنظيم القطاع لا يتحقق من خلال التحكم في الأسعار أو مركزية التداول، وإنما من خلال الالتزام بالمعايير التي تحكم المنتج نفسه وسلاسل الإمداد. مضيفا قوله:
“الحل لا يكمن في فرض نموذج البورصة على الذهب الخام، بل في تبني المعايير الدولية، وعلى رأسها معايير LBMA، وتطبيقها على السوق المحلي، خاصة فيما يتعلق بجودة السبائك، وسلاسل الإمداد، والإفصاح. ومن هنا، فإن المدخل الصحيح هو الفصل بين تنظيم المنتج من خلال Standards واضحة، وتنظيم الأدوات المالية من خلال سوق المال، دون الخلط بين الاثنين.”
البنية التحتية للسوق المصري الحالي لا تستوعب حجم النشاط المتوقع
وانتقل الترجمان بعد ذلك إلى ما وصفه بالتحدي الحقيقي، وهو قدرة السوق المصري على استيعاب أحجام التداول العالمية. قائلاً:
“السوق المصري الآن يواجه تحديًا رئيسيًا يتمثل في أزمة السيولة، وهي مشكلة أساسية يجب حلها. فحركة السيولة وتدفقات الأموال غير منتظمة، وهو ما ينعكس على حركة التداول وكفاءة السوق بشكل عام.”
وأوضح أن الحديث عن الاندماج في السوق العالمي لا يقتصر على تعديل التشريعات، وإنما يستلزم بناء Infrastructure قادرة على استيعاب أحجام تداول ضخمة.
وأضاف: “إذا أردنا أن نحصل على 5% أو 10% من حجم التداول في السوق العالمي، فهذا يعني أن يكون لدينا نظام يستطيع التعامل مع ما بين خمسة وعشرة مليارات دولار يوميًا، بينما السوق بوضعه الحالي لا يستطيع تحمل هذا الحجم، بل لا يستطيع حتى استيعاب تداول مليارين أو ثلاثة مليارات دولار يوميًا.” كما أكد أن جذب السيولة لا يتم بقرارات إدارية، وإنما ببناء بيئة مستقرة تمنح المستثمر الثقة، فالسيولة لا تُفرض… بل تُجذب عندما تتوافر الثقة والنظام.”
رفع كفاءة السوق يتطلب تطوير المنظومة بالكامل
وأشار إلى أن رفع كفاءة السوق يتطلب تطوير المنظومة بالكامل، وليس إصدار قرارات منفصلة لكل مشكل، مؤكدا بقوله:
“لا يمكن تحميل التجار أو المصنعين أعباء إضافية في ظل غياب بنية تحتية قادرة على استيعاب حجم النشاط المتوقع. ولا يمكن التوسع دون تأهيل السوق، كما لا يمكن معالجة المشكلات واحدة بعد الأخرى وبمعزل عن الأخرى. المشكلة ليست في نقص القرارات… بل في غياب المنظومة القادرة على تنفيذها.”
واختتم الترجمان حديثه بالتأكيد على أن المرحلة المقبلة يجب أن تشهد تحولًا في أساليب التمويل، من الاعتماد على الإقراض إلى نماذج الشراكة والاستثمار المؤسسي، مع الحفاظ على Standards في جميع مراحل سلسلة القيمة، بدءًا من Refining وحتى التصنيع وإعادة التصدير، مؤكدًا أن الحفاظ على جودة المنتج عبر جميع المراحل هو الضمان الحقيقي لاندماج مصر في السوق العالمي وتعزيز قدرتها التنافسية.



