تتأهب العاصمة البرتغالية لشبونة لاستضافة معرض متخصص في مجوهرات الفيليجري التقليدية، يوم 16 أكتوبر 2026، ضمن فعاليات المؤتمر الدولي للاحتفال بالذكرى الخمسين لتأسيس المعهد الوطني للملكية الصناعية (INPI)، في مناسبة تسلط الضوء على تجربة الدولة في حماية هوية منتجاتها الحرفية بصفة عامة ومن بينها التقنيات المميزة في صناعة المجوهرات، رغم أن التقنية المستخدمة في صناعتها ليست حكرًا عليها.
ويستضيف متحف الشرق، التابع لمؤسسة الشرق في لشبونة، المعرض الذي يحمل اسم “Filigrana de Portugal“، بمشاركة قطع مختارة من إنتاج حرفيين حاصلين على شهادات اعتماد، وتنظمه جمعية Alma do Fio لفن الفيليجري بالتعاون مع دار Joalharia do Carmo.
ويهدف المعرض إلى إبراز تنوع التصميمات التي يمكن إنتاجها باستخدام التقنية التقليدية نفسها، والتعريف بدور الملكية الصناعية في حماية أصالة المشغولات اليدوية وتمييزها عن المنتجات المقلدة أو المصنعة بطرق مختلفة.


حرفة عالمية بهوية وطنية
تعتمد الفيليجري على تشكيل أسلاك بالغة الدقة من الذهب أو الفضة، تُلوى وتُسطح وتُثنى في زخارف حلزونية ومنحنية، ثم تُثبت داخل هياكل معدنية لتكوين مشغولات تشبه الدانتيل المشغول بطريقة أقرب لشكل الخلايا.
وبالرغم من أن البرتغال ليست الدولة الوحيدة التي تنفرد بهذه التقنية التي عُرفت منذ العصور القديمة وانتشرت عبر مناطق مختلفة من العالم، بينها حوض البحر المتوسط وأوروبا وآسيا وأفريقيا ويعرف في مصر باسم تقنية “الشفتشي”. إلا أن النموذج الوصفي الرسمي للفيليجري يؤكد أن خصوصية المنتج المحلي لا تقوم على اختراع التقنية، وإنما على الخصائص التي اكتسبتها محليًا عبر قرون من الممارسة والتطوير.
وقد ارتبطت صناعة الفيليجري في البرتغال بمدينتي جوندومار وبوفوا دي لانيوزو شمال البلاد، اللتين برزتا مركزين رئيسيين للحرفة، خصوصًا خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.
واشتهرت جوندومار تاريخيًا بمشغولات الفضة الدقيقة ذات الزخارف المتقاربة، بينما تميزت بوفوا دي لانيوزو بمشغولات الذهب والزخارف الأكثر اتساعًا، وإن كانت الفروق بين المدرستين قد تراجعت مع مرور الوقت.
وتجاوزت الفيليجري حدود الورش لتصبح جزءًا من الثقافة الشعبية، وارتبطت بالأزياء التقليدية والاحتفالات والمناسبات الاجتماعية، ولا سيما القلوب الذهبية والأقراط والقلائد التي اشتهرت بها منطقة مينهو.

الفيليجري البرتغالي والشفتشي المصري.. تقنية واحدة وهوية مختلفة
تتشابه تقنية الفيليجري مع حرفة “الشفتشي” المصرية في اعتماد كلتيهما على تشكيل أسلاك دقيقة من الذهب أو الفضة، وثنيها ولفّها وتجميعها باللحام داخل إطارات معدنية لتكوين زخارف مفرغة تشبه الدانتيل. ولا يكمن الاختلاف الجوهري بينهما في المبدأ التقني، فكلاهما ينتمي إلى فنون الصياغة المعروفة عالميًا باسم Filigree، وإنما في الموروث الفني والأشكال الزخرفية والاستخدامات التي تطورت داخل كل مجتمع.
فقد ارتبطت الفيليجري بقطع تقليدية مميزة، أبرزها القلوب الذهبية والأقراط والحلي المرتبطة بالأزياء الشعبية مع تشكيل الأسلاك الداخلية بشكل عشوائي ومتقاطع ثم يتم الدق عليها، بينما ظهرت حرفة الشفتشي المصرية في أشكال متنوعة من الحلي والمشغولات المعدنية ذات الزخارف الهندسية والنباتية المنتظمة والأسلاك المشكلة بدقة وتماثل ثم يتم رصها ولحامها داخل الإطار.

لماذا تمت حماية الفيليجري؟
مع تطور تقنيات تصنيع المجوهرات وانتشار الإنتاج الصناعي، ظهرت في الأسواق قطع تحاكي الشكل الخارجي للفيليجري، لكنها تُنتج باستخدام القوالب أو الحقن بدلًا من تشكيل الأسلاك الدقيقة وتجميعها يدويًا.
وأدى ذلك، وفقًا للنموذج الوصفي الرسمي، إلى الخلط بين المنتجات الصناعية والمشغولات الحرفية التي تتطلب وقتًا طويلًا ومهارات متخصصة، ومن هنا برزت الحاجة إلى نظام يسمح للمستهلك بالتمييز بين القطعة المصنوعة بالتقنية التقليدية والقطعة التي تكتفي بمحاكاة مظهرها، ويحمي القيمة الاقتصادية للعمل اليدوي.
وفي عام 2018، حصلت تسمية “Filigrana de Portugal” على الحماية كمؤشر جغرافي مسجل لدى المعهد الوطني للملكية الصناعية تحت رقم 539، بمبادرة من بلديتي جوندومار وبوفوا دي لانيوزو.ومع ذلك فلا يمنح هذا التسجيل الدولة حقًا حصريًا في استخدام تقنية الفيليجري عالميًا، وإنما يحمي التسمية البرتغالية المرتبطة بمواصفات إنتاج محددة.
ثلاث فئات لاعتماد المشغولات
وضعت الدولة كراسة مواصفات تميز بين ثلاث فئات من الإنتاج، الأولى “100% فيليجري”، وتشمل القطع المصنوعة يدويًا بالكامل، ابتداءً من تجهيز الأسلاك وتشكيل الهيكل وصولًا إلى التشطيب النهائي.
والثانية “فيليجري”، وتشترط أن تشغل التقنية الحرفية أكثر من نصف المساحة الداخلية الظاهرة للقطعة، مع استخدام الذهب أو الفضة في الأجزاء الحاملة.
أما الفئة الثالثة “تطبيقات الفيليجري”، فتشمل المنتجات التي تتضمن عناصر فيليجري مصنوعة يدويًا، حتى عندما تُدمج مع خامات أخرى مثل الخشب أو المنسوجات أو الفلين.
ويتيح هذا التصنيف الجمع بين حماية التقنية التقليدية وإتاحة تطوير منتجات وتصميمات معاصرة، دون اشتراط أن تكون جميع المشغولات نسخًا من نماذج تاريخية.
شهادة أصالة وعلامة على كل قطعة
لا يقتصر نظام الحماية على تسجيل التسمية، بل يشمل فحص الورش والمنتجات للتحقق من الالتزام بالمواصفات، وتتولى جهة الاعتماد A.CERTIFICA مهام التحقق من مطابقة الإنتاج للشروط، بينما تحصل القطع المعتمدة على بطاقات مرقمة مزودة بعلامات هولوجرام، إلى جانب علامة اعتماد تُثبت على المشغولة، وعلامات الدمغ التي تتحقق من المعدن وعياره، وبذلك تحول الأصالة الحرفية إلى قيمة وصفة قابلة للفحص والتوثيق، وليست مجرد دعايا تسويقية تعتمد على وصف المنتج بأنه مصنوع يدويًا.

لماذا اختيرت الفيليجري للاحتفال باليوبيل الذهبي؟
يمثل اختيار الفيليجري للاحتفال بخمسين عامًا على تأسيس المعهد الوطني للملكية الصناعية نموذجًا تطبيقيًا لدور حقوق الملكية الصناعية خارج نطاق الاختراعات والعلامات التجارية التقليدية.
فالتجربة توضح كيف يمكن حماية هوية منتج حرفي جماعي أصيل، حتى عندما تكون التقنية الأساسية المستخدمة في إنتاجه معروفة ومتداولة في بلدان أخرى. إلا أنها أخذت صبغة محلية ميزتها عن صناعة الدول والمجتمعات الأخرى.
كما يبرز المعرض العلاقة بين التوثيق والحماية الاقتصادية، إذ تسمح المواصفات وشهادات الاعتماد بتمييز المنتجات الحرفية الأصلية، ودعم ثقة المستهلك، وتعزيز قدرة الورش على تسويق منتجاتها باعتبارها مشغولات ذات منشأ وهوية محددين.
وفي ظل النظام الأوروبي الجديد لحماية المؤشرات الجغرافية للمنتجات الحرفية والصناعية، الذي بدأ تطبيقه في ديسمبر 2025، تكتسب هذه التجربة أهمية إضافية بوصفها مثالًا على اتساع أدوات الملكية الصناعية لتشمل الصناعات التراثية التي يمكن حمايتها.
وهكذا، فإن احتفال لشبونة لا يقدم الفيليجري باعتبارها اختراعًا برتغاليًا، بل بوصفها حرفة عالمية نجحت الدولة في تطوير هوية محلية لها، ووضع نظام قانوني وفني يميز إنتاجها ويحافظ على قيمته في الأسواق. كما لم تكتفى بتسجيلها وفقا لنطام حماية المؤشرات الجغرافية، بل سجلت «فيليجري جوندومار» ضمن الجرد الوطني للتراث الثقافي غير المادي برقم INPCI_2023_009. وهو مستوى آخر من التوثيق، منفصل عن حماية المؤشر الجغرافي لعام 2018،لتجمع بين حماية التراث الثقافي وحماية المنتج تجاريًا أيضا.
لقراءة المزيد:
XJet تعرض في T.GOLD: تقنية للطباعة ثلاثية الأبعاد بالذهب تصلح لعياري 14, 18
جمارك هونج كونج تضبط 27 قطعة مجوهرات يشتبه في انتهاكها حقوق الملكية الفكرية
الهند تستعد لتفعيل اتفاقية 0 جمارك مع نيوزيلندا.. أول شحنة مجوهرات أكتوبر القادم
غانا تعيد هندسة اقتصادها حول الذهب.. حققت 1.871 مليار خلال سبتمبر


