بدأت أرمينيا رسميًا تشغيل منجم أمولسار Amulsar للذهب، بعد سنوات من التأجيل والتوقف والخلافات لأسباب بيئية وتمويلية، حيث تراهن الحكومة على هذا المشروع لإضافة نحو 210 آلاف أوقية من الذهب سنويًا إلى إنتاج البلاد، باستثمارات إجمالية تقترب من 750 مليون دولار.
وكان رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان، قد شهد في 10 أكتوبر 2026، مراسم أول استخلاص وصب للذهب من المشروع، في خطوة أعلنت بداية تشغيل أول رواسب معدنية جديدة يتم اكتشافها وتطويرها في أرمينيا منذ استقلال البلاد. وأكدت شركة Lydian Armenia بدء العمليات رسميًا عقب إنتاج أول ذهب من المنجم.
وتقع رواسب أمولسار بين إقليمي Vayots Dzor وSyunik، على ارتفاع يتراوح بين نحو 2500 و 2988 مترًا، وتضم احتياطيات معتمدة تبلغ نحو 73.7 طن من الذهب داخل نحو 89.4 مليون طن من الخام، بمتوسط درجة 0.78 جرام ذهب للطن. ومن المقرر أن تبلغ الطاقة التعدينية نحو 10 ملايين طن من الخام سنويًا.

210 آلاف أوقية سنويًا
وتقدر الحكومة الأرمينية إنتاج المشروع بنحو 210 آلاف أوقية ذهب سنويًا، بما يعادل نحو 6.5 طن، فيما يُتوقع أن يحقق للدولة قرابة 130 مليون دولار سنويًا من الضرائب والـ royalties، بما يعود على الناتج المحلي الإجمالي بنحو 1.5 إلى 2%، إلى جانب توفير أكثر من 4 آلاف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة. ويبلغ إجمالي الاستثمارات في المشروع نحو 750 مليون دولار، من بينها 150 مليون دولار تمويلًا مصرفيًا بضمان من الحكومة الأرمينية.
ويمثل المشروع نموذجًا غير تقليدي للشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص، إذ تمتلك الحكومة الأرمينية 12.5% من Lydian Armenia، بينما تمتلك شركة التعدين الدولية United النسبة المتبقية البالغة 87.5%.
ويعتمد أمولسار على تقنية Heap Leaching – الترشيح بالكومات لاستخلاص الذهب، وهي المرة الأولى التي تُستخدم فيها هذه التقنية على هذا النطاق في أرمينيا، بحسب الشركة، مع تشغيل النظام في دائرة مغلقة ودون إنشاء سد تقليدي لمخلفات المعالجة.
كما التزمت Lydian Armenia بتخصيص 7 ملايين دولار سنويًا لمشروعات تنمية المجتمعات المحيطة في Jermuk ، Vayk ، Sisian، ترتفع إلى 9 ملايين دولار إذا تجاوز متوسط سعر الذهب أثناء مرحلة الإنتاج 3550 دولارًا للأوقية. وذلك من منطلق مسئوليتها المجتمعية في المواقع التي تعمل بها في نشاط التعدين.

مشروع توقف قبل أن يبدأ
بدأ إنشاء أمولسار فعليًا في 2016، وكان المشروع يقترب من الإنتاج عندما اندلعت في 2018 احتجاجات واسعة قادها سكان ونشطاء بيئيون، وأُغلقت الطرق المؤدية إلى موقع المنجم.
وتركزت الاعتراضات على مخاطر محتملة تتعلق بالمياه والتربة واستخدام السيانيد، إضافة إلى القلق من تأثير النشاط التعديني على مدينة Jermuk، المعروفة كمقصد سياحي ومنتجع للمياه المعدنية. وأدت الاحتجاجات إلى توقف أعمال البناء لسنوات.
وفي 2019 أجرت الحكومة مراجعة بيئية مستقلة للمشروع، بينما استمرت الخلافات القانونية والسياسية والتمويلية حول استئناف العمل. وفي 2023 بدأت الحكومة التحرك لإعادة إحياء المشروع، ثم أعلنت Lydian في أغسطس 2025 استئناف أعمال البناء رسميًا، وصولًا إلى أول إنتاج للذهب في أكتوبر 2026، واحتاج المشروع قرابة عقد من بدء البناء إلى الوصول إلى الإنتاج الفعلي.
أرمينيا والذهب.. تاريخ أقدم بكثير من أمولسار
ورغم أن أمولسار أول رواسب معدنية جديدة تُكتشف في أرمينيا بعد الاستقلال، فإن تاريخ استخراج الذهب في البلاد يعود إلى آلاف السنين.
وتشير الدراسات الأثرية والجيولوجية في منطقة Sotk جنوب شرقي بحيرة Sevan إلى وجود نشاط لاستخراج الذهب منذ عصور ما قبل الميلاد. وقد كشفت أعمال المسح عن آثار لأكثر من 140 حفرة تعدين قديمة، إلى جانب دلائل على استخراج الذهب من الرواسب النهرية placer gold واستخدام أدوات حجرية وخشبية في عمليات التعدين القديمة. كما عُثر على الذهب النهري في عدد كبير من أنهار وجداول المنطقة.
وتشير الدراسات الأثرية إلى أن منطقة Sotk كانت مركزًا مهمًا لإنتاج وتجارة الذهب منذ العصر البرونزي، وأن جزءًا كبيرًا من الذهب المستخدم في القطع الأثرية القديمة التي جرى تحليلها كان من الذهب الرسوبي النهري، وهو النوع الذي يمكن استخراجه باستخدام تقنيات بسيطة نسبيًا مثل الغسل والفصل اليدوي؛ أي نمط قريب مما نطلق عليه حاليًا التعدين الحرفي والصغير النطاق.
التحول نحو التعدين الصناعي في أرمينيا
لا تقدم حالة أرمينيا مثالًا تقليديًا لدولة قامت ببرنامج حديث لإدماج المعدنين الحرفيين داخل القطاع الرسمي، كما يحدث حاليًا في غانا أو تنزانيا، فالتحول حدث تاريخيًا بصورة مختلفة.
فخلال الحقبة السوفيتية جرى نقل استخراج الذهب تدريجيًا إلى نموذج تعدين صناعي مركزي يعتمد على المناجم الكبيرة والمصانع الحكومية. ومن أبرز المحطات إنشاء منشأة Ararat لمعالجة الذهب عام 1976 لمعالجة الخام القادم بصورة رئيسية من منجم Zod/Sotk، بما رسخ نموذجًا يقوم على استخراج الخام صناعيًا ونقله إلى منشآت معالجة مركزية.
وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي تحولت ملكية وتشغيل عدد من هذه الأصول إلى شركات خاصة ومستثمرين أجانب، لكن النموذج الإنتاجي نفسه ظل قائمًا على المناجم المرخصة والشركات الصناعية.
لقد شهدت أرمينيا تحولاً هيكلياً طويل الأجل من التعدين التقليدي والنهري إلى المناجم الصناعية والإنتاج المركزي، ثم إلى نظام حديث قائم على التراخيص والشركات والاستثمارات الكبيرة.
أمولسار يمثل مرحلة جديدة
وهكذا يأتي أمولسار في نهاية مسار طويل انتقلت خلاله أرمينيا من استخراج الذهب من الرواسب النهرية والمناجم القديمة، إلى التعدين الصناعي السوفيتي، ثم إلى مشروعات ضخمة تعتمد على رأس المال الخاص والشراكة مع الدولة والتكنولوجيا الحديثة، لكن التحدي في أمولسار لن يقتصر على الوصول إلى مستهدف 210 آلاف أوقية سنويًا.
فبعد سنوات من الاعتراضات، سيظل المشروع اختبارًا لقدرة أرمينيا على إثبات أن التوسع في التعدين يمكن أن يحقق إيرادات وفرص عمل وقيمة اقتصادية، وفي الوقت نفسه يلتزم فعليًا بمعايير البيئة وإدارة المياه وحماية المجتمعات المحلية.
وبالتالي فإن أهمية أمولسار لا تكمن فقط في إضافة منجم جديد إلى خريطة إنتاج الذهب، بل في أنه قد يحدد شكل الجيل الجديد من التعدين الأرميني: مشروعات صناعية كبيرة، شراكة مباشرة للدولة، استثمارات دولية، ومتطلبات أعلى للشفافية والمسؤولية البيئية.
لقراءة المزيد:
4.4 مليون أوقية: الذهب المرتفع يوقظ منجم Northumberland التاريخي في نيفادا
27 مليار دولار على الطاولة.. Gold Fields تخطط للاستحواذ على Northern Star
التعدين الحرفي يفرض نفسه على أجندة مؤتمر مئوية CIBJO


