5 دول أفريقية تحوّل "القيمة المضافة" إلى سياسات.. الخام بداية الصناعة الأفريقية
إذا كان صوت الدول الأفريقية الذي ارتفع في نيويورك خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة قد حمل رسالة سياسية واضحة: لن تبقى القارة مجرد مصدر للخام بل تسعى لبدء الصناعة، فإن التجارب الجارية داخل عدد من الدول الأفريقية والنبرة التي تليت بها الرسالة والتي تعبر عن وحدة الصوت والهدف والاتجاه والإرادة الحقيقية نحو التفعيل، وهو ما أكدته التجارب التي كشفت أن بعض الحكومات بدأت بالفعل نقل هذه الرسالة من مجرد رؤى.. إلى سياسات وتشريعات ومشروعات ومصانع قائمة بالفعل.
فالهدف لدى الدول الأفريقية التي حضرت اجتماعات جمعية الأمم المتحدة ال 81, لم يعد فقط زيادة إنتاج المعدن أو جذب استثمارات جديدة إلى المناجم، وإنما محاولة الاحتفاظ بجزء أكبر من الرحلة الاقتصادية للمعدن داخل الدولة المنتجة: المعالجة والتكرير والتصنيع، ثم المهارات والتكنولوجيا والخدمات وسلاسل الموردين.
وخلال الاجتماع رفيع المستوى للأمم المتحدة بشأن معادن تحول الطاقة الحرجة Critical Energy Transition Minerals في يوليو 2026 بحضور عدد كبير من ممثلي الهيئات الدولية، ظهر هذا التحول بوضوح في كلمات الدول الأفريقية؛ من زيمبابوي التي قدمت نتيجة قابلة للقياس، إلى زامبيا التي بنت استراتيجية وطنية، ومدغشقر التي تحاول توسيع أثر المعادن إلى قطاعات صناعية أخرى.

زيمبابوي تصدر أول كبريتات ليثيوم محلية.. زامبيا ترفع مستهدف النحاس إلى 3 ملايين طن.. مدغشقر ترصد فرصًا صناعية بـ1.1 مليار دولار.. وجنوب أفريقيا تطرح منصة لتمويل التصنيع المعدني
زيمبابوي.. نفس الوزن لكن بقيمة أكبر
ربما قدمت زيمبابوي Zimbabwe أوضح مثال رقمي على ما تقصده أفريقيا عندما تتحدث عن القيمة المضافة، فالبلاد تمتلك أكثر من 40 معدنًا قابلًا للاستغلال التجاري، من بينها الليثيوم ومعادن مجموعة البلاتين والنيكل والنحاس والكوبالت والجرافيت والكروم والمنجنيز والعناصر الأرضية النادرة.
لكن محور التجربة الجارية هو الليثيوم، بعد سنوات من تصدير الخام والمركزات، شددت الحكومة تدريجيًا متطلبات التصنيع المحلي، فحظرت تصدير خام الليثيوم غير المعالج منذ 2022، ثم علقت في فبراير 2026 صادرات مركزات الليثيوم في إطار الانتقال إلى مرحلة أعلى من التصنيع. وتقول وزارة المناجم إن الاتجاه المستهدف اعتبارًا من 2027 هو السماح أساسًا بتصدير المنتجات الأعلى معالجة، وعلى رأسها كبريتات الليثيوم.
وفي أبريل 2026 خرجت بالفعل أول شحنة من كبريتات الليثيوم المنتجة محليًا من منشأة Prospect Lithium Zimbabwe، وهي خطوة نقلت جزءًا من سلسلة المعالجة الكيميائية إلى داخل البلاد بدل انتهاء العملية عند تصدير المركز الخام. وتبلغ استثمارات المصنع نحو 400 مليون دولار، بطاقة تصميمية تقارب 80 ألف طن سنويًا من كبريتات الليثيوم.
وأمام الأمم المتحدة، قدم ممثل زيمبابوي الرقم الذي تختصر فيه هراري فلسفة التجربة، قائلًا إن قيمة صادرات الليثيوم خلال النصف الأول من 2026 ارتفعت بنحو 255% مع بقاء الكميات عند مستوى مماثل تقريبًا للفترة المقارنة، أي أن الهدف لم يكن بالضرورة إخراج أطنان أكثر من الأرض، وإنما الحصول على قيمة أكبر من الطن نفسه.
وقال ممثل زيمبابوي: “Critical minerals must become instruments of development- يجب أن تصبح المعادن الحرجة أدوات للتنمية”.
لكن التجربة الزيمبابوية لا تتوقف عند المصنع مقارنة بتجارب الدول الأفريقية الأخري . فقد طالبت هراري أيضًا بأن تشمل المنظومة الجديدة التتبع الرقمي، وتوحيد معايير الشهادات والعناية الواجبة، والتعاون بين الجمارك والحدود ووحدات الاستخبارات المالية وأجهزة إنفاذ القانون لمواجهة تهريب المعادن والتدفقات المالية غير المشروعة، إلى جانب إدخال صغار المعدنين إلى الاقتصاد الرسمي وتمكينهم من التمويل والتكنولوجيا.
وبذلك تصبح القيمة المضافة في النموذج الزيمبابوي معادلة من شقين: تصنيع المعدن في الداخل، وإحكام السيطرة على الطريق الذي يسلكه قبل الخروج.
زامبيا.. من 890 ألف طن نحاس إلى 3 ملايين
جاءت زامبيا Zambia، أيضا من الدول الأفريقية التي كانت لها تجربة تستحق العرض، خيث يجري بناء نموذج مختلف قليلًا، يبدأ من توسيع الإنتاج لكنه لا يريد التوقف عنده، حيث سجلت البلاد أكثر قليلًا من 890 ألف طن من النحاس في 2025، بزيادة 7.8% مقارنة بنحو 826 ألف طن في 2024، فيما تضع الحكومة هدفًا للوصول إلى 3 ملايين طن سنويًا بحلول 2031.
لكن الاستراتيجية الوطنية للمعادن الحرجة 2024–2028 توسع الهدف من استخراج المعدن إلى المشاركة في كامل السلسلة.
وتنص الاستراتيجية، من بين أدواتها، على تطوير سلاسل قيمة وطنية وإقليمية، وزيادة قدرات المعالجة والتكرير، كما تستهدف وصول المحتوى المحلي إلى ما لا يقل عن 35% من المشتريات السنوية في قطاع المعادن الحرجة، إلى جانب تنظيم ومنح تراخيص للمعدنين الحرفيين والصغار.
وفي كلمتها أمام الاجتماع الأممي، قالت زامبيا إن المعادن الحرجة أصبحت «أصولًا وطنية استراتيجية»، وإن برنامج الإصلاح يشمل تحديث الإطار التنظيمي، وزيادة شفافية التراخيص، وتوسيع الخرائط الجيولوجية وإدخال متطلبات للمحتوى المحلي.
وكان التحذير الزامبي مباشرًا:“The clean energy transition must not reproduce old patterns of commodity dependence- إن التحول إلى الطاقة النظيفة يجب ألا يعيد إنتاج أنماط الاعتماد القديمة على تصدير السلع الخام”.
وتحاول زامبيا كذلك كسر حدود الدولة الواحدة في بناء الصناعة، من خلال التعاون مع دول أفريقية مجاورة مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية Democratic Republic of the Congo لتطوير سلسلة قيمة إقليمية للبطاريات، تشمل معالجة المعادن وتصنيع مكونات البطاريات ومناطق اقتصادية خاصة عابرة للحدود.
ليتحول الأمر من بدل تنافس بين الدول المجاورة على تصدير كل معدن منفردًا، إلى تكامل مواردها داخل سلسلة تصنيع أفريقية مشتركة.
مدغشقر.. المعدن بوابة إلى 23 قطاعًا
أما مدغشقر Madagascar، فتقدم زاوية مختلفة ربما تكون أكثر اتساعًا، فالهدف ليس فقط إنشاء مصنع لمعالجة النيكل أو الكوبالت أو الجرافيت، وإنما استخدام الثروة المعدنية كنقطة انطلاق لتنويع الاقتصاد نفسه.
وتملك مدغشقر موارد مهمة من النيكل والكوبالت والجرافيت والإلمينيت والأحجار، إلا أن دراسة حديثة لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية UNCTAD خلصت إلى أن اندماج البلاد في الأسواق العالمية ما زال متركزًا بدرجة كبيرة في المراحل الأولية من سلسلة القيمة، مع قيمة مضافة محلية محدودة وروابط ضعيفة ببقية الاقتصاد.
لكن الدراسة وجدت مساحة كبيرة للتحول، حيث حددت 259 منتجًا محتملًا في 23 قطاعًا يمكن لمدغشقر التوسع فيها اعتمادًا على قدراتها الحالية وما يمكن بناؤه حول سلاسل المعادن، ومن بينها 209 منتجات تمتلك فرصًا في أسواق التصدير العالمية، بقيمة محتملة مرجحة تقارب 1.1 مليار دولار.
ثم ضيقت الدراسة الدائرة إلى 124 منتجًا ذا أولوية في ثمانية قطاعات، وقدرت إمكانية خلق نحو 20 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، فيما تشكل النساء نحو 52% من العمالة المباشرة في القطاعات ذات الأولوية التي حددتها الدراسة.
واللافت أن هذه الفرص لا تقع كلها داخل التعدين بل إمتدت إلى الكيماويات والبلاستيك والمنسوجات والملابس والآلات وتصنيع الأغذية. وهنا تصبح القيمة المضافة أوسع من مفهوم “تكرير المعدن”، بل بناء منظومة صناعية متعددة القطاعات على هذا المعدن
جنوب أفريقيا.. لا نريد مشتريًا للخامة
وفي جنوب أفريقيا، وصل الطرح خلال اجتماعات نيويورك إلى مرحلة البحث عن أداة تمويل تربط المنجم بالمصنع. حيث قال وزير التجارة والصناعة والمنافسة باركس تاو Parks Tau خلال مائدة مستديرة للمعادن الحرجة في 24 سبتمبر، على هامش اجتماعات الجمعية العامة، إن بلاده لا تريد تعريف علاقتها مع الولايات المتحدة باعتبارها علاقة بين دولة تستخرج الخام ودولة تشتريه.
وقال:“Partnership and co-investment, rather than a traditional supplier relationship- شراكة واستثمار مشترك، وليس علاقة تقليدية بين مورد ومشترٍ”.
وتملك جنوب أفريقيا بالفعل قاعدة معدنية وصناعية ثقيلة تشمل احتياطيات وقدرات إنتاجية مهمة في معادن مجموعة البلاتين PGMs والمنجنيز والكروم والفاناديوم، إضافة إلى فرص في العناصر الأرضية النادرة والتيتانيوم والزركونيوم.
لكن الخطة التي عرضها تاو تحاول دفع السلسلة إلى الأمام:
التعدين → التكرير → المعالجة → المواد المتقدمة → المكونات الصناعية → الإنتاج النهائي حيث يكون مجديًا تجاريًا.
وتشمل المجالات المطروحة مواد البطاريات، ومنتجات الفاناديوم لتخزين الطاقة، والمنتجات القائمة على معادن مجموعة البلاتين والهيدروجين، والحديد والصلب الأخضر والسبائك والمواد الصناعية المتخصصة.

ولتحويل هذه المشروعات من عروض على الورق إلى استثمارات قابلة للتمويل، اقترحت بريتوريا إنشاء Critical Minerals Investment Platform تجمع المشروعات مع مؤسسات التمويل الجنوب أفريقية والأمريكية وصناديق الاستثمار والشركات الصناعية، بالإضافة إلى مجموعة عمل مشتركة للمعادن الحرجة.
لكن يجب التمييز هنا: المنصة ومجموعة العمل ما زالتا مقترحين وليستا حتى الآن بنية تشغيلية مكتملة.
والأكثر أهمية أن جنوب أفريقيا لا تعرض نفسها كمصنع لدولة واحدة فقط، وإنما كقاعدة لسلاسل إقليمية يمكن أن ترتبط بـكوبالت الكونغو، ونحاس زامبيا، وليثيوم زيمبابوي، مستفيدة من قدراتها في المعالجة والتمويل واللوجستيات والبنية الصناعية والسوق الأفريقية.
الكونغو.. لا قيمة مضافة بلا سيادة على المعدن
لكن جمهورية الكونغو الديمقراطية DRC تكشف الوجه الأصعب من المعركة، فالدولة التي تمتلك موارد ضخمة من الكوبالت والنحاس والتنتالوم وغيرها تسعى هي الأخرى إلى توسيع التحويل المحلي للموارد وجذب استثمارات في المعالجة والبنية التحتية والبيانات الجيولوجية. وفي يونيو 2026 ناقشت كينشاسا مع الولايات المتحدة فرص الاستثمار في المعادن الحرجة والبنية الأساسية والتحويل المحلي للموارد.
لكن الحكومة ربطت هذا التوجه بمفهوم آخر شديد الأهمية: السيادة على البيانات الجيولوجية نفسها، فعندما عُرض عليها مشروع لإجراء مسح وطني باستخدام تقنيات الاستشعار عن بعد والبيانات الجيوفضائية، أكد الرئيس فيليكس تشيسيكيدي أن السيادة على الموارد وعلى البيانات المرتبطة بها تمثل «خطًا أحمر».
وفي الكونغو يصبح هذا النقاش أكثر تعقيدًا بسبب التعدين غير المشروع والنزاع المسلح.
ففي الاجتماع الأممي للمعادن الحرجة، قالت ممثلة الكونغو، استنادًا إلى بيانات فريق خبراء الأمم المتحدة، إن مناجم روبايا Rubaya في شمال كيفو تمثل نحو 15% من الطلب العالمي على التنتالوم، وإن ما لا يقل عن 1,400 طن من الكولتان تم تهريبها إلى رواندا خلال السنة الأولى التالية لسيطرة حركة M23 المدعومة من رواندا على المنطقة، بما وفر للجماعة المسلحة نحو 800 ألف دولار شهريًا.
وتنفي رواندا اتهامات الكونغو المتعلقة بدعم M23، بينما تستند كينشاسا في طرحها إلى تقارير فريق خبراء الأمم المتحدة.
والدلالة الاقتصادية هنا تتجاوز الصراع السياسي نفسه: فالدولة التي لا تستطيع السيطرة على استخراج المعدن ومساره وبياناته وتجارته، تصبح قدرتها على بناء قيمة مضافة محلية محدودة مهما كانت ثروتها الجيولوجية ضخمة.
ولهذا تدفع الكونغو باتجاه ربط الحوكمة والتتبع بالعقوبات والعناية الواجبة والتحويل المحلي، فيما أكدت الأمم المتحدة في يوليو أن دعمها في عدد من الدول، بينها الكونغو وزامبيا، يشمل تقوية القدرة على التفاوض بشأن العقود التعدينية وتوسيع المعالجة والتكرير المحليين.
5 دول أفريقية ..خمسة نماذج.. واتجاه واحد
لا تتحرك الدول الخمس بالطريقة نفسها، فزيمبابوي تستخدم قيود التصدير ومصانع المعالجة، بينما زامبيا تجمع بين زيادة الإنتاج والمحتوى المحلي وسلسلة البطاريات الإقليمية، في حين تالجأ مدغشقر للبحث عن طريقة تجعل المعدن مدخلًا إلى تنويع صناعي أوسع، أما جنوب أفريقيا فتحاول بناء منصة تمويل ومعالجة إقليمية، والكونغو تضع السيادة والتتبع والسيطرة على الموارد والبيانات في قلب معادلة القيمة.
ورغم أن عملية الاصلاح لا تزال في بدايتها، ورغم أن الحديث ينطوى بشكل علم على المعادن والخامات المتعددة دون تخصيص للمعادن الثمينة، إلا أن أهم ما يكشفه هذا التوجه هو سعي الدول الأفريقية نحو وحدة الصوت والقرار والبحث عن التكامل بدلا من التنافس، والأهم أنه المنظور التتنموي من كم الخام الذي سيتم تصديره ليتوجه نحو المراحل التصنيعية التي تستطيع الدولة الاختفاظ بها داخل حدودها، وأيا كانت القرارات أو الآليات، فما ينطوي علي الكوبالت والنحاس، سيطبق بالتبعية على المعادن والأحجار الثمية التي تعد أهم دخل قومي للعديد من الدول الأفريقية.
لقراءة المزيد:
الشراكة لا المساعدات: أفريقيا تطالب بالتحول من صفقات الخام إلى القيمة الحقيقية خلال Unstoppable Africa 2026
مالاوي: إجراءات مشددة لحماية الذهب والمعادن الطبيعية الوطنية من التهريب
Rand Refinery وGold Coast تبنيان مسارًا لإدخال ذهب التعدين الحرفي إلى سلسلة التوريد العالمية


