من مشكاة السلطان برقوق إلى Favrile Glass.. قطعة مصرية عبرت ستة قرون، فتنت روتشيلد وأشعلت سباقًا لاستنساخها، قبل أن تجد فلسفتها حياة جديدة في فن تيفاني
ثمة قطع أثرية تحفظ تاريخها، وأخرى تصنع لنفسها تاريخًا جديدًا كلما عبرت زمنًا أو مكانًا. والمشكاوات المملوكية تنتمي إلى النوع الثاني؛ فلم ينته عمرها بانطفاء الزيت في مساجد القاهرة، ولم تتحول بعد ذلك إلى أشكال زجاجية جميلة حُفظت في خزائن المتاحف، بل ظلت قادرة على إثارة الفتنة نفسها التي صنعت من أجلها: فتنة الضوء حين يعبر اللون، والنار حين تمنح الزجاج حياة لا يملكها وهو ساكن.
إحدى هذه المشكاوات تستقر اليوم في متحف الفن الإسلامي بالدوحة، تحمل رقم التسجيل GL.52.2002، وتنسب إلى مصر في عهد السلطان الظاهر سيف الدين برقوق، بين عامي 1382 و1399. يبلغ ارتفاعها 33.5 سنتيمتر وقطرها 26.5 سنتيمتر، وصنعت من الزجاج والمينا والذهب بتقنيات النفخ والتذهيب والتمويه بالمينا وإضافة العناصر الزجاجية. ويرجح المتحف أنها صنعت لمجمع السلطان برقوق بالقاهرة، الذي اكتمل عام 1386.
لكن بطاقة التسجيل هذه، على دقتها، لا تقول إلا أقل القليل عن حكايتها.
فالمشكاة التي تبدو اليوم أثرًا مستقرًا في قاعة متحف عاشت حياة أكثر اضطرابًا وإثارة وإلهاماً؛ خرجت بعضها من القاهرة في تواريخ لم تحسم بعد، ومرت بعضها بمجموعات واحدة من أشهر عائلات جامعي الفن في أوروبا، ثم ظهرت بعضها على منصة مزاد في لندن، وفي الوقت نفسه كانت أخواتها من المشكاوات المملوكية تشعل في القرن التاسع عشر ولعًا أوروبيًا وصل إلى حد محاولة إعادة تصنيعها، قبل أن تنتقل فلسفة الزجاج الإسلامي إلى عالم تصميم آخر تمامًا، حيث كان لويس كومفورت تيفاني يعيد تعريف علاقة الزجاج باللون والنار والضوء.
وحين تتبع هذه الرحلة بدءا من نهايتها في محاولة للعودة إلى بدايتها، يصبح من الصعب النظر إلى المشكاة باعتبارها مجرد أداة للإضاءة. إنها، بالأحرى، فكرة عبرت العصور، وكلما حطت في مكان أحدثت فتنة جديدة.
عائلة روتشيلد وسر ولعها بالمشكاوات المصرية
قبل أن تدخل إحدى المشكاوات إلى مجموعة متحف الفن الإسلامي في قطر، ظهرت في 14 ديسمبر 2000 في دار Christie’s بلندن، ضمن مزاد مجموعة البارونة الراحلة باتشيفا دي روتشيلد. كانت تحمل رقم Lot 17، ووُصفت بأنها مشكاة مملوكية من الزجاج الشفاف المموه بالمينا والمذهب، صنعت للسلطان برقوق خلال فترة حكمه بين 1382 و1399. وكانت تحمل رقمي جرد سابقين ارتبطا بمجموعة روتشيلد.
لم تكن المشكاة قطعة غريبة ظهرت بمفردها وسط مقتنيات العائلة؛ بل كانت جزءًا من علاقة طويلة ومثيرة بين عدة فروع من آل روتشيلد والفن الإسلامي، وبصفة خاصة الزجاج المملوكي. وتشير كريستيز إلى أن أفراد الفروع الفرنسية والألمانية والنمساوية جمعوا من هذا الزجاج قدرًا جعل العائلة، على الأرجح، صاحبة عدد من نماذجه يفوق ما امتلكه أي جامع خاص آخر في عصرها.
لم يكن اقتناء هذه الأشياء منفصلًا عن حياتهم، فبعضهم أنشأ داخل قصوره غرفًا شرقية كاملة؛ عناصر معمارية تستلهم عمارة المماليك في القرن الرابع عشر، وزخارف مأخوذة من قصر الحمراء، وسجادًا إسلاميًا ومشغولات معدنية، وفي المشهد نفسه تتدلى المشكاة المملوكية.
وكأن اقتناء القطعة لم يكن يكفي؛ كان المطلوب أحيانًا إعادة خلق العالم الذي جاءت منه.
وبالفعل.. فقد حدث التحول الذي جعل من المشكاة ظاهرة تجتاح أوروبا لدرجة أن أوروبا نفسها بدأت تصنع نسخا من المشكاوات. وذلك في النصف الثاني من القرن التاسع عشر حيث عملت ورش فرنسية، من بينها Brocard وGiboin وImberton، على إنتاج مشكاوات مستوحاة مباشرة من نماذج مصرية وسورية تعود إلى القرن الرابع عشر: زجاج منفوخ، مينا، ذهب، خط ثلث، أرابيسك وحلقات تعليق. ووصلت جودة بعض النماذج إلى درجة جعلتها شديدة القرب من أصولها المملوكية. وظهرت داخل مجموعة روتشيلد نفسها مشكاوات أصلية إلى جوار أخرى مصنوعة في أوروبا في القرن التاسع عشر.
وتذهب كريستيز في قراءة لاحقة إلى احتمال أن البارون ألفونس لم يكن يميز دائمًا بين الأصل والإحياء الحديث، مستندة إلى أن قوائم الجرد القديمة لم تفصل بين «القديم» و«الجديد». لكن الوثائق المتاحة لا تحسم نية الاقتناء نفسها: هل دخلت كل النسخ باعتبارها آثارًا؟ أم كان بعض الإحياء الحديث مرغوبًا فيه أصلًا لاستكمال مجالس كاملة وإعادة إنتاج المشهد الشرقي؟
المؤكد أن الأصل أصبح مطلوبًا إلى درجة أن الغرب أراد أن يصنعه مرة أخرى.
وهنا تكون المشكاة قد تجاوزت كونها أثرًا، لقد أصبحت نموذجًا تصميميًا يستحق أن يستنسخ ويبقى.
حكاية تتجاوز مسار ملكية قطعة واحدة
لماذا انجذب عدد من أفراد العائلة إلى المشكاوات تحديدًا؟ ولماذا تكررت في مجموعاتهم؟ ولماذا ظهرت داخل قصور أوروبا، إلى جوار الأثاث والتحف والمشغولات النفيسة، قطع صنعت أصلًا لتتدلى من أسقف مساجد القاهرة؟
ربما لا توجد إجابة واحدة. فالقرن التاسع عشر شهد صعودًا هائلًا للاهتمام الأوروبي بالفن الإسلامي، واتساع سوق التحف القادمة من القاهرة ودمشق وإسطنبول، بالتوازي مع المعارض الدولية وظهور غرف وديكورات كاملة تستلهم الشرق الإسلامي. لكن المشكاة تمتعت بشيء إضافي: فهي تجمع في جسد واحد خصائص قطعة فنية وقطعة مجوهرات وعنصر إضاءة؛ زجاج شفاف، وذهب، ومينا متعددة الألوان، وخط عربي، ونار تتحرك خلف الجميع.
ربما لم يكن افتتان الغرب بالمشكاة سوى امتداد لافتتانه القديم بالشرق الذي جاءت علوم وفلسفات وفنون تنوعت بين الطب والفلك والهندسة والفلسفة والمنطق، عبرت إلى أوروبا عبر غرناطة وعبر حركة الترجمة، فأضاءت لها طرق المعرفة الذي أخرجها من عصورها المعتمة. لذلك لم تكن المشكاة بالنسبة إليه مجرد قطعة زجاج مذهبة، بل امتدادًا لصورة أعمق: الشرق باعتباره موطنًا للنور والمعرفة والجمال، والأصل الذي يستحق أن يُدرس ويُقتنى ويُعاد تفسيره وتقليده.،
فالمشكاة التي حملت هذا النور في صورتها المادية. كانت مثالا فعليا على النور الذي سطع على الوعي الأوروبي وكان مصدرًا للعلم والإلهام والجمال، وأصلًا يُنظر إليه، ثم يُدرس، ثم يُقلَّد.. ويعتنق كفلسفة للحياة.
عندما لم يعد يكفي امتلاك الأصل
ربما يكون السؤال الأكثر إثارة هنا ليس ما إذا كان بعض المقتنين قد أخطأ في تأريخ قطعة، وإنما لماذا أرادوا نسخها من الأساس؟
فحين تتحول قطعة أثرية إلى نموذج يعاد إنتاجه بعد خمسة قرون، نكون أمام شيء تجاوز حدود الاقتناء إلى التأثير. لم يعد مطلوبًا الاحتفاظ بمشكاة قديمة فقط، وإنما استعادة الحالة التي صنعتها؛ ذلك المشهد الذي يخرج فيه الضوء من قلب زجاج ملون ومذهب، وتبدو النار خلفه وكأنها تحرك الزخارف من الداخل.
القاهرة.. حين صنعت النار قطعة لا تكتمل إلا بالنور والذهب
لفهم سر هذه الفتنة لا بد من العودة إلى القاهرة في القرن الرابع عشر، إلى اللحظة التي لم تكن فيها المشكاة أثرًا ولا تحفة نادرة، بل جزءًا من عمارة حية.
في عام 1382 اعتلى الظاهر برقوق عرش السلطنة، مؤسسًا عهد المماليك الجراكسة. وبعد سنوات قليلة اكتمل مجمعه الكبير في بين القصرين؛ مسجد ومدرسة وخانقاه وضريح، في قلب مدينة وصفها ابن خلدون في تلك السنوات بأنها من أعظم مدن العالم وأكثرها ازدحامًا وازدهارًا.
وقتها.. احتاجت العمارة المملوكية الجديدة إلى الضوء الذي يليق بها.
المساجد والمدارس والخانقاوات ذات المساحات الضخمة والأسقف المرتفعة استدعت أعدادًا كبيرة من المصابيح المعلقة، وهو ما يفسر وفرة المشكاوات التي صنعت في مصر وسوريا خلال القرن الرابع عشر. ومشكاوات برقوق تحديدًا من أكثر ما بقي من ذلك العصر؛ فقد سجل كتالوج جاستون فييت في متحف الفن الإسلامي بالقاهرة وحده 24 مشكاة مرتبطة ببرقوق، إلى جانب 29 جزءًا وشظية يمكن نسبتها إلى نماذج مماثلة.

المشكاة .. تحمل سر نَفَخة الإنسان.
يلتقط الصانع كتلة الزجاج المنصهر بأنبوب النفخ، ويدفع إليها الهواء تدريجيًا، يديرها ويشكلها وهي ما تزال لينة تحت تأثير الحرارة، حتى تتكون منها كتلة متجانسة لها بدن وعنق وفوهة وقاعدة. ثم تلحق بها الحلقات الزجاجية وهي ساخنة.
كان من الممكن أن تنتهي القطعة عند هذه المرحلة وتظل نموذجًا رائعًا من الزجاج المنفوخ، لكن الجمال المملوكي يبدأ تقريبًا من حيث كان يمكن لغيره أن يتوقف.
فوق الجسد الشفاف تأتي المينا الزجاجية بالأحمر والأزرق والأخضر، ثم الخط والزخارف النباتية، ثم الذهب. والمينا ليست طلاءً باردًا يمكن وضعه بلا مخاطرة، بل مادة تحتاج إلى الحرارة كي تندمج مع سطح الزجاج. أي أن القطعة التي خرجت سليمة بالفعل من الفرن تعود إليه بعد أن تحمل ساعات من الرسم والزخرفة، وكل عودة إلى النار تعني احتمالًا جديدًا للكسر أو التشوه.
أما الذهب فلم يكن مجرد إضافة لإظهار الثراء، بل عنصرًا فاعلًا حين تضاء المشكاة. فما يبدو في ضوء النهار زخرفة مذهبة يتحول مع اللهب الداخلي إلى مناطق تتلقف النور وترده بريقًا.
وتشير متاحف قطر إلى أن جزءًا كبيرًا من التذهيب الأصلي فُقد بمرور الزمن، وأن مناطق تظهر اليوم كخطوط حمراء كانت في الأصل تحمل الذهب. ولذلك كانت المشكاة عند اكتمالها أكثر ثراء وتوهجًا مما تسمح لنا حالتها الحالية بتخيله.
هنا تظهر فلسفة الزجاج الملون في أنقى صورها؛ لم تكن محاولة للإمساك بالضوء، بل لإحيائه والتعبير به عن الحياة وحيويتها.
فالضوء حين يمر عبر اللون لا يعود في العين كما دخل. يبدو وكأنه يعيد تحليل ضوء الشمس الأبيض إلى أطيافه السبعة؛ وحين يشتعل المصباح، تنطلق من الزجاج الملون أقواس قزح صغيرة في اتجاهات مختلفة، يتحرك الأحمر والأزرق والأخضر مع اهتزاز اللهب، بينما يلتقط الذهب النار ويردها لمعانًا.
ومن ثم لا تكون الألوان مجرد زخرفة ملتصقة بالمشكاة، وإنما تصبح ضوءًا ملونًا يمتد خارجها إلى المكان المحيط.
ولهذا لا يمكن فصل تصميم المشكاة عن لحظة إشعالها. وهي مطفأة تظل تحفة من الزجاج والمينا والذهب، ولكن حياتها الكاملة تبدأ بالنور. فالمشكاة والضوء ليسا عنصرين منفصلين؛ كلاهما جزء من العمل نفسه.
حين أضاء المملوكي الضوء بآيات النور
يزيد الخط العربي هذه الوحدة بين الشكل والمعنى عمقًا. تسجل متاحف قطر على المشكاة اسم السلطان الظاهر برقوق داخل الكتابات والرصائع، بينما يحمل العنق نصًا من آية النور، الآية 35 من سورة النور: “الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح…”
ولا يكاد يوجد مثال أوضح على تداخل التصميم بالنص والوظيفة.
الآية تقول «مشكاة»، والكلمة نفسها تجري على مشكاة. وتقول «مصباح»، بينما النار مشتعلة بالفعل داخلها. وتتحدث عن «الزجاجة»، وحروفها مرسومة على الزجاج الذي يمر من خلاله الضوء.
أما خط الثلث الكبير فلا يؤدي وظيفة القراءة فقط؛ فقد أصبح هو نفسه بنية زخرفية تتداخل مع اللون والفراغ، فيلتف حول الجسم كما تلتف الكتابة المملوكية حول واجهات المباني والقباب.
وهنا لا يكون الخط زينة موضوعة فوق القطعة، بل جزءًا من تصميم الضوء ذاته ودلالة قرآنية عليه.
ولعل هذا هو أحد أسرار بقاء المشكاوات المملوكية قادرة على إغواء أجيال لم تعرف السلطان برقوق ولم تر القاهرة المملوكية؛ فهي لا تقدم مهارة تقنية فقط، وإنما تقدم فكرة مكتملة تجمع الشكل والخامة واللون والكلمة والنار في كيان واحد.
وهذه الفكرة هي التي ستعبر، بعد قرون، المحيط الأطلسي.
في نيويورك.. المشكاة في ستديوهات التصميم
في النصف الثاني من القرن التاسع عشر كان Edward C. Moore- إدوارد سي موري، أحد أهم الأسماء داخل دار Tiffany & Co.، كما كان جامعًا نهمًا للفنون التاريخية، ومنها الفن الإسلامي. وعندما انتقلت مجموعته إلى متحف المتروبوليتان عام 1891 كانت تضم عشرات الأعمال الزجاجية الإسلامية، إضافة إلى مشكاوات مملوكية أصلية.
إحدى هذه المشكاوات، المحفوظة اليوم في المتروبوليتان برقم 91.1.1539، تعود إلى القرن الرابع عشر ويرجح المتحف صناعتها في مصر ـ القاهرة أو سوريا، وصنعت من الزجاج المنفوخ المموه بالمينا والمذهب. وكانت ضمن مجموعة مور الشخصية قبل أن يوصي بها للمتحف.
وليست هذه حالة منفردة؛ فسجلات المتروبوليتان تكشف عن عدة مشكاوات أخرى من مجموعة Edward C. Moore، بعضها من النصف الأول وبعضها من النصف الثاني من القرن الرابع عشر.
أهمية ذلك لا ترجع فقط إلى أن الرجل كان يعمل لدى Tiffany & Co.؛ فمجموعة مور كانت جزءًا من ثقافة تصميم قائمة على الدراسة المباشرة للأشياء. وكانت القطع التاريخية بالنسبة إلى المصممين مرجعًا بصريًا وتقنيًا، وليست تحفًا توضع بعيدًا عن أيديهم وأعينهم.
ومن هنا يقترب خط المشكاة المملوكية من خط تيفاني أكثر فأكثر.
فالدليل لا يقوم على تشابه متأخر بين مصباحين، بل على وجود الزجاج الإسلامي نفسه داخل البيئة التصميمية التي خرج منها فن تيفاني.
والأهم أن متحف المتروبوليتان يذهب أبعد من ذلك؛ ففي دراسته المرجعية عن تاريخ الزجاج الإسلامي يذكر صراحة أن Favrile Glass الذي اشتهر به Louis Comfort Tiffany أظهر تأثيرًا من زجاج العالم الإسلامي، ويشير إلى أن 96 قطعة من مجموعة الزجاج الإسلامي في المتحف جاءت أصلًا من Edward C. Moore، الذي شارك تيفاني اهتمامه بالفنون الشرقية وأسهم في إدخال ما عرف بالـSaracenic Style إلى الدار.
ليصبح التأثير حقيقة موثقة، وإن ظل من الضروري التمييز بين تأثير عالم كامل من الزجاج الإسلامي وبين نسبة تصميم بعينه إلى مشكاة بعينها.

تيفاني.. من وحي المشكاة.. اعتنق فلسفتها
كان يمكن لتيفاني أن يفعل ما فعلته بعض ورش أوروبا: يعيد رسم الخط العربي، ويحافظ على الشكل المملوكي، ويصنع مشكاة جديدة تشبه الأصل.
لكنه كان مصممًا أكبر من أن يقف عند حدود التقليد.
ما أخذه من هذا العالم كان أعمق من الشكل.
فقد أخذ العلاقة بين النار والزجاج واللون والضوء.
في أعمال Favrile التي أصبحت من أشهر إنجازاته، لم يعد اللون مجرد طبقة تضاف على سطح الزجاج، بل صار جزءًا من المادة نفسها. الألوان تتداخل داخل الزجاج، والأسطح القزحية تتغير مع حركة العين والإضاءة، والقطعة لا تقدم صورة واحدة ثابتة، بل حالات مختلفة للحياة حسب النور الذي يمر بها أو ينعكس عليها.
وإذا كان الصانع المملوكي قد استخدم المينا والذهب ليوقظ الزجاج حين يشتعل المصباح، فقد أخذ كومفورت تيفاني الفكرة إلى أرض جديدة؛ جعل الزجاج ذاته ينبض باللون.
ولم تختفِ الذاكرة الإسلامية من أعماله حتى على مستوى الأسماء والأشكال. فهناك مصباح من Tiffany Studios يرجع إلى نحو 1895 ويحمل اسم Rare “Moorish” Table Lamp، صنع من Favrile glass والزجاج المعشق والبرونز. وتصف كريستيز العمل باعتباره من النماذج التي يظهر فيها التأثير الإسلامي بوضوح.

كما يظهر التأثير الإسلامي في أحد مصابيح Tiffany Studios المبكرة المحفوظة في المتروبوليتان، والمؤرخ بنحو 1895–1898؛ إذ يلفت المتحف إلى استخدام زخرفة مستوحاة من الفن الإسلامي في الطوق البرونزي للمصباح، مع الجمع بين Favrile glass والمعادن والزخارف الشرقية.
ومع ذلك، فإن قيمة العلاقة بين تيفاني والمشكاة المملوكية لا تكمن في العثور على مصباح أمريكي يشبهها شكليًا بقدر ما تكمن في فهم ما الذي بقي من فلسفتها بعد أن تغير الشكل تمامًا.
فالزجاج الملون عند الاثنين ليس لونًا ساكنًا. إنه مادة تنتظر الضوء لكي تحيا وتحييه وتزيده بدورها بهجة وعنفوانا.
فحين يمر النور خلاله، يبدو كأنه يعيد تفكيك ضوء الشمس الأبيض إلى أطيافه السبعة، لتنطلق الألوان إلى المكان؛ يتغير السطح مع حركة اللهب أو تغير زاوية الضوء، وتبدو القطعة مختلفة من لحظة إلى أخرى. ومع كل نسمة هواء، تتراقص حزما من قوس قزح على الحوائط والأجسام.
تلك الحيوية التي منحها الصانع المملوكي للمشكاة قبل أكثر من خمسة قرون هي نفسها التي جعلت الزجاج لاحقًا ميدانًا مفتوحًا أمام تيفاني ليصنع لغته الخاصة.
لم يرث تيفاني شكل المشكاة بقدر ما اعتنق فلسفتها؛ ثم استخرج منها، ومن ميراث واسع للزجاج الإسلامي، فنًا جديدًا أصبحت له تقنياته وشخصيته واسمه، وسجله التاريخ بعد ذلك باعتباره واحدًا من أعظم مبتكري الزجاج الفني الحديث.

المفارقة في رحلة الضوء من القاهرة إلى الغرب
مشكاة صنعت في القاهرة لتضيء مسجدًا مملوكيًا، ثم أصبحت بعد قرون من أكثر القطع التي يسعى جامعو أوروبا إلى اقتنائها؛ وحين لم تكفِهم الآثار الباقية حاولت ورشهم استنساخها. وبعد ذلك وصلت أخواتها إلى مكتبة التصميم في Tiffany، ليتحول التصميم إل ىفن جديد سمي باسم “تيفاني” ويعرف بالزجاج المعشق، لتعبر فكرة المشكاة من فن مملوكي الشكل وإسلامي الزخرفة، إلى ملهم لفنان جعل منه صنعة وحرفة وفن حديث احتفظ بشيء من سرها الأول: إحياء الزجاج بالنار واللون والضوء.
ليصبح هذا بمثابة الانتصار الأطول عمرًا للمشكاة المملوكية؛ أنها لم تبقَ أسيرة الزمن الذي صنعها.
فقد انطفأت فتائلها الأولى، وفقد بعضها قدرًا من ذهبه وألوانه، وتفرقت نماذجها بين القاهرة والدوحة وباريس ولندن ونيويورك، لكن الفكرة التي صنعتها بقيت حيّة: أن الضوء حين يعبر اللون يستطيع أن يمنح الجماد نبضًا، وأن يملأ المكان بحركة تبدو معها أشعة المصباح كأنها أقواس قزح صغيرة تنبعث من الزجاج في كل اتجاه.
ومن القاهرة المملوكية إلى أفران تيفاني في نيويورك، لم يكن ما عبر القرون شكل مصباح فحسب، بل طريقة كاملة في النظر إلى الحياة من خلال الزجاج واللون والضوء.
لقراءة المزيد:
عندما تغني المجوهرات: «Meluzza» تحيي إله الشمس الإغريقية في أحدث تصميماتها من الذهب المرصع
الأميرة فوزية فاروق تأسف لسرقة عقد الملكة نازلي: جزء لا يُعوّض من تراث مصر- عمره 87 عاما.
الهياكل الهرمية في صناعة المجوهرات.. كيف تنظم العلامات التجارية محافظها التصميمية؟
عزة فهمي تنقل “أخبار من مصر” إلى لندن سبتمبر..حين تتحول المجوهرات إلى سفير ثقافي.


